خلاصة تشرينية: عدم الهرولة وراء مغريات السلطة وأكاذبيها وعدم التصالح معها على حساب المصلحة العامة

3 أسابيع يوم واحد ago

بشار حاتم

لا يحتاج الواقع العراقي لمُنظرين أو مُحللين سياسيين ليسردوا لنا إشكالاته فهو أوضح من مرآة الغريبة والغالبية تعي جيدًا أن الأحزاب الفاسدة التي تقبض على الدولة العراقية تحكم وفق مبدأ الاستئثار بالسلطة والاستحواذ على الريع وتكديس المال. وقد تحامل وصبر العراقيون بما فيه الكفاية على هذا النظام السياسي المعطوب الذي لا يمتلك رؤية حضارية لمشروع الدولة وخدمة إنسانها المقهور. وكان الانفجار الجماهيري في العام الماضي مبررًا وحتميًا بعد اصرار السلطة على اللعب على نفسية المواطن العراقي. دونالد توسك :"عندما يتحول نفاد الصبر من تجربة فردية إلى ظاهرة اجتماعية فهذه مقدمة انطلاق الثورات".

وبعد سنوات من الخداع السياسي الفاضح، انطلقت في العام الماضي شرارة الانتفاضة من زَند الثوار وسارت الجموع في السوح والشوارع تحت شعار: "يحق على المظلوم أن يجاهد في وجه الظُلم" وهدير الحناجر يملأ الأرجاء وكان هذا السيل الجماهيري المفاجئ الذي لم يكن متوقعا، كان بمثابة لوحة فُسيفسائية باذِخة الجمال وحالة وعي استثنائية في تاريخ العراق السياسي المعاصر.

يقول شاعر ألمانيا الأشهر فولفغانغ جوته (كنت مقتنعًا تمامًا بأن أي ثورة عظيمة لم تكن أبدًا خطأ الشعب , بل خطأ السلطة....). وهكذا أيضاً جاء الحراك الشعبي في العراق نتيجة رواسب وتكلسات سياسية وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه ردة فعل إيجابية وإصلاحات, فقد كشرت الطبقة السياسية عن أنيابها وطفقت بقتل المتظاهرين وكأنها تقول: ويحكم كيف تجرؤون وتتطاولون على الطوطم السياسي المقدس !

ومنذ اليوم الأول للتظاهرات سقط فيه شهداء وجرحى وأخذ بعدها الرصاص الغادر يخترق أجساد ورؤوس شبابنا بلا هوادة وكان ذنبهم الأوحد هو الوقوف بوجه الطوطم المقدس الذي يريد تركعينا وإذلالنا وحين كانت السلطة ترى في محق الإنسان شرفًا ووسامًا بطوليًا لها , فهي حفرت بذلك نقرة عارها الأبدي وكان جريان دم الأبرياء الطاهر بمثابة الشمع الأحمر الذي ختم على باب حقيقة أن هذه السلطة فاجِرة ولا تمتلك ذرة من الإنسانية!

كانت السلطة الأوليغارشية أظلم من أفعى في سلوكياتها الشمولية مع المطالب الشعبية وبمباركة من حاشيتها وعبيدها ولأن الأغبياء يحكمون فهم حقًا يجهلون حقيقة أن كلما ازداد العنف ,زاد معه الغضب الشعبي والأمر أشبه بمن يحاول أستفزاز كورة دبابير فتهب عليه ولا مهرب له من لسعاتها.

كان النفير الشعبي العام في العراق الذي واجه تعسف السلطة وبغيها استثنائيا وقد عكس ارتفاع مناسيب الوعي المجتمعي ولعل أجمل ما في الحراك التشريني هو مشاركة طلبة الجامعات فيه بكثافة وكان الفارق الأخلاقي بين الشعب والسلطة كالفرق بين الثرى والثريا، ففي الوقت الذي كانت تصر السلطة فيه على سياسة الرصاص والإجرام, كان القائمون على الحراك يصرون على ثقافة السلام والسلمية وهنا يتبين,كم من المهم أن تتحلى السلطة ولو بالحد الأدنى من الأخلاق والمروءة. وقد تزامنت فترة الحراك العراقي مع حراكات شعبية أخرى في دول لبنان والجزائر وعند المقارنة بين أحداثها وبين أحداث احتجاجات تشرين, سيجد المرء فارقًا هائلاً في طريقة التعامل, فلم تسجل لبنان أو الجزائر أي حالة قتل من قبل قوات الأمن.

أن السلوك الاستبدادي الذي أتبعته السلطة مع المتظاهرين والذي حاول اغتصاب الحقوق وتأبيد السيطرة على المجتمع, يُثبت أن فساد السياسة نابع من فساد الأخلاق وأن السياسة بلا أخلاق تصبح أوسخ من حظيرة الماشية. والمؤسف أن التظاهرات نالت كم هائل من العداء والحقد من قبل قطيع السلطة ومن قبل عشاق العبودية الطوعية وكانوا يتصيدون الأخطاء ويخترعون التهم الرخيصة والتحريض لأجل تسويد صحائف الحراك، وإشاعة فكرة أنه لا أمل ينتظر منه، وفي الحقيقة أن العاقل هو من يبني رأيه وتقييمه على قاعدة الأغلبية لا الاستثناء، فإذا وجدت من يركز على الأخطاء الفردية والقواعد الشاذة لأجل نسف قاعدة الأغلبية، فمن المؤكد أن وراء ذلك علل ودوافع ونوازع نفسية وانتفاعية. وهذا يعني إن هناك محاولات متواصلة لاستنزاف الحراك وإضعافه، بأساليب الترهيب والتخوين والتشكيك ومحاولة إحداث انقسام داخل الحراك من أجل إبقاء النظام العميل الفاسد.

وعلى أية حال فقد مر على إنطلاق الحراك الشعبي التشريني عام وما زال العراق يعيش حالة من الانسداد السياسي والركود الاقتصادي وقد تفاقم الوضع مع أزمة كورونا وما تحقق من مكاسب معنوية أو إصلاحية جزئية خلال انتفاضة تشرين، لا يجب أن نتركه يذهب هباءً منثورا بعد كل هذه التضحيات الجسام وفي الحقيقة إن الطبقة السياسية هي من تتحمل مسؤولية عدم تحقيق الحراك لكامل أهدافه، بعد أن سعت إلى اختراقه وإختطافه وما حدث من تعاطٍ للطبقة السياسية مع الحراك وعدم تفاعلها إيجابًا مع تطلعات الثوار نحو التغيير الجذري للنظام وبناء نظام سياسي سليم ، أمر استغله النظام الفاسد المكبل بالتبعية والذي بالوعود والخطابات الديماغوجية المزيفة وبالمقابل أثبت حراك تشرين أن الشعب قادر على التغيير السلمي وتطهير الدولة من رموز الفساد وتحطيم الأصنام السياسية مهما بلغوا من النفوذ والقوة وقد بث التحرك الشعبي الخوف والفزع وهز أركان الطبقة السياسية برمتها وجعلها تستخدم كل الوسائل غير الشرعية من أجل القضاء على المد الجماهيري الثائر.

وما يهمنا الآن بعد هذه التجربة الفريدة كيفية إعادة الحراك إلى زخمه الثوري الجماعي وتشكيل خط معارضة شعبية قادرة على إنقاذ العراق من محنته وتحريره من كماشة الفساد والتبعية الخارجية المهينة وتحقيق التنمية الاقتصادية وتأسيس دولة العدالة الاجتماعية والانسلاخ عن دولة الريع التي يحكمها اللصوص وينخرها النهب والسلب من جميع الجهات.

وربما تحول حاليا مخاطر جائحة كورونا دون عودة الحراك بالزخم والعنفوان السابق، لكنه حتماً سيعود بعد انتفاء أسباب توقفه بالتزامن مع الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، ولذلك على الفاعلين العمل على الاستعداد والتحضير لما ينتظرهم وتطوير فاعلية الحراك عبر تنظيمه وتفعيل أدواته الضاغطة وتحصينه من الاختراق وما يجب أن يؤمن به المنتفضين أن النظام الفاسد لا يمكن أن يصلح نفسه بنفسه، فالتغيير الشامل يولد فقط عن طريق إرادة الشعب وأن لشعب لا يملك بديلاً للخروج من الشارع، رغم الدعوة لانتخابات مبكرة ، فلا توجد هناك أحزاب موثوقة ولا مؤسسات يعول عليها ولذلك فإن مواصلة الحراك هي حتمية وضرورة يفرضها الواقع العراقي المتشظي. ومن هذا المنطلق يجب على الحـراكيين التمسك بورقة الاحتجاج إلى غاية تحقيق مطالبه الشرعية التي خرج من أجلها الشباب الغيارى وضحوا بحياتهم وعلى رأسها بناء دولة مواطنة ديمقراطية حقيقية وإنهاء حالة الفوضى السياسية وما يصاحبها من استهتار وهدر للمال العام والثروات الطبيعية.

وما يتطلبه الحراك أيضا هو الارتقاء إلى البُعد الوطني والإنساني والابتعاد عن المزايدات والانشقاقات وكسب معركة الهوية المشتركة والقيم وتعزيز الصبغة الحضارية للتظاهرات وعقلنة وتهذيب مطالبه بما يحفظ سيادة العراق وكرامة شعبه والأهم من ذلك عدم الهرولة وراء مغريات السلطة وأكاذبيها وعدم التصالح معها على حساب المصلحة العامة ولذا من الضروري التركيز على القطيعة مع النظام ومنظومته الفاسدة المفلسة والثبات على مبادئ الحراك المناهضة لاستبداد السلطة، والسعي إلى تفكيك مؤسسات النظام السياسي الخائر ومنع إعادة إنتاجه من جديد.