الموازنة العامة للعراق ٢٠٢١واحتمالات التمويل بالوسائل النقدية

أسبوعين يوم واحد ago

مظهر محمد صالح

وجه الأستاذ هيثم الحسني الاستشاري في شؤون الادارة المالية الحكومية الاستفسارات والأسئلة الاتية وطلب الإجابة عليها وعلى النحو الآتي:

١- أغلب التوقعات أن العام القادم ٢٠٢١ سيكون أيضا بدون موازنة عامه، لعدم توفر الغطاء المالي.

٢- وهناك توقعات في استمرار الأزمة العالمية الاقتصادية واستمرار انخفاض أسعار النفط.

٣- والحديث عن تخفيض قيمة الدينار أمام الدولار، بدون خطه ذكية لتفعيل القطاع الخاص ليكون مسؤول عن سد احتياجات الاستيراد ومنع الاحتكار والسيطرة على ارتفاع الأسعار.

نحن أمام إعصار اقتصادي سياسي قد ينهي شيء اسمه العراق 🇮🇶 وأعمى من لم يشاهد أو يسمع صوت الرياح المدمرة.

السؤال :

أولا- كيف لنا أن نهرب اقتصاديا من هذا الإعصار المدمر.

ثانيا- هل تعتقد أن تحسين الإدارة المالية في العراق أصبحت ضرورة حتميه - كتطبيق نظام IFMS (نظام المحاسبة الإلكتروني)

حفظك الله أستاذنا ومعلمنا.

 

أ- يمكن القول أنه أمام الاحتمالات والمخارج الاقتصادية الصعبة التي ذكرت في التساؤلات آنفا، فلامناص من فرض الانضباط المالي...fiscal control ولا أقصد سياسة التقشف بالضرورة austerity policy ذلك بجعل الإنفاق الحكومي يطابق الإيرادات العامة مهما بلغت، وإحداث موازنة (مقزمة) متوازنة وإنما التحول نحو السيطرة الفاعلة على أبواب الصرف غير المسوغ أو القابل للتاجيل والتعايش مع تدفق إيرادات نفطية منخفضة تصرف أو تنفق بقدر عالي من الانضباط وتكفي في الوقت نفسه سد الالتزامات الإسمية أو التعاقدية القائمة كتركة فرضتها سياسات مالية سابقة شديدة التوسع. وبالتاكيد فإن موازنة عام ٢٠٢١ ستبقى موازنة تشغيلية بامتياز باستثناء بعض التخصيصات الاستثمارية للمشاريع طور التسليم. وإذا ما ظلت الموازنة التشغيلية تهيمن عليها فقرة الرواتب والأجور والتقاعدات والمنح وهو الأمر المتوقع حتما مع انخفاض الإيرادات النفطية وعلى وفق معطيات الاقتصاد العالمي، وتدني الحصيلة الضريبية والإيرادية غير النفطية (التي لا نتوقع نموا ملموسا فيها بسبب مظاهر الركود وانفلات التحصيل والعوامل المؤسسية الضعيفة في الفهم والتطبيق بما فيها تواضع قدرات استخدام انظمة ادارة المعلومات المالية IFMS التي تلقى مقاومة شديدة من الحرس الدفتري أو الحرس المالي القديم)، لذا فإن عبء تعظيم الموارد المالية وتعزيز موجة التحصيل وتوفير الإيرادات المالية السائلة في موازنة العام ٢٠٢١ سينصب على دور السلطة النقدية وسياساتها القادمة في إنقاذ حركة الاقتصاد عبر مؤازرة الموازنة العامة واستمرار ديناميكيات الاقتصاد الكلي وتخليصه من مشكلات الركود الخطير المتعاظم.

ب- هناك متلازمتان بين السياسة النقدية والسياسة المالية في مرحلةً الفائض المالي في الموازنة العامةً وبناء الاحتياطيات الأجنبية بسبب انتعاش أسعار النفط وبين مرحلة العجز المالي والتحول إلى التمويل بالإصدار النقدي عن طريق سياسات التيسير الكمي لمواجهة الأنشطة الانكماشية، إذ ظلت السياسة النقدية تتبع شبه ترتيبات مجلس العملة semi currency board arrangements، حيث هنالك تغطية تامة للدينار العراقي بالعملة الاجنبية مع حرية التحويل الخارجي واعتماد سياسة مشددة إزاء التضخم tightens policy والتوقعات التضخمية ولم يعد البنك المركزي الملجا الأخير للإقراض LLR بل تحول إلى الملجا الأخير للإقتراض من الجهاز المصرفي وعلى مدى عقد كامل من الزمن BLL بسبب سياسة الفائدة المرتفعة والتحسن المستمر في قيمة الدينار العراقي ومكافحة التوقعات التضخمية باستخدام المثبت الإسمي لسعر الصرف nominal anchor.

أما في مرحلتي الازمة المالية ٢٠١٤-٢٠١٧ و ٢٠١٩-٢٠٢٠ و ٢٠٢١ فقد تحول البنك المركزي نسبيا إلى مدرسة الصيرفة banking school ولا سيما بإقراض الحكومة عن طريق عمليات السوق الثانوية لحوالات الخزينة وإقراض السوق أيضا والتوسع في الموجودات المحلية في الميزانية العمومية للبنك المركزي، والتبدل من BLL إلى LLR باستخدم التيسير الكمي والتيسير الائتماني بفائدة السياسة النقدية أو دونها أحيانا. ولأول مرة تتم تغطية الدينار من العملة الاجنبية حصرا إلى الأدوات المالية الداخلية لمكافحة الأنشطة الانكماشية في الاقتصاد.

وفي الأحوال كافة فلا مناص من اللجوء إلى استخدام السياسة النقدية التوسعية أو الملبية accommodative في التعاطي مع الأدوات والإشارات النقدية المفضية إلى كسرالركود الراهن والتحول إلى نمط في إدارة أهداف السياسة النقدية يقوم على التضخم المستهدف المحدود limited targeted inflation (أي دون الخروج من المركب السعري ذي المرتبة العشرية الواحدة one single digit inflation) والذي يمكن أن إسميه (إن جاز لي التعبير) بحالة تحريك المثبت الإسمي من مكان استقراره الراهن الثابت إلى آخر متحرك removable nominal anchor، ذلك في تبني سياسات صرف أكثر ملائمة ومرونة عند تحديد القيمة الخارجية للنقود، مع قبول ثبات إسمي للقيمة الداخلية للنقود في سد الالتزامات والمدفوعات التعاقدية للمعاملات. وبهذا سيكون التضخم المستهدف المحدود وسيلة تمويل إضافية تدعم الحفاظ على القيم الإسمية الملتزم بها في الصرف أو الإنفاق في الموازنة العامة المقبلة. فالحفاظ على القيم الإسمية النقدية للإنفاق والالتزامات التعاقدية المحلية كافة وخفض القوة الشرائية الحقيقية في الموازنة العامة هي أشبه ما بالرافعة المالية fiscal leaverge المستجدة بالعوامل (الكمية) ولكنها مشتقة من المتغيرات (السعرية) وهو ما نطلق عليه بالضريبة التضخمية inflationary tax وهو أمر يلائم سياسة (سحب البساط المالي من إشكاليته الحقيقية الثابتة دون المساس بالتزامات الدفع النقدية الإسمية في الموازنة العامة). فسياسة سحب البساط المالي الحقيقي واستبدله بالبساط الإسمي تاتي من مشكلات تفاقم عبء الاقتراض الداخلي وتحميل الموازنة العامة أثر مالي صعب السداد إلى اخر الشوط. ذلك بسبب بلوغ الاقتراض المحلي المفضي إلى توسع القاعدة النقدية حدود قصوى قد لا تتناسب وحدود الاستقرار التي يتطلع إليها النظام النقدي الراهن وكفاية احتياطياته الأجنبية كأداة نقدية مهمة وأساسية (تتسق ومباديء السياسة النقدية الراهنة).

وعليه ما لم تتحرك السلطة النقدية وتستبدل شي من أهدافها باتجاه سياسات توسعية (سعرية) المضمون كاستهداف التضخم المحدود صعوداً بدلا من سياسات التوسع (الكمي) الراهنة القائمة على سياسات التمويل بالنقد الرخيص cheap money policy (وهي في الحالة العراقية تقوم على ثبات سعر الصرف) فإن ظواهر التوسع بالأساس النقدي وبإصول أو موجودات دين محلية سيقوض آجلاً أم عاجلا مستويات كفاية الاحتياطيات الأجنبية تحت قيد ثبات المصروفات التشغيلية الحكومية كقوة إنفاق عظمى مقومة بعملة أجنبية في ظروف تاريخية (كان أساسها فائض ميزان المدفوعات العراقي في سنوات الوفرة المالية) والاستمرار بتوليد قوة طلب عظمى داخل الاقتصاد الوطني بقوة شرائية عالية شديدة الكلفة.

ج - فإن الإنفاق الحكومي الذي يمثل قرابة نصف الناتج المحلي الإجمالي سيدفع لا محالة موازنة ٢٠٢١ باستمرار إلى توافرالحاجة إلى التمويل (الكمي) من خلال الاقتراض المحلي، الذي بلغ طاقاته القصوى، والذي بات أمرا غير مرغوب في السياسة المالية ومتطلبات موازنة ٢٠٢١ ما لم تتبدل سياسات التمويل الحكومية نفسها من الوسائل (الكمية القائمة على الاقتراض الداخلي وتوسع بالأساس النقدي في الميزانية العمومية للبنك المركزي العراقي) إلى الوسائل الكمية القائمة على التبدل (السعري). أي التي يمكن أن ترتكز على تحريك المثبت الإسمي لسعر الصرف كما أشرنا سلفا. وإن هذا التبدل يقتضي مسايرة قوية من طرف السياسة النقدية بالتحول في تبّدل تركيب الأساس النقدي في الميزانية العمومية للبنك المركزي من مظاهرها الكمية بسعر صرف ثابت إلى التبدل قيميا أو سعريا وبسعر صرف متحرك، وهي سياسة لا يمكن الخروج عن مساراتها ما لم يتحقق توازن مرغوب في الموازنة العامة أو فائض ملموس مخطط exante في الموازنة الحكومية مفترضين ارتفاع أسعار النفط إلى اكثر من ٦٠ دولار للبرميل الواحد وهو أمر ربما مستبعد في السنة المالية القادمة.

د- ختاماً، إن حالة الركود الشديدة في الاقتصاد الكلي اليوم، التي يمثلها انعدام التضخم الملامس للصفر، وترافقها أوضاع بطالة تلامس المرتبتين العشريتين وناتج محلي إجمالي فقد قرابة ٣٠٪؜ من قيمته وبتدني مستمر ومقلق، هي من يسوغ إحداث موجة (تضخمية منضبطة محدودة تقودها السياسة النقدية controllable inflationary wave) تلائم سياسة (سحب البساط المالي الحقيقي في تحصيل الإيرادات بوسائل تضخمية مسيطرة واستبدالها بأخرى إسمية). أي إحداث تلائم match نقدي مع سياسة مالية تقوم على تنفيذ التزامات الصرف في الموازنة بقيمها الإسمية أو التعاقدية بدلا من قيمها الحقيقية المغالى بها على مستوى الإنفاق المحلي الذي يشغل اليوم قرابة ٧٠٪؜ من إجمالي النفقات العامة).