هل بدأ الكاظمي حملته الانتخابية مبكرا على الطريقة الأميركية؟

مقابلة مع الكاظمي
أسبوعين 6 أيام ago

علاء اللامي

سأبدأ هذه المقالة بمخاطبة بعض صغار الانتهازيين الذين أخذوا يكررون اتهامهم لكل من ينتقد ويكشف ملفات الكاظمي بأن هذا المنتقد ولائي "من أتباع الولي الفقيه في إيران" أو مدافع عن الولائيين، فأقول لهم: أنتم ومن تسمونهم "ولائيين" وجهان لعملة تدمير العراق الواحدة، عملة استمرار التبعية وفقدان الاستقلال، وعملة الفساد والإفساد المنظم، أما الاتهامات التافهة كالتي توجهونها فلن تخفي حقيقتكم وحقيقة مَن تدافعون عنهم، إنما نحتكم في السجال بيننا وبينكم للوقائع والأرقام على الأرض وليس للأوهام والنوايا والكلام الإنشائي الفارغ ، ولن تنجح اتهاماتكم وتنمركم وابتزازكم بإسكات نقدنا وكشفنا للحقائق أمام شعبنا حتى وإنْ نافق البعض من أشباه المثقفين الذين نجحتم في تدجينهم وتحويلهم الى ببغاوات تكرر ما يقولوه إعلامكم الكاذب أو جلسوا على منبر الناصح الحريص على رأس الحكم وتمنوا عليه لو أنه لم يخرج بهذا اللقاء الفارغ من أي شيء ذي قيمة  ويفضح نفسه، وحتى وإنْ سكت البعض وابتلعوا ألسنتهم خوفا أو طمعا أو ممارسة لانتهازية أدمنوها.

في اللقاء الأخير مع مصطفى الكاظمي أجرته القناة التلفزيونية الرسمية "العراقية" ظهر واضحا وكأن المتحدث بدأ مبكرا حملته الانتخابية التي جيء به لإنفاذها كمخرج للنظام الموشك على الانهيار بعد أن حاصرته الانتفاضة الشبابية في الزاوية الحرجة، فراح يتهم أطرافا تعارضه مكررا في الوقت نفسه أنه لا يتهم ولا يخون أحدا! ويعدد إنجازاته البائسة خلال الأشهر الأربعة الماضية مكررا عدة مرات عبارة "وهذا ما سوف أعلن عنه في الوقت المناسب"، وكأنه يطبق حرفيا التكتيكات الانتخابية التي يأخذ بها الساسة والأحزاب في الولايات المتحدة القائمة على الإخلاص لمقولة النازي غوبلز (اكذبْ واكذبْ واكذبْ حتى يصدقك الناس)، وفي هذا مؤشر قوي على جرعة التعليمات التي تلقاها الكاظمي من فريق مستشاريه في شركة العلاقات العامة الأميركية التي ترسم خطواته وأحاديثه وحركاته والوان ملابسه. أما عبارة "استجابة لمطالب الشعب والمرجعية الرشيدة والقوى السياسية" فقد تكررت عدة مرات هي الأخرى، وكأنها الطابع الرسمي لحملته وشعارها الرئيس. هذه وقفة عند ما بدا لنا الأكثر أهمية مما ورد في حديثه الذي امتاز بسطحية وركاكة قد لا نجد مثيلا لها إلا في خطابات ترامب، نبدأها بكلمة حول محاوره نبيل جاسم ودوره في تقديم الحوار بهذا الشكل دون سواه:

1-إن الشخص الذي حاور الكاظمي وهو نبيل جاسم، إعلامي عُرفَ في القنوات التفلزيونية الخاصة "التجارية" سابقا، بأنه الأكثر حدة وتشنجا في نقده السطحي للنظام وساسته ومسؤوليه حقا وباطلا - ومشهورةٌ هي حفلته التنمرية المثيرة للاشمئزاز مع الناطق الرسمي بلسان حكومة عبد المهدي القمعية عبد الكريم خلف الذي اتهمه علنا بانه مرتزق إعلامي معروف السعر- وقد تحول جاسم فجأة، بعد تشكيل حكومة الكاظمي ليكون بمثابة وزير إعلام النظام "رئيس شبكة الإعلام العراقي" ولينقلب فجأة إلى "حمامة سلام وديعة" يقدم ضيفه رئيس الحكومة للجمهور بطريقة لافتة  في تملقها مشاركا إياه في تلميع نفسه وتبرئتها مما يثار حولها. فقد بدأ نبيل جاسم لقاءه مع الكاظمي بأن عدد له ما يوجه له من اتهامات عامة بكونه متعاونا مع الأميركيين والإيرانيين والسعوديين فزاد عليه ضيفه بأن ذكَّره إنه اتهم بأنه بعثي أيضا، وراح يفاخر بتوازنه واعتداله، وبأنه يتعرض لهذه الاتهامات لهذا السبب تحديدا، ولأنه يريد مصلحة شعبه وتحقيق مطالب هذا الشعب والمرجعية الرشيدة - العبارة الأخيرة تكررت عدة مرات وبشكل نشاز ولا مبرر له أحيانا - وأنه سيستمر في طريقه هذا! هذه الطريقة الساذجة في التلميع الإعلامي وباللغة الخشبية الموروثة عن إعلام الأنظمة الشمولية يعرفها العراقيون جيدا، ولو كان لدى نبيل جاسم ذرة من الصدق مع الناس أو مع النفس، وذرة من المهنية والجرأة، لطرح على الكاظمي أسئلة واتهامات محددة قيلت بحقه علنا ومنها عن علاقته بالمتصهين كنعان مكية الذي عمل معه طويلا وما يزال يتلقى تعليماته بل يقال إنه هو الذي ساعد على إيصاله الى منصبه، أو بما ذكره المتصهين الآخر - مثال الآلوسي - على التلفزيون من أنه هو الذي أنقذ الكاظمي من (الذبح بسكاكين الإيرانيين) حين استغاث به وهو في واشنطن/ ونشرت فيديوا بهذا التصريح، أو لكان طرح عليه سؤالا أو استفسارا عما قيل عن دوره في سرقة أرشيف الدولة والحزب الحاكم قبل الاحتلال وتسلميها لقوات الاحتلال، أو عن تعيينه في منصب خطير في رئاسة جهاز المخابرات على حصة الحزب "الديموقراطي الكردستاني" البارزاني وهو الجاهل بأي شيء ذي صلة بالأمن والمخابرات! ولكن نبيل جاسم تصرف كما تتصرف الدمى المربوطة بخيوط غير مرئية وطرح أسئلة عامة لا تقول شيئا ولا تستفهم عن شيء ويمكن توجيهها لأي شخص على سبيل الملاطفة والتبرئة المسبقة!

2- قال الكاظمي (هذه الحكومة - حكومته - انتجها انسداد اجتماعي، شبه انسداد اجتماعي... انتجها الواقع الاجتماعي، إحساس شعبي عام بأن العراق في خطر...تشرين كان هناك إحساس بوجود ازمة حقيقية ليس بين الشعب والحكومة وإنما بين الشعب والمنظومة السياسية وحتى القوى السياسية. وفي خطابي الأول قلت إن هذه الحكومة هي حكومة لحل وليس حكومة أزمات. حكومة حل يعني تكون خيمة لكل العراقيين. خيمة للقوى الشعبية والقوى السياسية والعمل على هدف واحد هو الوصول إلى مطالب الشعب ومطالب المرجعية الرشيدة ومطالب الكتل السياسية في انتخابات مبكرة نزيهة عادلة...) لم يكن العراق في خطر إلا بسبب نظام حكم لا ينسجم أبدا مع طبيعة المجتمع العراقي التعددي المتنوع، نظام مكوناتي تابع فرضه احتلال أجنبي وهيمنت عليه أحزاب طائفية فاسدة. نظام لمأزوم كان في خطر السقوط والتفكك فجيء بالكاظمي لإنقاذه من السقوط واحتواء الانتفاضة الشعبية التي حاصرته، إنقاذه بواسطة رفع شعار "الانتخابات المبكرة تحت إشراف دولي". والكاظمي كان صريحا رغم لغته المضطربة في قول هذه الحقيقة فنصب خيمته السحرية ليجمع فيها القاتل والمقتول والسارق والمسروق والقوى الشعبية والأحزاب السياسية التي أحرقت هذه القوى مقراتها... يتبع في الجزء الثاني، وفيه نناقش ما ورد في اللقاء حول العلاقات الخارجية للعراق والتهديدات الأميركية بالحصار والعزلة وسحب السفارات إذا أجبرت واشنطن على سحب قواتها عما قاله الكاظمي عن قوى شيعية طلبت منه جدولة انسحاب القوات خلال ثمانية أعوام وعن قتلة المتظاهرين ولجنة تقصي الحقائق التي سيعلن عنها قريبا وعن إطلاقه لقب قائد المقاومة اللبنانية "سيد المقاومة" على مقتدى الصدر وأسباب ذلك وسياقه السياسي. شكرا لكم على المتابعة والتعقيبات الرصينة.