مشروع "الرؤية العربية المستقبلية": قضايا وأولويات

أسبوع واحد 5 أيام ago

صبري زاير السعدي

أولاً: المسيرة الرائدة والتجديد

أسهم مركز دراسات الوحدة العربية (المركز) منذ تأسيسه في عام 1975، والمنارة مجلة "المستقبل العربي"، في تعريف ونشر الكثير من القضايا العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعلمية والثقافية والفكرية، وإضاءة إرث وإسهامات العرب الغنية في التاريخ. ومع أن أية محاولة جادة لتقييم مسيرة "المركز" خلال العقود الأربعة الماضية تتطلب من الجُهد والدراسة والوقت الذي يتجاوز المتاح، إلا أن قراءة مختارة، ولو السريعة، لعدد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلة "المستقبل العربي" كافية للاستنتاج، بمعيار النقد المهني وبغض النظر عن صوابها، بأهمية الإنجازات التي تحققت في ترويج الآراء ونشر المعرفة بالقضايا والتحديات التي تواجه البلدان العربية. فلقد وفر "المركز" فرص نشر إسهامات فكرية ومهنية هامة للعديد من الخبراء والمهنيين والكتاب والمثقفين العرب في مجلة "المستقبل العربي". وبأي حال، فإن تفاقم الظروف والأزمات السيئة الراهنة التي تحيط بجميع البلدان العربية في الوقت الحاضر، تتطلب تطوير مهام وفعاليات "المركز" لمواصلة رسالته القومية بكفاءة من خلال تحديث أولويات القضايا الرئيسية التي يَهتدي بها في إنجاز مشاريع الدراسات والبحوث والندوات وورش العمل والمناقشات التي ينفذها.    

منذ وقت مبكر، أتيحت لديّ فرص نشر عدد من الدراسات الاقتصادية في "المستقبل العربي"، وكنت أيضاً أتابع أحياناً بعض الدراسات والندوات المعنية بمناقشة "استشراف المستقبل العربي" لنخبة واسعة من الباحثين والمثقفين من مختلف المدارس الفكرية والسياسية منذ عقد الثمانينيات، والتي تطورت في عام 2010 بصدور وثيقة "المشروع العربي النهضوي" (المشروع) الذي استقبل بإيجابية وتقدير. كان الأمل في "المشروع" أن يؤسس لمنهجية جديدة تتسم بوحدة التصور والمرونة لتساعد "المركز" والنشطاء السياسيين في نشر المعرفة والتأثير في الرأي العام لصالح الحركة القومية العربية، ولتؤمن أيضاً، الاتساق الضروري بين أولويات القضايا الرئيسية وفعاليات "المركز". وكان توقيت إعلان "المشروع" آنذاك مهماً، حيث سادت البلدان العربية ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متدهورة وصعبة فاقمت أزماتها الداخلية وازداد التشتت في علاقاتها البينية، وتعمقت خلافاتها مع توسع التدخلات الإقليمية والدولية في شؤونها الداخلية. وبعد مرور عقد من الزمن، استمر، وللأسف الشديد، التردي في واقع الدول العربية، بدرجات ومجالات متباينة، حيث تَقييد الحريات الفردية في النقد والتعبير، وزيادة قمع الحريات العامة، وارتفاع البطالة بمعدلات عالية، وانتشار الفقر ليشمل غالبية السكان، وتجذر الفساد المالي والإداري والسياسي في المؤسسات العامة، واتساع فجوة التباين بين الدخول والثروات بين الأفراد والمناطق، وتزايد الديون العامة والقروض الأجنبية، وضعفت المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتزايدت النزاعات السياسية والأمنية والعسكرية بين الدول العربية، وتوسع التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية.

في هذه الظروف السيئة والبالغة الخطورة في حاضر ومستقبل البلدان العربية، يَصبح تَجديد محاور "المشروع" وتحديث أولويات برامج ومشاريع الدراسات وفعاليات "المركز"، ضرورة موضوعية تجمع بين التوسع في الاهتمام بمتطلبات النمو الاقتصادي والتنمية السياسية والاجتماعية والبيئية الوطنية وبين الشروط السياسية والاقتصادية للوحدة القومية العربية. وفي هذه الظروف والمهام الاستثنائية، يجب عدم تجاهل المواقف ومشاريع الحلول الاستثنائية البديلة. أما البديل أو البدائل، فهي كثيرة بتعدد آراء ومواقف وتحليلات المعنيين بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية.

وبرأينا، هنالك مبررات كافية تسمح بالتقدم بمشروع "الرؤية العربية المستقبلية" (الرؤية) يلخص بمنهجية جديدة، المنطلقات الفكرية والمهنية التي تنسجم مع متطلبات النهضة العربية المنشودة، وليكون أيضاً، وثيقة تساعد في بلورة أولويات الدراسات والمناقشات للنشر في مجلة "المستقبل العربي" وللتعبير عن آمال ورؤى المفكرين والباحثين والمثقفين والسياسيين في شروط التغيير، ولتحفيز إرادة التغيير. ومن فوائد مشروع "الرؤيا"، أو أي مشروع بديل، التخفيف من الممارسات "المزاجية" في تحديد أولويات مهام وفعاليات "المركز".  

وبالتأكيد، إن المبادرة في مشروع "الرؤية"، خطوة شائكة تتطلب المشاركة بخبرات ومعارف واسعة وبقدرات وإمكانيات كبيرة. ومع ذلك، فإنها، كأي محاولة لتجديد منطلقات "المركز" وتغيير أولويات الدراسات والمقالات والمناقشات التي تنشر في مجلة "المستقبل العربي"، ليست مُقيدةً بالضرورة باستيعاب المعرفة الكاملة بإمكانيات وخبرات "المركز" المهنية والفنية والإدارية التي تراكمت في العقود الأربعة الماضية[1]. ولذلك، فإن الآراء في مشروع "الرؤيا" المقترح ليست فقط مُحررة من ظروف "المركز" الذاتية أو أنها مُعدة بمؤشرات إحصائية تتعلق بانتشار مجلة "المستقبل العربي"، إنما هي آراء مستقلة بدافع إثارة الانتباه نحو القضايا العربية والإقليمية والعالمية الأكثر أهمية والمؤهلة بالمعرفة العامة والخبرات المهنية عن بعض التجارب الاقتصادية والسياسية العربية والتي تسمح بالتَكيف مع التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية والعلمية ومعطيات الثورة التكنولوجية المذهلة من جهة، وبتسليط الضوء على متطلبات تجاوز أزمات الدول العربية الداخلية والبينية المتفاقمة من جهة ثانية.

نُدرك، أن مهام "المركز"، ليست كما في مراكز "العصف الفكري" التي تجمع نخبة بارزة من السياسيين والمهنيين والخبراء التي تتولى مهام الاستشارة وتقديم الدراسات والبحوث لمساعدة متخذي القرارات العليا في الدول المتقدمة للتعامل مع الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية، أو اعتبار "المركز" كمؤسسة أبحاث ودراسات أكاديمية بخلفية أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية معينة. "المركز"، هو مؤسسة هدفها الإسهام في جهود تحقيق الوحدة القومية العربية. وفي هذا الاتجاه، يجب أن يعمل "المركز" بمنهجية فكرية إيجابية -وليست محايدة في المواقف السياسية -تتماسك في إطارها أولويات القضايا الرئيسية وتفاصيلها. هذا لا يعني أن "استشراف المستقبل العربي" يسمح -كما شهدت التجربة في الماضي-بوضع مشروع لنموذج صارم "أنيق في اللغة والاتساق" يحدد مسارات المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية العربية في المدى البعيد وذلك باستخدام أساليب إحصائية أو تنبؤات بفرضيات شاملة أو لقطاعات معينة، أو باستخدام شعارات الأدب السياسي التقليدي "الشائع" في التوفيق التَعسفي بين الواقع وبين إرث الماضي. ما هو استثنائي ومطلوب في الوقت الحاضر، تقديم رؤيا مستقبلية تستوعب معطيات التطورات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية الجذرية في العالم وتوظيفها، بفكر ثاقب ومهنية، لتحقيق النهضة العربية المستهدفة تحت شعار "ما يَجبُ تحقيقه، وليس ما يُمكنُ تحقيقه". هذه مهمة كبيرة وشاقة، كما نلحظ في تجربة "المركز" الماضية التي أثمرت "المشروع" والذي تصدرت محاوره الرئيسية كأهداف "المركز": الوحدة العربية، الديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني والقومي، والتجديد الحضاري منذ عام 2010.

وللأسف، فإن أولويات وتفاصيل هذه المحاور، لم تَعُدْ اليوم قابلة للتعايش مع خطورة التطورات العربية والعالمية، ولن تُسهم، برأينا، في التعجيل بالوحدة العربية.    

ثانياً: مشروع "الرؤية العربية المستقبلية"

مع أن العالم يتغير ويتقدم بسرعة مذهلة في جميع جوانب الحياة، ما تزال البلدان العربية متخلفة تتكبد وطأة الأزمات والمشاكل الداخلية والبينية المزمنة، ورؤاها المستقبلية غائبة أو غائمة، والإرادة السياسية فيها متراخية أو تفتقد ثقة المواطنين لإحداث التغييرات في أنظمة الحكم ونظم الاقتصاد وإدارة المجتمع وتطوير قدراتها العلمية والتكنولوجيا. صحيح أن هذا الاستنتاج العام المكثف يفتقد القيمة العملية لتأهيل متطلبات التغيير في البلدان العربية التي تتباين ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبوفرة مواردها الطبيعية وثرواتها الوطنية. ولكن الصحيح أيضاً، أن واقعية وصواب هذا الاستنتاج يمكن اختبارها بالمقاربة النقدية مع محاور "المشروع" لتمهيد البحث في استراتيجيات وسياسات تغيير الواقع العربي المتردي. من هنا، نجد ضرورة في البديل: مشروع "الرؤيا العربية المستقبلية" (الرؤية).

لنبدأ في أولويات القضايا الرئيسية التي يجب تناولها في "الرؤيا"، حيث تبرز دينامية العلاقات الموضوعية بين إحداث التغييرات السياسية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية المستقلة وبين تأسيس النظام الاقتصادي-الاجتماعي الذي يؤمن استثمار الموارد والثروات الوطنية بكفاءة اقتصادية وتوزيع المنافع بالعدالة الاجتماعية. في التفاصيل، نناقش في السياسة، فشل الأنظمة الحاكمة في تأسيس الدولة المدنية الحديثة، وفي الاقتصاد، نناقش الفشل في بناء اقتصادات وطنية قادرة على استدامة النمو وزيادة الدخول والمنافسة في الأسواق المحلية والأجنبية. وفي مناقشة تأهيل الإرادة السياسية للتغيير المقترنة ببناء الاقتصاد المنتج، مع تأمين شروط عديدة أخرى، نقترب من الوحدة العربية المنشودة. ليس في هذا التصور مغامرة أو مصادفة أو رغبة ذاتية أو استجابة آنية لدعوة "المركز" بالمشاركة النقدية في ترشيد مجالات النشر في مجلة "المستقبل العربي". إنما هنالك حقائق التجارب العربية المعاصرة والتحليلات التي تفسر أسباب التدهور في البلدان العربية من جهة، والمعرفة بعوامل التقدم السريع في الدول الناهضة من جهة ثانية. وبأي حال، فإن تنفيذ مشروع "الرؤيا" يتجاوز المعرفة والخبرة الشخصية، ويتجاوز أيضاً، إمكانيات "المركز" الذاتية، بل يتطلب تأمين الإرادة السياسية وتعبئة الخبرات العربية في مختلف المجالات.

وبرأينا، أن قضايا "الرؤية" الرئيسية، هي الخمسة التالية:

  • الوحدة العربية والتجديد الحضاري،

  • الدولة المدنية الديمقراطية المستقلة،

  • النظام الاقتصادي-الاجتماعي،

  • العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي،

  • توطين التكنولوجيا المتقدمة.

والتعريف البسيط بهذه القضايا التي تشمل الكثير من التفاصيل المترابطة والمتكاملة – يصعب حصرها وترتيب أولوياتها – لتمنح "المركز" وهيئة تحرير مجلة "المستقبل العربي" مساحات واسعة في الاختيار بما يناسب إمكانية وتوقيت نشرها. والأهم هنا، ضرورة مراجعة "المركز" لهذه التفاصيل دورياً بإطار القضايا الرئيسية.

وفي التعريف بأولويات القضايا، استعرضنا بالتحليل المُكثف أهمية العلاقة بين السياسة والاقتصاد والمجتمع -العناصر الأساسية في تطور المجتمعات – في دراسة "النظام الاقتصادي-الاجتماعي" الذي نعتقد أنه "الأمثل" بالمقاربة مع الأنظمة الاقتصادية-السياسية وتشكيل النظم الاجتماعية "المتخلفة" في الدول العربية. 

لقد آثرنا عرض أولويات القضايا الرئيسية وتفاصيلها في إطار "الرؤيا" لتناسب الأولويات التي تشغل اهتمام إدارة "المركز" من جهة[2]، وضرورة أن يَهتدي المركز بالقضايا الأساسية في "الرؤيا" التي تشترطها الوحدة العربية من جهة ثانية. وبعبارة أخرى، أن البحث في التفاصيل بطريقة منفصلة كأولويات في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي المجتمع، وفي الفكر، وفي الثقافة، وفي الفلسفة، والبيئة، والمعرفة، كما يرى "المركز"، سيّغير جوهر مهمته السياسية القومية العربية بالتحول إلى مؤسسة أبحاث ودراسات. وفي الواقع، يجري تطبيق هذه السياسة حالياً بانفصال تام عن "المشروع" الذي فقد مقومات استمراره، والذي يَفرضُ البحث عن بديل جديد، كما في "الرؤيا".  

ثالثاً: الوحدة العربية والتجديد الحضاري

  • دراسة ومناقشة العناصر الرئيسية في الهوية القومية العربية: اللغة، والثقافة، والقيم الاجتماعية، والمصالح الوطنية المشتركة.

  • دراسات ومناقشات في القضية الفلسطينية.  

  • دراسات في أسباب فشل تجارب الوحدة والتعاون بين الدول العربية.

  • دراسات في توسيع مشاركة المواطنين في النضال السياسي لتحقيق الوحدة العربية.

  • دراسات في الاتساق بين السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية كأحد الشروط الرئيسية في الوحدة العربية.

  • بخلفية الإرث الحضاري، دراسة مجالات العلم، والتكنولوجيا المتقدمة، والعناية بالفنون، والثقافة، والشعر، والأدب، والفلسفة.

  • نشر الجديد في "النظريات" السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

رابعاً: الدولة المدنية والديمقراطية المستقلة

  • دراسات ومناقشات في المؤسسات والأنظمة السياسية الوطنية.  

  • دراسات في شروط الاستقلال من التبعية الأجنبية.

  • دراسات في تحرير فلسطين واستعادة حقوق الفلسطينيين.

  • تكثيف الندوات والمناقشات العلنية في حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الفردية والجمعية، في الدول العربية.

  • تكثيف الندوات والمناقشات العلنية لرفض ممارسات الحكومات القمعية والتعسفية.

  • دراسات في أهمية الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدول العربية.

  • تطبيق العدالة والمحاسبة وفق القانون والأنظمة في الدول العربية.

  • دراسة وتشجيع العمل بالدستور، كعقد اجتماعي، لتنظيم العلاقات بين الحكومات والمؤسسات العامة وبين المواطنين للتعبير عن المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المشتركة بمبادئ العدالة والمساواة، ولتأمين حقوق المواطنين في الحريات والتملك والتنقل، والانتفاع من الثروات الوطنية العامة، وفي تقليل التفاوت في مستويات الدخول والثروات، وفي تحديد واجبات تمويل المالية العامة لأداء مهام الدولة في الدفاع والأمن وإدارة الاقتصاد وتوفير الخدمات والمنافع العامة.

خامساً: النظام الاقتصادي-الاجتماعي

مع أهمية الدراسات التي تناولت المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلدان العربية، لاسيما المنشورة في مجلة "المستقبل العربي"، إلا أنها بَقيت بَعيدةً عن إدراك فائدة التعريف بهوية النظام الاقتصادي-الاجتماعي في الدول العربية بالاستناد إلى التحليل "النظري" للعلاقة الموضوعية بين عمليات الإنتاج (الاقتصاد) وبين تكوين النظام الاجتماعي. ولأن هذا التحليل، يسلط الضوء على العناصر الأساسية التي تشكل جوهر الجدل المهم في أفضلية الكفاءة الاقتصادية أو العدالة الاجتماعية، يصبح ضرورياً زيادة المعرفة بالنظم الاقتصادية-الاجتماعية في البلدان العربية للإسهام في التخفيف من التباين بينها.

نظرياً، تفرض الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والتكنولوجية الراهنة في العالم ومساراتها المتوقعة في المستقبل، تجديد النظرية الاقتصادية بإعادة التفكير في أسس الاقتصاد التقليدي لسببين: الأول، ضرورة "إنعاش الرأسمالية" وتبرير "صعود الاشتراكية"، والسبب الثاني، التقدم نحو "نظام اقتصادي-اجتماعي" جديد يحقق المزايا المتبادلة بين الرأسمالية والاشتراكية.  

ولزيادة الإيضاح، نشير إلى أن تطور الاقتصادات المتقدمة والناهضة، منذ عقد الثمانينيات، فَرضَ البحث في معالجة أزمة الرأسمالية "الليبرالية الجديدة" والناشئة من تراجع حرية المنافسة وتركز الاحتكارات، لاسيما شركات التكنولوجيا الرقمية، ولانخفاض الأجور، وزيادة التباين بين الدخول والثروات. وقد تفاقمت الأزمة بتراجع تيار العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي نتيجة ممارسة الحمائية التجارية وفرض العقوبات (الحرب) الاقتصادية بمبادرات الولايات المتحدة الأمريكية المُهيمنة بقوة الدولار في نظام التبادل المالي الدولي والتأثير في قدرة الاقتصادات الوطنية التنافسية، ثم ازدادت الأزمة خطورة بانتشار الركود في جميع الاقتصادات نتيجة تأثيرات جائحة فايروس كورونا (كوفيد-19). ومع مخاوف التحول نحو الكساد، سارعت الحكومات في دول الاقتصادات المتقدمة والناهضة إلى تقديم الدعم المالي والنقدي الكثيف لحماية الشركات من الإفلاس وللتخفيف من أعباء البطالة المتزايدة من جهة، وتأكدت معها أهمية دور الدولة والقطاع العام في إدارة الاقتصاد وتمويل الاستثمار في مشاريع الخدمات الصحية، ومشاريع البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من جهة ثانية.  

لذلك، نلحظ أن التطورات الموضوعية الراهنة، تُحَفِزْ البحث الاقتصادي، النظري والمهني، ليس فقط في كيفية إنعاش بيئة الأعمال بإطار معالجة أزمة الاقتصادات الرأسمالية وتجاوز الركود في الاقتصاد العالمي، بل وأيضاً، لبَعثُ الحَيّوية في رؤى آفاق الاشتراكية بتزايد دور الدولة والقطاع العام في الاقتصاد والتنمية المتزامن مع النجاح الاقتصادي في جمهورية الصين الشعبية. يُفيد الاهتمام بهذه التطورات في استشراف التحولات المستقبلية نحو إدراك أهمية ومستقبل "النظام الاقتصادي-الاجتماعي" الذي يجمع، وبدرجات تفضيل متوازنة، بين دور الدولة في التخطيط الاقتصادي المركزي ومشاريع القطاع العام من جهة، وبين دور القطاع الخاص وآليات السوق التنافسية في تعبئة وتوزيع الموارد من جهة ثانية. وفي إطار هذا النظام الجديد المستهدف، يمكن تطوير قدرات الاقتصادات العربية في تنظيم وزيادة الانتفاع من العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي.

أما في المرحلة الراهنة، فإن تطوير الاقتصادات العربية ولتصبح قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والتجارية، يتطلب تسليط الضوء على ما يلي:        

  • دراسات في التنويع الاقتصادي الهيكلي وزيادة الإنتاجية لتقليل الاعتماد على مصادر "الريع" المحلي والخارجي.

  • دراسات في مشاركة الدولة والقطاع الخاص في زيادة الاستثمار وتحسين القدرة التنافسية المحلية والخارجية للاقتصادات العربية.  

  • تطوير مؤسسات التخطيط ونظم اتخاذ القرارات الاقتصادية الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص وتحسين آليات السوق في زيادة الاستثمارات العربية.

  • استكمال مشاريع البنية الأساسية الاقتصادية (المادية) والاجتماعية والبيئية التي تشمل مشاريع الطرق والنقل البرية والجوية والبحرية ومشاريع الاتصالات ونظم المعلومات الرقمية، ومشاريع الصناعات الأساسية كالكهرباء والمياه الصالحة للشرب، ومشاريع الخدمات العامة: التعليمية، والمهنية والفنية، والصحية، والرعاية الاجتماعية، والمنافع العامة، ومشاريع تنمية الموارد الطبيعية، المائية والأراضي الزراعية والمعدنية والفضاء وحمايتها من الاستغلال الجائر.

  • دراسات في أهمية مشاريع القطاع العام المؤهلة للمنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.

  • دراسات في تداعيات خصخصة مشاريع القطاع العام المؤهلة، وخصخصة الموارد الطبيعية العامة والأصول الإنتاجية المملوكة للدولة.

  • استثمار قوة الثروات النفطية والغاز، والموارد الطبيعية في الأرض والمياه والفضاء، في استدامة النمو الاقتصادي وتحسين القدرات التنافسية للاقتصادات العربية.

سادساً: العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي

العولمة الاقتصادية، تيار تاريخي قديم جداً تمتد جذوره في المقايضة التجارية للفوائض الزراعية والصناعات الحرفية البدائية في تاريخ حضارة سومر في وادي الرافدين، أول حضارات العالم، والذي تطورت بأشكال ووسائل وتفسير المدارس الفكرية الاقتصادية منذ ذلك الحين. العولمة الاقتصادية كما تتمثل في التوسع في التبادل التجاري وانتقال رؤوس الأموال بين الدول للاستثمار وانتقال الأيدي العاملة بين الدول، تطور موضوعي سيستمر في المستقبل القريب والبعيد، ومن المهم تحسين القدرة التنافسية للاقتصادات العربية للاستفادة من الاندماج في الاقتصاد العالمي.

  • دراسات اقتصادية ومؤسسية وقانونية في شروط الاندماج في الاقتصاد العالمي بموازاة هَيمنة "الرأسمالية" وبروز "الاشتراكية" وتعدد الأنظمة "الهجينة".

  • دراسات في الانتفاع من العولمة، لاسيما في مجالات تحرير انتقال التكنولوجيا.  

  • دراسات اقتصادية في أسباب أزمات الرأسمالية وتعثر التحول نحو الاشتراكية واضطراب الأنظمة المختلطة.   

  • دراسات في الأنماط الاقتصادية-السياسية-الاجتماعية التي تناسب التغيير في البلدان العربية.

 

سابعاً: توطين التكنولوجيا المتقدمة

  • دراسات في الصناعات والزراعة المتقدمة تكنولوجيا، والصناعات الاستراتيجية، والطائرات المُسيرة، والحاسبات المتطورة، والذكاء الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والاتصالات ونقل المعلومات السريعة وتكنولوجيا الإنتاج الزراعي.

  • دراسات في التكامل بين التكنولوجيا الرقمية والخدمات الرقمية.

  • دراسات في تطوير العلاقات المتبادلة بين العلوم والتكنولوجيا.

  • دراسات في أهمية تحكم الحكومات العربية في البنية المادية والبرامجية وباستخدام الأجيال المتقدمة لشبكة الاتصالات العالمية.

  • دراسات في مؤسسات ومجالات الابتكار في البلدان العربية.

***

بالرغم من وطأة الأزمات العربية العديدة المزمنة وثقل مهام معالجتها، يبقى دائماً الأمل بإضاءة الفكر التقدمي المتجدد والثقة بإرادة الشعب في إحداث التغيير وتهيئة متطلبات النهضة العربية المنشودة. تحية وتقدير للعاملين في "مركز دراسات الوحدة العربية" وتهنئة للعاملين في مجلة "المستقبل العربي" بمناسبة صدور العدد 500 لتواصل مهمتها النبيلة في نشر المعرفة بقضايا التحرر والتقدم في البلدان العربية.

 

[1] للأسف، لست على اطلاع بأهداف وسياسات ومشاريع "موثقة" لمجلس الأمناء الذي يشرف على نشاط "المركز" ويؤمن موارده ويجتمع مرة في العام، والذي يضم نخبة من القوميين العرب. كذلك، لست على معرفة بآراء موثقة للجنة التنفيذية التي تجتمع لعدة مرات في العام لتوجيه ومتابعة فعاليات "المركز".  

[2] دعوة مركز دراسات الوحدة العربية للكاتب للمساهمة في إصدار العدد الخاص رقم 500 لمجلة المستقبل العربي، المؤرخة في 10/8/2020.

مجلة "المستقبل العربي" العدد 500، تشرين الأول/أكتوبر 2020