النبوة وفهاهة المتنطعين؟/1

شهران أسبوعين ago

عبدالاميرالركابي:ماتزال النبوه كظاهرة خارج الادراك الضروري، تتعدى الطاقة العقلية على الإحاطة، مثلها مثل الظاهرة المجتمعية التي انتجتها، ومكنونها، الأهم من ذلك ان الظاهرة المنوه عنها موجودة ضمن اشتراطات عدائية متواصلة بلا توقف، مناقضه، حادة، وضخمه،سابقة ولاحقة، مصدرها المجتمعية الأخرى، الارضوية الغالبة والمهيمنه كمفهوم قريب من البداهة البدائية، وقصور الطاقة العقلية البشرية دون الارتفاع لمستوى مضمرات ومكنونات الظاهرة المجتمعية، ومن ثم لاجمالي غايات التصيّر المجتمعي ومالاته وموجباته.
وقد لايستغرب ان النبوة ومترتباتها لم تجد الى اليوم مايرتقي عقلا لمستوى حضورها التاريخي، سواء من الناحية الزمنية بصفتها المعتقدات التي لاتبلى من ناحية، او من حيث كونها قناعة ايمان حياتي شامل وضميري على مستوى الذاتيه الفردية، دال على لاارضوية الكائن البشري وعلى تعدي حاجته الوجودية للملموسات، هذا في حين يلاحظ ميل تهافتي يترافق مع مايعرف، او مايطلق عليه "التقدم العلمي" والمعرفي، يرتكز اليه البعض في محاولة تفنيد "الايمانية التوحيدية"، بناء على، واستنادا لمداخل تنضح بالفهاهة، من قبيل على سبيل المثال، البحث في مايبدو بمنطق المتنطعين، خللا نصوصيا، ومنها وعلى راسها "القران"، بتحري مايتضمنه من "تناقضات" و"اخطاء"، استنادا لمنهجيات، وبناء على وسائل فحص من خارجها، هو نفسه المنطق الذي كان موجودا ابان تبلور القراءات الابراهيمه النبوية، وماسبق ان أحاط بها من عالم "طارد"، مجاف و "ناف"، اكثر صلادة وقطعية بكثير من ذلك الذي يستعمل اليوم كحكم مسبق، وكمروية عقلية ووجودية جاهزه وكاملة، او هكذا يعتقد من يتبنونها مدللين على مفهوم للنصوصية ومدى مطابقتها للضرورة العليا التكوينيه، دال على بدائية استيعابيه.
الغريب ان مايعرف ب "العلوم" و "العلموية" وتقدمها المفترض، لم تصل درجة التوقف إزاء ظاهرة هي الاضخم والاعمق بين الظواهر التاريخية من ناحية دلالتها الازدواجيه الثنائية، وفي حين ظل هذا الميدان بالذات مقفرا، استمر من ذهبوا ويذهبون لتناول هذا المظهر الأساس من النشاط البشري، يكررون صنوقا من البدائية لمثيرة للسخرية أحيانا، بالاخص حين يقررهؤلاء التركيزعلى الايمانية الربوبية كمصدر لمايعرف بالدين، أي "الرسالية السماوية" والاجتباء النبوي الإلهي، مدللين على قصور فاضح، يلقي بهم ناحية المستوى الأدنى المتلقي من المنطق الذي يريدون تفنيده، فهم يقولون على سبيل المثال"اذا كان القران مصدره الله فانه يجب ان يكون محكما، ولا ياتيه الباطل من بين يديه، ولامن خلفه" وبهذا وابتداء يكونون قد اعترفوا أصلا بوجود هذه القوة العليا، فلا يخطر لهم انها "وسيله" اصطنعتها النبوة بعبقرية استثنائية عليا، كشكل من اشكال التعبير عن محرك وواقعه، ونوع استجابة مجتمعية معاشة و "ملموسة"، مكونه ومصاغة تكوينيا بما يأخذ الانتباه الى وجود مجتمغي لاارضوي، كوني، مصاغ بما يلقي تحديا على العقل لايرهن الحياة والوجود البشري بالعامل الارضوي لوحده، وهو مضطر واقعيا لربطه بحركة وايقاعية اعلى كونية الأرض والكون منحرطان ضمن مجراها، بغض النظر عن التسميه، او شكل الحضور الممكن تصوره، او التعويل عليه، مع ماهو قائم لحظتها، وفي بدايات المجتمعية، من اشكال حياتيه، ومستوى ادراكية عامه، واشكال وممكنات تشكيل للرؤية اللاارضوية ك"مملكة كونية" قابلة للحياة، ولاختراق المجتمعية الارضوية الغالبة وقتها، والطاغية كما هي اليوم.
بمعنى ان المنظور اللاارضوي كان وبقدر اكثر صلادة وثقلا، ماخوذا باحادية نوعيه وهيمنتها البديهية المرتهنه لاشتراطات التجمعية المنتجيه، كما وجدت وماتزال، وان الامر على هذا الصعيد ليس ولايمكن ان يكون ايمانيا بحتا، بقدر ماهومجتمعي مفارق ومواز، بمعنى ان المجتمعية حين تبلورت بصيغتها الأكثر كمالا تأسيسا، كانت بالأحرى ازدواجية واقعا وحياتيا ، الامر الذي يتوقع للعقل اذا بلغ مايدعية من رفعة و"تقدم"، ان يكتشفه اليوم من باب اكتمال الإحاطة العقلية بالظاهرة المجتمعية، وبالحياة ومآلاتها.
وجدت في ارض سومر "ملوكية امبراطورية ارضوية ازدواجية" منذ سرجون الاكدي " حاكم زوايا الدنيا الأربع"، ثم بابل وشرائعيتها، كشكل تجسيد عن الأحادية الممكنه، وان المنتقصة بحكم الازدواجية المجتمعية وصراعيتها داخل "الوحدة" الكيانيه، كما وجدت مقابلها "الابراهيميه" شكل الدولة التي لاتتجسد ارضويا، ولا تتجلى واقعا الا ك "استبدال" ملكي نبوي(1) الامر الذي سيتسع مداه بعد الطرد ليشمل ارض النيل وساحل الشام، وارض الجزيرة العربية، أي كيانية "الأنهار الثلاثة والصحراء والشرفة البحرية" كتاريخ تفاعليه مجتمعو /تاريخيه، هي شكل الذاتيه المجتمعية الازدواجية، والتعددية النمطية الموحدة في مدى جغرافي، هو الشرق متوسطية، الامر الذي مايزال العقل "العلمي" يقف دونه عاجزا لكي يكرس نمط ذاتياته و "وطنيته/ قوميته" الأحادية الحديثة، كنموذج اعلى نهائي.
تمثل النبوة تجلي الزعامة "الوطنيه" المطابقة لبنيتها المجتمعية المتعددة الانماط، بين ازدواج مجتمعي بؤرة فعالية رافدينيه، واحادية دولة نيلية، واحادية لادولة احترابية صحراويه، مع مجال لايتبلور وطنيا على الساحل. وهي الأنماط المجتمعية الرئيسية الثلاثة التي وجدت عليها المجتمعات، لاكما يعتقد "علم الاجتماع الحديث الأوربي الأحادي" برغم ازدواجيته الطبقية، وتجليه المجتمعي الثنائي "الاشتراكي" مقابل "الراسمالي"، و"حتمياته" واشكال تصيرة في قلب الراسمالية، لينينيا في حزب "مالعمل"، وانبيائه الكبار والصغاربعد ماركس، إبراهيم الازدواج الطبقي، ابتداء من لنين، وماتسي تونغ، حيث دولة "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" مناظرة ومقابلة دولة اللادولة التي لاتتجسد ارضويا في كيانية الازدواج المجتمعي الشرق متوسطي، علما بان حتمية ماركس التاريخيه لاتخلو من "الايمانوية" كما تتجلى في القول بان المجتمعية محكومه لقانون وحتمية معينه، مسبقة، من دون الإفصاح عن مصدر مثل هذا القانون، ولماذا هو موجود، ومن اوجده على هذه الصيغة، او الشاكلة.
يعني ماسبق التنويه به اننا شهدنا اليوم ومتاخرا حالة تجل ازدواجي"علموي" احادي، تعبيرا عن الانشطارية الطبقية، الأدنى مقارنه بالانشطارية المجتمعية التحولية الازدواجية، الأصل وموضع الابتداء المجتمعي، لكنها كانت الاقدر بما لايقاس على غمط والايغال في طرد الازدواجية المجتمعية الأساس، بحكم كونها الأعلى بنية داخل نمطها الأحادي، أي الأعلى دينامية أحادية من ناحية، ولأنها أيضا وجدت وتجلت متاخرة كشكل ارفع احادي، هو ذروة ونهاية مايمكن ان يصله او يبلغه عالم الأحادية من صعود على المستويات كافة.
غير ان مثل هذا النوع من الجلي الأخير، ليس محتم النهائية على مستوى التصيّر المجتمعي بحيث ينتفي أي احتمال يمكن معه توقع "مابعده"، وهو مايقتضي بالطبع تبديل مرتكزات النظر للتاريخ وتفاعليته وتبادليته التي تستبدل اليوم بنمط من المنظور الخطي، يأخذ التاريخ بحسب مايوافق النهائية الغربية، من الأدنى الى الأعلى، مع افتراض مسار منطبق على حركة تاريخ مرهونه لنوع مجتمعية بذاته، هو الأحادي الأدنى، وغير الصالح بناء عليه لاجمال الحقيقة التاريخيه المجتمعية والياتها.
ولناخذ بهذا الصدد ناحية من نواحي النبوة خارج الايمانيه البحته التي يصر الاحاديون على التركيز عليها، ولنضع " أخطاء القرآن اللغوية وغيرها"ونصادق على كون العرب لم يكونوا عالمين بلغتهم وقتها، وان فلان وعلان من عباقرة اليوم اعرف منهم بماهو ذاتيتهم النطقية، ولنركز على ماترتب على القرآن المشحون بالاغلاط، والنتائج التي تولدت عنه، بخروج مجتمع العقيدة الجزيرة الذي صنع بالقرآن قافزا الى مابعد قبلية مازومه، وانتشار المئة وعشرين الف من المقاتلين الحفاة، واسقاطهم لاكبر امبراطوريين مهيمنتين على المنطقة، مع ذهابهم الى حدود الصين والهند، لاكفاتحين كما يحب ان يصورهم البعض، بل ككينونة وذاتيه بديله، المثال الحري بان يذكر عنها، كون فارس الإمبراطورية ظلت في المنطقة الشرق متوسطية والازدواجية مدة تزيد على الاثني عشر قرنا، من دون ان تفلح في تحويل رافديني، او شرق متوسطي واحد، الى الزرادشته (2)، وكذا امر روما التي حضرت الى الشرق المتوسطي وثنيه، وتحولت وهي محتلة، الى ابراهيمه توحيدية مسيحيه، ذلك في الوقت الذي انتهى تاريخ فارس مع الفتح العربي، لتصبح جزءا من الدائرة الابراهيميه الثانيه، ولم يعد لها ماتعبر به عن ذاتها الى اليوم، غير الإسلام ونبوة محمد، هي والمليار مسلم الى الشرق، برغم أخطاء النبي العربي الجزيري البدوي اللغوية التي ظل يرتكبها، متحديا فطاحل العربية "ان ياتوا بمثله" بينما هو يصر بلا أي حرج على ان مايقوله مرسل اليه من رب السماوات.
ولنفترض بعد هذا ان محمدا كان يستعمل مفهوم "الله" اضطرارا ووجوبا، وانه فعل مافعل وحرر منطقة من العالم لو لم يات هو، لانتهت وفقدت ذاتيتها ووجودها بين فارس وروما، ولما كان هنالك اليوم مايمكن ان يسمى "امه عربيه" بحسب المصطلحات المستمدة هي الأخرى، من الغرب كدليل على حكم حالة انقطاع بعد الدورة الثانية النهوضية العباسية القرمطية، التي أعقبت ثورة الجزيرة المحمدية التحررية الإمبراطورية الازدواجية في القرن السابع.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع خزعل الماجدي "انبياء سومريون: كيف تحول عشرة ملوك سومريون الى عشرة انبياء توراتيين؟" المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع.
(2) على العكس من ذلك وفي القرن الثالث ظهر النبي العراقي البابلي الميساني "ماني" الذي انتشرت دعوته في فارس، ووصلت الى الصين واوربا، وقتلته فارس.

وسوم