رهانات مُستَعجَلَة

5 أشهر أسبوع واحد ago

رعد أطياف

الرهانات المستعجلة تقودنا إلى حقيقية مفادها: إن السلطة في العراق فاقدة للشرعية، ما يعني وقوفها على أرض هشة، ويستتبع ذلك انهيارها السريع. لأنها لا تحظى بتأييد شعبي من قبل العراقيين؛ فمن يفقد حاضنته الشعبية مصيره الانهيار والانكسار. ومن يستمع للأحاديث اليومية لمجمل العراقيين، وبالخصوص ما يسطرونه من أحلام في الميديا، سيصل إلى حقيقة أخرى: إن الحكومة في العراق ما لم تعثر على التأييد الكافي فمصيرها السقوط المدوي. يمكن اعتبار هذا الرهان من قبيل التفاؤل المفرط الذي يستند على استنتاجات لا تصدقها الوقائع التاريخية.

 

يمكن للنخب السياسية في العراق أن تسرق وتفسد بكل راحة ضمير، لأن ناخبيها منشغلون بالدفاع عن قيم المجتمع، وعن التصدي للعلمانية قبل أن تكتسحنا قيمها الرجيمة

إن هذه الرهانات المستعجلة تستند إلى حقائق مفصولة عن واقعنا العربي والعراقي على وجه الخصوص. ذلك إن واقعنا السياسي مفصول تمامًا عن واقعنا الاجتماعي، ولا يقيم وزنًا لهذا الأخير. بمعنى، أن الحكومات العربية مقطوعة الصلة عن مجتمعاتها بشكل عام ولا تقيم لها وزنًا في الممارسة السياسية؛ المجتمع في واد والسياسيون في وادٍ آخر. فنحن لسنا في أوروبا الغربية أو أمريكا، إذ يمكن لحادثة بسيطة تطيح برئيس الحكومة، أما في بلداننا لو سقط نصف الشعب فستبقى الحكومة منتصرة وتتغلب على كل المؤامرات الامبريالية. لذا، من هذا وغيره، نقول: علينا أن نحلل واقعنا من داخله وطبيعته، لا من خارجه ونحلل واقعًا لا يشبه واقعنا.

ما يحدث في العالم لا يحدث عندنا بالضرورة، فالنماذج مختلفة تمامًا. إن تردي الوضع وسرقة المال العام وضعف المؤسسات لا يعني نهاية الطبقة السياسية الحاكمة في العراق. الأمر ببساطة شديدة على هذا النحو: سخط ونفور شعبي عام، وفقدان الصلة بين الناخب وممثليه. لكن هذا لا يعني شيئًا على الإطلاق! فقد رأينا الجماهير الدينية، على سبيل المثال، كيف تركت كل هذا الانحطاط السياسي والفساد العلني لهذه النخبة السياسية، لكنّها اكتشفت، أن أحداث تشرين وحدها من تهدد قيمنا العراقية! والحقيقة لا أعتقد أنه ثمّة نخب سياسية في هذا العالم تضاهي نخبنا السياسية العراقية من حيث السعادة والاطمئنان من جمهورها. يمكن لهذه النخب السياسية أن تسرق وتفسد بكل راحة ضمير، لأن ناخبيها منشغلون بالدفاع عن قيم المجتمع، وعن التصدي للعلمانية قبل أن تكتسحنا قيمها الرجيمة.

مثال آخر: لقد سقط 800 شهيد وعشرات الجرحى في أحداث تشرين، وكما هو معلوم، أن هذه الأعداد تسقط عادة في معارك عسكرية ضارية، وتعطينا مؤشرًا على شراسة المعركة ونوعيتها. لكن أن يسقط هذا العدد الغفير في احتجاجات سلمية، وتستأنف الحكومة وظائفها السياسية الروتينية دون أن يرمش لها جفن، ولم تفتح أي تحقيق حول هذه الجريمة الجنائية المرعبة، فلا يحدث مثل هذا إلّا في بلد مثل العراق. بالرغم من بشاعة هذه الجريمة والتستر على القتلة، لا زالت هذه الحكومة تزاول عملها بكل أريحية. فلنتصور وقوع هذه الجريمة المرعبة في إحدى البلدان الأوروبية، ماذا يحصل؟ بالتأكيد ستبقى هذه الحادثة المروعة كإحدى حوادث هذا القرن، وسيغطي الإعلام العربي كل وقائعها بالتفصيل الممل.

لقد مارس صدام حسين كل صنوف الإذلال والتنكيل ضد الشعب العراقي؛ حرب عبثية دامت ثمان سنوات، معارك الأنفال ضد الكرد، غزو الكويت بعد التفرغ من إيران! استنزف ثروات العراق بحروبه العبثية ومغامراته الصبيانية، لكنّه ظل متماسكًا طيلة خمسة وثلاثين عامًا دون أن يرمش له جفن! ولم يستطع الشعب العراقي المتعب أن يزحزح هذا الدكتاتور من عرشه، ولقد قررت أمريكا حمايته وأعطته الضوء الأخضر بردع "الانتفاضة الشعبانية"، واستئناف سلسلة من السياسات القمعية الجديدة. ولم يسقط هذا الطاغية إلّا بقوة خارجية إمبراطورية! إن طغاتنا يحظون بخدمة خمس نجوم من قبل الدول الكبرى، فلا وجود في قاموسها للإرادة الشعبية، ومن يستنتج ويحلل واقعه اعتمادًا على واقع الغير، فسيصطدم بصخرة الواقع، لأنه سيكتشف أن المواضيع التي يتطرق لها لا وجود لها في واقعنا السياسي والاجتماعي. عراق ألترا