عراق بلا "وطنية"ولاعقل فعّال؟/2

5 أشهر ago

عبدالاميرالركابي
خلافا لاي من المواضع الأخرى على مستوى المعمورة، وجد العراق في العصر الحديث كدالة وموضوعة تحد للغرب ومنجزه ومشروعه، باعتباره محطة ولحظة " مابعد" متقدمه على صعيد ممكنات كشف النقاب عن الظاهرة المجتمعية، الامر الذي ظل ينتظر التعامل الواجب مع بداياته المجتمعية ومضمرها الكامن فيها، وهو ماكان قد كشف حدود الغرب، ومستوى قدرته على التصدي الناجح للمهمة الأكبر المطوية، والتي واصلت تحديها العقل البشري، مفصحة عن حدوده، ونطاق قدراته، والمتاح له من أسباب مقاربة الظاهرة المجتمعية ومنطوياتها.
يعني ذلك من دون ادنى شك، ان العراق وارضه التاريخيه، كان ومايزال نقطة التحدي الكبرى امام العقل الغربي، والتي من غير الممكن من دون معالجتها، التأكد من الحقيقة الوجودية، وما يسمى "الحضارية" التي واضب الغربي على التصدي لها، الامر الذي لم نعدم امثلة عليه بارزة في العصر الحديث، تمثلت في مسار العودة الى التاسيسات الحضارية الأولى، والتنقيب عنها غير المؤلفات والبحوث الحثيثة المتصلة بها، مع مااثمرت عنه، وامكن ان تتوصل له، مما لم يكن متوقعا له تجاوزالأطر الناظمه للعملية العقلية المعرفية الغربية باطارها العام، الامر الذي يستحق اليوم إعادة نظر وتناول للمنجز المعروف في المجال التعرفي المنوه عنه، سعيا وراء تعيين حدوده، ومواطن قصوره، وماقد اعتوره من ميل اكراهي او تاطيري اكراهي، منطلقه الحدود التفكرية الغربية، بما يعني افراد مجال بحث ونظر"عراقي" لازم مقابل، يجب الافرار بانه لاوجود له، ولم يوجد بعد على الاطلاق.
وبغض النظر عن حزمة منجزات الغرب الهامه الحديثة، الا انها كانت ناقصه على مستوى الحدود التي بلغتها، واتيحت لها في مجال الظاهرة المجتمعية، وحقيقة الاليات الناظمة لوجودها ومساراتها، مع مايترتب على مثل هذا العجز من شطط على مستوى الرؤية المستقبيلة المحكومة للنزعه "الآلوية العلموية"، بجانب ما قدعرف من رؤية " طبقية/ اشتراكوية"، نظرت للمجتمعات من زاوية كونها محكومة للاليات الصراعية الطبقية، وبناء عليه للحتميه "التاريخيه" المكرسة للاحادية والتابيدية المجتمعية، غير القابلة للحل خارج او فيما وراء مجتمعية كاحتمال، بما انها محدودة بالارضوية.هذا ولم يسبق ان جرت، او لوحظت اية محاولة غربية، او انعكاسية تكرارية عراقية، تبحث في نوع الاليات التاريخيه، او الحتميات المتصلة بها، وبالذات منها تلك التي ينبيء عنها واقع اخر مقابل من المراحلية التاريخيه، سوى تلك الطبقية، والمقصود الانشطارية المجتمعية، كما تتمثل بالدورات والانقطاعات التاريخيه الصعودية الرافدينيه، فلم يجر اطلاقا ولو الاقتراب منها، فضلا عن التحري وراء دلالتها، ومايمكن ان يكون مودع بين طياتها من حقائق على مستوى التاريخ، وحركة سيره، ومبتغاه.
لم تتوقف او تصل المهمة "الكشفية" المختصه بحقيقة المجتمعية نهايتها مع الحداثة الغربية المعاصرة، وهو ماكان مفترضا بالأرض المنطوية على السر المجتمعي الأعظم، ان تضطلع به، لاباعتباره، مجرد، او من صنف المهمات المعروفة ب" الوطنية" فحسب، بل وباعتباره قضية أساسية على مستوى حقيقة ومآل البشرية المجتمعية، ووجودها، ووعيها به، وبمستقبلها، باعتبار ماتحقق من قبل الغرب مرحلة ولحظة مهمه من لحظاته وممهدات الانتقال اليه، وهو مايمكن رؤيته متجليا في الاستكمال الضروري للمنجز الغربي، المتوقف عند حدود ماتتيحه الأحادية التي ينتمي لها بنية، مع مايمتاز به من علو ديناميه، ومستوى تركيب بنيوي، هو الارفع داخل نمطه الأحادي.
وجد ماركس ان البشرية هي عود على بدء، من "شيوعيه" أولى "بدائية"، الى مرحلة خامسه بعد العبودية والاقطاع والراسمالية، تكون "شيوعية علميه"، فلم يكن له رغم فعاليته العقلية الاستثنائية ضمن عالمه، عبور حدود الأحادية التي هي منطلقه ونهاية مايمكن ان يبلغه تصورا، مع ايحائيته غير العادية التي من شانها ان تنبه للحقيقة الكبرى اللاحقة،والتي تقول بان ارض الرافدين وجدت منطوية على التحولية المجتمعية بصيغتها البنيوية "البدائية"، ابتداء في ارض سومر، لتنتهي بعد دورتين أولى وثانيه، وصولا الى الثالثة، والى "التحولية المادية"، او مايمكن تسميته استعارة من منطق ماركس، "العلمية"، بمعنى ان العراق او ارض الرافدين، هي بؤرة التحولية الكونية هدف المجتمعية على مستوى المعمورة، تبدا تحولية بنيوية، متعذرة على التحقق، بانتظار الوسيلة المادية، والرؤية الابتدائية، التي تتهيأ في اخر المطاف التصيّري التاريخي على مستوى المعمورة، ممثلة بقمة واعلى اشكال تجلي الأحادية الانشطارية الطبقية.
لم يكن لماركس ان يعي الانشطارية المجتمعية الرافدينيه، في حين كان عقله وجهده مركزا على انشطارية محيطة الطبقية، فقدم بناء على المتاح له، وضمن حدوده، اقصى الممكن التحولي الأحادي، وابعده، الا انه لم يكن هو لوحده من ارسى أسس المنظور التحولي الأحادي الأولى، اذ لعبت عبقرية احادية أخرى، غاية في الأهمية الفاصلة هو "دارون" الدور الأخطر في اخراج الكائن الحي من نطاق الوجود المكتمل خلقا، الى الوجود المتشكل المتصيّر، حتى وان هو لم يتمكن لاسباب من نفس تلك التي قطعت الطريق على ماركس، ان يذهب بمفهومه "التحولي" النشوئي الارتقائي، ابعد من الكائن الحيوان الذي انبثق داخله العقل، فنظر اليهما كوحده وكغاية اكتمال، في حين وجد ان العضو البشري بلغ اخر ونهاية مقصده التطوري، وماعاد ممكنا له الارتقاء الى "مابعد"، وبهذا كان قد فاته اهم عناصر التحولية المودعة في الكيانيه ال"انسايوانيه".
وكان هو أصلا وبالاساس قد فاته ان يتبين بان الكائن ( العقل /جسدي)، هو كيانيه ازدواج لاوحدة، وان مايعرف اليوم ب "الانسان" هو بالأحرى "الانسايوان"، وان هذا الكائن محطة انتقال وتصيّر، من الحيوان الى "الانسان العقل"، طريقه ووسيلته الاخذة به لمابعد "الانسايوان"، هي المجتمعية، اللحظة الأخيرة من لحظات النشوئية الثانيه اللاجسدية، التي تبدأ منذ انبثاق العقل في الجسد الحيواني الارضوي، كل هذا مضافا اليه الانتقال الذي يرافق حداثة الغرب الى الإنتاج الالي المصنعي، ومن ثم الى الوسيلة الإنتاجية الأعلى "التكنولوجيه"، يمثل بالاحرى الحزمة التي يتوفر عليها الغرب الحديث، كخلاصة تاريخيه تصيرية احادية، لا غنى عنها قبل الانتقال الى التحولية، وبدء الخروج من عالم الارضوية والمجتمعية الى مابعدها.
تبدا المجتمعية التحولية كهدف وغاية مضمرة مودعه في الظاهرة المجتمعية، مصممه لبلوغ الهدف من وجودها بنيويا، مع الافتقار للعامل التحولي المادي، بينما تغلب وتسود من وقتها الأحادية المجتمعية ورؤيتها، معززة بقوة فعل الوسائل المتاحة انتاجيا وحياتيا، ، في حين يكون العقل قاصرا وعاجزا عن مقاربة والوصول الى كنه المجتمعية، والسر الكامن فيها، وبين تضاعيفها، الامر الذي تبدا نذر انحساره، وبدايات تراجعه بحصيلة التفاعلية المجتمعية المستمرة على مدى ثلاث دورات تاريخيه من التصير، تصل عند نهايتها الأحادية، قمة وذروة، ومن ثم منتهى ماهي قادرة على إنجازه، الامر الذي يكون من اختصاص البنية الأعلى والارفع ديناميه داخل الأحادية الاجتماعية، وينتج عن ارتقائها الأخير، باعتبارها الانشطارية الطبقية المقابلة للانشطارية المجتمعية الأصل، التحولية الازدواجية الإمبراطورية الرافدينيه، وملحقاتها المكملة لكيانيتها الشرق متوسطية.
هذا النوع من التجلي الأحادي الأعلى الأخير، يضاعف عند بلوغه الذروة، غلبة وهيمنه المنظور الأحادي الغالب أصلا تاريخيا بسبب القصور والتفارق العقلي المجتمعي التكويني الابتدائي، مايسبغ على المنجز الغربي صفة القمة النهائية الختامية، ويجعل منها مثالا نموذجيا تفكريا، يتبدى لدى الشعوب خارج اوربا اكراهيا، وبصورة تماه وسعي للحاق بالبؤرة الاوربية، وماقد حققته وقتها، ليس من الوارد لشخص بدائي احادي انقطاعي مثل "فهد" يوسف سلمان يوسف، او الجادرجي، ومعهم مهدي كبه، باي حال من الأحوال، ان يذهبوا الى خرقه كمؤقت له "مابعد" نوعي تاريخيا، حتى وان كانوا من دون بقية المعمورة، هم أبناء موطن ومنتهى "التحولية" مابعد الغربية، ناهيك عن ان نتخيل توفرهم على القدرة اللازمة والضرورية التي يمكن ان تؤهلهم في الثلاثينات من القرن المنصرم، باي شكل كان، لادراك ماهو ملح، وماقد اصبح في صلب العملية التاريخيه، لحظة صعود الغرب باعتباره العتبه الاقرب النهائية، والأخيرة المفضية لعالم التحوليه المجتمعية بحسب ماتنطوي عليه مجتمعية مابين النهرين، باعتبارها الموضع الأكثر اهليه للانتقال الأعظم المودع في الظاهرة المجتمعية ابتداء.
تقتضي عمليه الانتقال بالوعي الوطني العراقي، الشرق متوسطي الراهنه، مغادرة الزمن الانقطاعي المترسب من الدورة الثانيه، ومايتصل ب، وينتمي لعالم الانقطاعية التاريخيه المستمر من سقوط بغداد عام 1258 ، بما يفضي الى انجاز المهمة التاريخيه الكبرى المؤجله منذ قرابة سبعة الاف عام، فالعراق/ ارض الرافدين،و تكرارا، يبدا تحوليا بنيويا من دون ممكنات تحول مادي، ولا قدرة على وعي الذاتيه التحولية الازدواجية، بينما تكون الأحادية من وقته وتستمر مهيمنه على الواقع المجتمعي، ومعه الادراكي على مستوى المعمورة، ويدوم هذا الحال على مدى دورتين تاريخيتين وانقطاعين، قبل ان تبدأ الدورة الثالثة، وتتوفر عالميا أسباب الاقتراب من التحولية، ماديا، وعلى مستوى الوسيلة الإنتاجية، كما مفهوميا بارتقاء الأحادية الانشطارية الطبقية الاوربية الى اعلى واخر اشكال الطموح الانقلابي مادون التحولي. حين تبدا من يومها بالتبلور في ارض الرافدين، أسباب وعي الذات، وملامح الانتقال عراقيا وعالميا من الزمن الأحادي الى التجلي الازدواجي، ومن التحولية البنيويه، المتعذرة التحقق، الى "انقضاء الزمان الأحادي" وبدء التحقق.
ـ يتبع ـ