وثيقة سرية إماراتية: هكذا نحارب السعودية في اليمن

4 أشهر 4 أسابيع ago

الأخبار اللبنانية: يُقسّم التقرير الذي يحمل عنوان «تقرير بشأن العلاقة السعودية الإماراتية في ميزان أطراف الصراع اليمني» مسار تلك العلاقة، التي يعتبر أن أيّاً من أطراف الصراع لم يمتلك «تقييماً ثابتاً» لها، إلى ثلاث مراحل. يُسمّي أولاها «مرحلة الرضى والامتنان»، وفيها «كانت الصورة أن الدولتين تعملان في تكامل وانسجام لإنجاز هدف واحد، أي القضاء على الانقلاب الحوثي». في مرحلة تالية عنوانها «الارتباك والتشتّت»، «بدأ الإرباك والميوعة يصيبان المشهد الصراعي. وبدأت تظهر قوى جديدة. وبدت سياسات الدولتين ومواقفهما عموماً غير واضحة، وأوحت في حالات عديدة بتناقضها»، و»بأن سياستهما ومواقفهما ليست إلا توزيع أدوار، وما ساهم في هذه الصورة هو قيامهما بتأسيس مجلس للتنسيق بينهما». أمّا في المرحلة الثالثة، والمسمّاة «الشك والمراجعة»، فـ»برز الاعتقاد بأن اتفاق الدولتين وتنسيقهما التام بدأ بالاهتزاز، ولكن دون أن ينهار، وبدأت أطراف الصراع تعتقد بوجود خلافات»، خصوصاً «بفعل بعض التطورات التي كان آخرها إعلان دولة الإمارات تقليص تواجدها العسكري في اليمن، وكذلك التقارير التي تحدثت عن نيتها الانسحاب الكامل نهاية العام الجاري (2019)».

 

يعتبر مُعدّ التقرير، الذي يحمل تاريخ إعداد هو الـ23 من تموز/ يوليو 2019، أن «مختلف الأطراف المحلية تتشارك الرغبة في التأثير على العلاقة السعودية - الإماراتية»، لكن «الحقيقة أنها لا تمتلك خيارات ذات شأن في هذا الصدد، باستثناء الحوثيين»، وأنها «بحاجة ماسة للدولتين أو لإحداهما». ويستدرك بأن إعلان الإمارات تنفيذ انسحاب جزئي لقواتها، «سواء جاء بالتنسيق والتفاهم مع السعودية أو نتيجة لخلافات معها أو كان قراراً منفرداً ولاعتبارات خاصة بالإمارات»، فقد «فتح باب الأمل بتحريك المياه الراكدة، بالنسبة لبعض الأطراف المحلية».

وفي تفصيله لتقييم الأطراف المحلّيين للعلاقة السعودية - الإماراتية، وخياراتهم في التأثير عليها، يورد التقرير ما يلي:

1- بالنسبة إلى حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، «يُعدّ احتفاظ السعودية والإمارات بعلاقة جيدة الوضع الأفضل». إلا أنه على أرض الواقع تُعدّ تلك الحكومة «أكبر المتضرّرين من الوضع القائم»؛ إذ إنها إلى جانب كونها «باتت في حالة عداء شبه صريح مع الإمارات، ولا يبدو أن علاقتها بها قابلة للتعافي بسهولة، فهي أيضاً غير راضية عن مواقف الرياض، على أساس أن الأخيرة، كما تعتقد، لم تقم بما يفي للوقوف في وجه أبو ظبي، بل وتميل إلى الاعتقاد بوجود تنسيق وثيق بين الطرفين». وفي كلّ الأحوال، «ليس أمام حكومة هادي إلا البقاء في كنف الرياض والخضوع لإرادتها، والاستمرار في محاولة إقناعها بإجراء مراجعة للوضع القائم». «ولأنها تعتقد أن الإشكال يكمن في الإمارات وسياساتها، ستستمر في حرب التشكيك في نوايا الأخيرة وشيطنتها وتخوين الرياض منها ومن خططها».

2- بالانتقال إلى «حزب التجمّع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون)، فـ»يتشابه وضعه وموقف مع وضع وموقف الحكومة، وما يميزه عن غيره من الأطراف، أن استتباب العلاقة بين السعودية والإمارات يشكل تهديداً وجودياً بالنسبة له، وذلك بالنظر إلى الحرب التي أعلنتها الدولتان ضد الإخوان، وهي حرب يعتقد الإصلاح أن الإماراتيين هم من جرّ السعوديين إليها». وعليه، فإن «مشكلة الإصلاح مع هذه العلاقة لا تنتهي عند حلحلة المشهد اليمني ولا عند انتهاء الحرب واستعادة الدولة». إلا أنه ليس أمامه، هو الآخر، «إلا البقاء في كنف السعوديين والتعويل عليهم والاستمرار في محاولة إقناعهم يجدارته وبأنه حليف موثوق ولا يشكل تهديداً وليس له علاقة بالإخوان المسلمين وعقائدهم الدينية والسياسية».

3- بالنسبة إلى حركة «أنصار الله»، فقد «استفاد الحوثيون بلا شك من جوانب القصور والاختلالات في الطريقة التي أدار بها التحالف العربي الصراع في اليمن. لكن لا يزال الوضع الأنسب الذي يرغب الحوثيون في تحققه غير قائم، وهو الوضع الذي يتمثل في نشوب خلاف بين السعودية والإمارات من النوع الذي يلحق الضرر بعلاقتهما، فمن شأن ذلك ليس فقط أن يربك موقف جميع خصومهم، ولكنه قد ينتهي بتفكك التحالف».

4- في ما يتعلّق بـ»المجلس الانتقالي الجنوبي»، الموالي للإمارات، فهو «يعتقد أن دعم السعودية لخطط إقامة دولة جنوبية أمر غير وارد، وهناك أيضاً شكوك لديه حول حقيقة موقف الإماراتيين». وعليه، فإن «الحفاظ على علاقة جيدة بالإمارات والسعودية، أو بأي منهما، بما يؤمن له الدعم ليبقى على قيد الحياة»، «سيعد في حد ذاته إنجازاً ونجاحاً لافتاً». على أنه «قد يكون نشوب خلاف بين الدولتين مفيداً للمجلس لجهة أنه قد يخلص الإمارات من الضغوط التي يعتقد أن الرياض تمارسها عليها ويطلق بالتالي يدها في دعمه».

5- لناحية «المؤتمر الشعبي العام»، حزب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، «يعيش الحزب وضعاً استثنائياً وصعباً، ويعود السبب إلى انقسامه المركب، فموقف جناح هادي يماثل موقف الحكومة، وموقف جناح صنعاء يماثل موقف الحوثيين، أما ما يعرف بجناح الخارج المحسوب على الإمارات فلا يشبه في وضعه أي طرف آخر». ويَظهر «تعقيد وضع الحزب في كونه الطرف الوحيد الذي ساهمت تجاذبات الدولتين في تكريس انقساماته، وغير ذلك من المفترض أن انقسامات كهذه ستتكرس حال عانت علاقاتهما من أي خلافات». أما «الاستفادة من حالة الوضع الأمثل لعلاقة الدولتين، أي اتفاقهما على دعمه»، فلن تتحقق «إلا في حالة واحدة هي انتهاء الحرب وتطبيع الأوضاع السياسية في البلاد».

على ضوء ما تقدّم، يخلص التقرير إلى جملة سيناريوات وتوصيات، مستهلاً إيّاها بـ»فرضية إقدام المجلس الانتقالي الجنوبي على اتخاذ خطوة عملية باتجاه فك الارتباط». في هذه الحالة، «من الوارد أن يتسبب ذلك بتفجير الوضع بين المجلس والقوى المعارضة للانفصال، بما فيها الحكومة، وأن يدفع هذه للتصعيد ضد الإمارات، وخطوة كهذه ستحرج السعوديين وستملي تداعياتها عليهم للتدخل وتسجيل موقف، وسيكون الضغط على المجلس وعلى الإمارات خيارهم المرجح». أما في حال بقاء الوضع الراهن فـ»نحن أمام احتمال أن يتسبب وضع كهذا ببعض المتاعب لعلاقة الدولتين المستقبلية بالشأن اليمني، فهو قد يسهم في تأسيس بيئة عدائية ومقاومة لهما أو الأقل غير مطمئنة ومتشككة منهما». وبالنظر إلى «خريطة تحالفات وخصومات الدولتين ومواقف أطراف الصراع من كل منهما، وإلى مكانة ونفوذ السعودية وأهميتها بالنسبة لليمن وقدرتها على التأثير على مستقبل السياسة وأطرافها، فأي أعباء أو تحديات مستقبلية من هذا النوع ستعني أبوظبي أكثر مما تعني الرياض. وقد ينتهي هذا التباين في وجهة الأعباء والتحديات بمعادلة فرص ونفوذ مختلفة تتقاطع فيها مصالح الدولتين وتتسبب بضغوط لعلاقتهما». ومن هنا، تبرز «ضرورة العمل على توسيع دائرة التحالفات الإماراتية في اليمن (التحالفات الرسمية وغير الرسمية، منظمات المجتمع المدني والإعلام خاصة)، إضافة إلى مراجعة وتقييم وتعديل للسياسات القائمة».

«وصفة» القضاء على «إخوان تعز»

يتضمّن التقرير الذي يحمل عنوان "مستقبل الصراع على النفوذ في تعز بين حزب الإصلاح وحلفاء الإمارات"، وتاريخَ إعداد هو 26/ 05/ 2019، تقدير موقف في شأن هذا الصراع، مستهَلّاً بمساره وتطوّراته. يتحدّث التقرير عن "عدم استيعاب طبيعة تعز الخاصة، حيث يغلب الفعل السياسي العمل العسكري، وافتقار حلفاء الإمارات إلى الغطاء السياسي"، لافتاً إلى أن "حزب الإصلاح سرّع عمليات حصاد مكاسب معركة المدينة القديمة، بهدف الاستفراد بصناعة القرار في المحافظة، الأمر الذي قوبل بمواقف رافضة من الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية"، مضيفاً أن الحزب اتخذ "خطوات استباقية لإزاحة المنافسين السياسيين المحتملين، وقد تشهد وتيرة الاغتيالات ارتفاعاً في المستقبل القريب"، فضلاً عن أنه "بدأ في إقرار الخطط العملية للتمدّد إلى ريف الحجرية الغربي من أربعة محاور عسكرية، وحظيت هذه الخطط بتأييد ودعم نائب الرئيس علي محسن صالح تحت مسمى دعم الحملة الأمنية لتطهير مناطق الريف الجنوبي من الخلايا الإرهابية".

ويتوقع التقرير أن يسعى "الإصلاح" لـ"استكمال مخطّط الاستحواذ على المحافظة"، وأن "ينقل المواجهة العسكرية إلى الريف الجنوبي الغربي، بينما ستسعى أبو ظبي إلى "احتواء الخسائر المترتّبة على انسحاب حليفها، أبو العباس (كتائب سلفية موالية للإمارات)، من المدينة القديمة، وإبقاء ساحة الصراع في مناطق تعز الداخل، من دون أن تنتقل إلى مناطق نفوذها في الساحل الغربي أو محافظات الجنوب". المفارقة أن ما أراد الإماراتيون تجنّبه سرعان ما تحقّق بعد أشهر قليلة، إذ استطاع "الإصلاح"، بدعم قطري - تركي، السيطرة على مناطق واسعة من أرياف تعز مطلّة على باب المندب، طارقاً أبواب رقعة النفوذ الإماراتي على الساحل الغربي، ومقترباً من محافظة لحج الجنوبية، المجاورة لمحافظة عدن، حيث مركز ثقل "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الموالي لأبو ظبي.

وبالعودة إلى مضمون التقرير، فهو يلفت، قبيل انتقاله إلى السيناريوات المحتملة، إلى أن "قيادة كتائب أبو العباس تعيش لحظة ارتباك بعد انسحابها من المدينة بشكل مفاجئ وعشوائي، أما اللواء 35 مدرع بقيادة عدنان الحمادي فتدور رهاناته حول مراكمة القوة والاستعداد لخوض المعركة ضد أذرع حزب الإصلاح المسلحة، وفتح منافذ للتواصل مع قيادات الأحزاب السياسية والمجتمعية لخلف تقارب بين مختلف القوى". وإذ تُرّجح الوثيقة، في حال "عجز حزب الإصلاح عن الاستفراد السياسي بالسلطة في المدينة"، ذهابه إلى "تفعيل أدواته الخفية كالاغتيالات والخلايا النائمة والجماعات الإرهابية"، فلا تستبعد "نقل الصراع العسكري إلى الريف بغطاء شرعي: وهذا لمصلحة حزب الإصلاح ويساعده على بسط نفوذه في حال أتم خطة الاستفراد بالمدينة".

في التوصيات، يدعو التقرير إلى "التواصل مع قيادات فروع الأحزاب المناوئة للإصلاح، ورعاية بناء تحالفات سياسية بين الأحزاب تحت عنوان قضية مشتركة: استكمال تحرير تعز من الحوثيين، مع تحشيد الرأي العام سياسياً، ودعم مظاهرات تحت لافتات متنوعة، وعبر المنظمات الحقوقية ورفع الدعاوى القضائية". كما يدعو إلى "العمل على التنسيق بين المجلس الانتقالي الجنوبي والعميد عدنان الحمادي لمعالجة المخاطر الأمنية والسياسية وإسناد حلفاء الإمارات"، و"توسيع العمل الإعلامي الذي يعتمد على الدعاية السياسية المنظمة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي". أما عسكرياً، فيشدّد على "ضبط بوصلة العمل العسكري وتوجيهه نحو الحوثيين بسرعة ضمن عمليات عسكرية خاطفة"، و"تحويل الخسائر إلى فرص بالعمل على هيكلة كتائب أبو العباس التي تتوافر على عناصر قوة مالية وبشرية وتسليحية، بينما ينقصها البناء التنظيمي والإداري والانضباط العسكري"، إضافة إلى "مضاعفة الدعم العسكري للواء 35 مدرع صاحب النفوذ في مناطق الريف الجنوبي والغربي المستهدفة في جولات الصراع المقبلة، بحيث يتيح هذا الدعم التجنيد الشعبي والقدرة على شراء ولاءات وتحشيد أبناء المناطق والقرى التي يحاول حزب الإصلاح تفعيل حضوره الاجتماعي فيها"، و"إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين حلفاء أبو ظبي في تعز وربطها مباشرة مع حلفائها في الجنوب وفي الساحل الغربي". لكن الحلفاء الذي راهنت عليهم أبو ظبي في تعز ثَبُتت لاحقاً هشاشتهم؛ إذ إن "كتائب أبو العباس" سرعان ما تقهقرت أمام "الإصلاح"، وبات وجودها في المحافظة مقتصراً على مجاميع محدودة لا حول لها ولا قوة، فيما "اللواء 35" سقط هو الآخر تحت سيطرة "الإصلاح"، وأصبح تحت قيادة شخصية عسكرية "إخوانية"، بدلاً من الحمادي الذي أطيح به بالقوة.