ج14 قبل الأخير: خلاف صلاح الدين مع نور الدين وتهمة الاستيطان اليهودي

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي). *نتوقف الآن عند عدد من الاتهامات المتفرقة التي وجهها المشنِّع المذهبي والطائفي المعاصر لصلاح الدين ومنها أنه ( ساوم الصليبيين ورفض قتالهم حتى اصطدم به نور الدين الزنكي) . وقد قلنا في أكثر من موضع، إن صلاح الدين وخلال حربه الطويلة، هادن و فاوض وأعطى إتاوات وانسحب وتراجع مثلما قاتل وهاجم و انتصر وحرر مدنا، وأخذ إتاوات من العدو الفرنجي. أما صدامه مع نور الدين عسكريا فلم يحدث قط. الذي حدث، كما يروي جميع المؤرخين لتلك الفترة، هو حدوث جفوة أو وحشة بمفرداتهم، بين صلاح الدين وأميره وقائده نور الدين. وكاد الأمر يصل إلى درجة الصدام، ولكن صلاح الدين انسحب ولم يصطدم بقائده مرتين، وعاد الى مصر بقواته. ولكن وجود خلاف كبير بين الرجلين آنذاك أمر أكيد، و لعله يؤشر على وجود طموحات استقلالية لدى صلاح الدين بمصر. غير أن هذا لم يحدث ولم ينفصل صلاح الدين بمصر عن نور الدين في الشام، كما إننا نقع على إشارات لدى بعض المؤرخين على ندم نور الدين على إرساله صلاح الدين وعمه شيركو إلى مصر للسيطرة عليها. ولكن تلك الاشارات وغيرها ينبغي أن تؤخذ ضمن ما آلت اليه الأمور لاحقا وتساوقا مع الظروف التاريخية آنذاك. إن قضية الخلاف بين صلاح الدين ونور الدين كانت قد طرحت أول ما طرحت من قبل مؤرخين غربيين، مُستنِدين إلى روايتَي كيناموس ونكيتاس، و قد اعتمد هذان المؤرخان في روايتيهما على روايتَي المؤرخ ابن الأثير ( المتعصب لنور الدين وللأسرة الأتابكية ضد صلاح الدين) و المؤرخ ابن أبي طي هو شيعي المذهب مناوئ للاثنين معا مذهبيا، ولكنه مؤرخ محترف و تآليفه رصينة بشكل عام كزميله ابن الأثير. ويخلص الباحث د. حجازي عبد المنعم سليمان في دراسة له حول الموضوع إلى الآتي ( وقد يبدو للمُطَّلع على روايتَي ابن أبي طي وابن الأثير، أن العلاقات قد تجمَّدت بين نور الدين وصلاح الدين بما أن نور الدين قد عزم على غزْو مصر، ولكن الغريب أن العلاقات ظلَّت قائمةً؛ بدليل وصول خطاب صلاح الدين إلى دِمشق يوم وفاة نور الدين، وهو الخطاب الذي حمل أسرار المؤامَرة التي دبَّرها عمارة اليمني بهدف القضاء على صلاح الدين وجيشه في مصر، وينمُّ وصف صلاح الدين لكيفية تصدِّيه للمؤامرة عن وجود استياء، بل وعن وجود تواصل بينه وبين نور الدين. ومِن جِهة أخرى فإن صلاح الدين أرسل إلى نور الدين قبيل وفاته ربما بأيام معدودات - في أوائل شوال 569هـ - ببشارة فتح اليمن، ففرح بذلك وأرسل البشائر إلى الخِلافة - العباسية ببغداد - وسائر بلدانها/ رابط الدراسة في خانة أول تعليق).
* اتهام صلاح الدين ببدء الاستيطان اليهودي في فلسطين ومصر واعتباره بداية لقيام دولة إسرائيل كما يقول خالص الجلبي. وهو اتهام مضحك وسخيف، ولكن البعض من المشنعين الطائفيين يكررونه في أيامنا هذه دون تفكيرـ وهو اتهام تنفيه و تسفهه حقيقة أن نسبة اليهود السكانية في فلسطين وبعد ألف سنة على وفاة صلاح الدين من إجمالي سكان فلسطين لم تتجاوز 8% عام 1914 حسب تقدير الدولة العثمانية آنذاك. فأين ذهب اليهود الذين استوطنهم صلاح الدين، علما بأن وجود اليهود بهذه النسبة الصغيرة كان مؤكدا طوال عصور ما قبل صلاح الدين وما بعده؟ والحقيقة هي أن صلاح الدين استجاب لطلب طبيبه الخاص وهو اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون القرطبي بالسماح له ولمجموعة من ذويه بالإقامة في فلسطين. وقد عاد بن ميمون نفسه لاحقا وعاش في مصر ومات فيها!
*معلومة :عن موسى بن ميمون القرطبي وأهم كتبه نقرأ أن (أهم كُتب ابن ميمون هو "دلالة الحائرين" وفيه لا يجد القارئ إلا صدى لأفكار فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام وخاصةً الأشاعرة. ولذلك فحين ألَّف إسرائيل ولفنسون كتابه (موسى بن ميمون حياته ومصنفاته) ، وهو الكتابُ المنشور بالعربية في القاهرة سنـة 1936 كتب الشيخ مصطفى عبد الرزاق مقدمة الكتاب فقال فيها ( إن موسى ابن ميمون يعدُّ من الفلاسفة المسلمين!) ثم ذكر العديد من الأدلة المؤيدة لذلك. وفى مقدمة تحقيقه لكتاب " دلالة الحائرين" يقول الدكتور/ حسين آتاى: إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ الشهرستاني قد عدَّ حنين بن إسحاق النصرانى، فيلسوفاً إسلاميًّا ؛ فإنه لا وجه للتفرقة بينه وبين موسى بن ميمون اليهودي . والدارس للثقافة الإسلامية حين يقرأ كتابه "دلالة الحائرين" يرى أن موسى بن ميمون حتى في مناقشاته لنصوص التوراة، إنما يصدر عن فكرٍ وثقافةٍ إسلامية فقد عاش طوال حياته بين مسلمين . ويلاحظ أنه عندما ينتقد المتكلمين المسلمين يكون نقدُه لهم بأسلوبٍ خالٍ من الشدة التي ينتقد بها المتكلمون المسلمون بعضهم بعضًا، وأنه ينقد بني دينه بشكلٍ أشد. إذاً، فابن ميمون يُعتبر فيلسوفاً إسلاميّاً. وهكذا يعتبره أيضا المؤرخون الأوروبيون / الموسوعة الحرة) أما من يحاولون تشويه الرجل والقول بأنه قال كلاما سيئا عن النبي العربي الكريم فليقدموا لنا دليلا واحدا ملموسا من كتاباته هو في هذا الصدد ولن يفعلوا و لن يجدوا، وهل يعقل ويصدق أن يقول أو يكتب فيلسوف يهودي شيئا سيئا عن النبي محمد في ذلك العصر الملتهب بالحروب ضد الصليبيين و الذي أعدم فيه صلاح الدين فيلسوفا صوفيا سنيا لتهمة دينية تتعلق بمعتقداته هو السهروردي الذي توقفنا عند جريمة قتله في عهد صلاح الدين ويسلم اليهودي من العقاب؟
*أما ما يقال عما فعله أبناء صلاح الدين بعد وفاته، من أنهم فرطوا بإمارة أبيهم وانتصاراته على الفرنجة الصليبيين، واختلفوا فيما بينهم وهادنوا أعداءهم فلا يتحمل مسؤوليته صلاح الدين بل أبناؤه، ولذلك لن نتوقف عند هذا المحور لأنه خارج نطاق هذا البحث.
نستكمل هذه المتفرقات في الجزء القادم والأخير من الدراسة .. شكرا لكم ولكن على المتابعة.
رابط دراسة د. حجازي عبد المنعم سليمان في خانة أول تعقيب.
#صفحات_تراثية_معتم_عليها