أسئلة عن الثقافة وسوقها

لديّ اقتناعٌ بأنّ نمط الإنتاج الثقافي في بلادنا (من التلفزيون الى الصحف والمسرح وأغلب صناعة التسلية) قد دخل في طورٍ جديدٍ منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي، تحديداً حين صار بإمكان المواطن في لبنان (وأكثر الدول العربية) أن يصل شريطاً بتلفزيونه بكلفةٍ زهيدة ــ أو بالمجّان ــ فيحصل على بثّ أكبر القنوات الفضائية في العالم.

أصبح القطاع المحلّي في بلدٍ صغيرٍ، فجأةً، يتنافس على انتباه الناس ووقت فراغهم مع مؤسساتٍ عالمية، ميزانيتها بمليارات الدولارات؛ واختفت حتى وظيفة «الوسيط المحلي»، حيث تتكفّل المؤسسة المحلية بنقل الأفلام الأجنبية أو الثقافة الأميركية إليك على شاشتها (أو تقوم السينما، حتى، بتقليد هذه الأعمال وانتاج نسخٍ عربيةٍ عنها)، فقد أصبحت تحصل على هذه المنتجات من مصدرها مباشرة.
حين أتكلّم أدناه على الثقافة والفنون، فأنا أحاول (بطريقة غير منهجية) أن أطرح أسئلة عن الثقافة كسوق، لا عن المحتوى الفنّي والمضمون فحسب؛ حتّى الثّقافة الشعبية في عصورٍ ماضية كانت عبارةً عن «سوقٍ»، فيه «طلبٌ» لأناس لديهم وقت فراغ ويحتاجون الى الترفيه والمعرفة، وآخرون مستعدّون لتلبية هذا الطّلب. ليس القصد، بالطبع، نوعٌ من «النقد الفنّي» لست مؤهّلاً له ــ وذلك ليس لأنني لم أحاول، فقد تعرّضت الى كمٍّ معتبر من الفنون المختلفة في حياتي، وأُجبرت على حضور عروضٍ وسيمفونيات على مستوىً عالٍ، ولكن غياب الموهبة لا يعوّضه التعلّم. أخبرني يوماً من يعتبر نفسه خبيراً في الموسيقى أنّ أذني، ببساطة، لا تميّز النّغمة الصحيحة عن تلك النّاشزة، ولا قدرة لي على الحكم في الموسيقى وتقديرها. الأمر نفسه، للأسف، ينسحب على الفنون التشكيلية وأنا لا أفهم بعد، بالضبط، سبب استمرار فنّ الرّسم بعد اختراع التصوير الفوتوغرافي؛ وكنت كلّ مرّةٍ أنوي فيها الذهاب الى المعرض الوطني للفنون في واشنطن (وفيه مجموعات، للحق، قيّمة جدا، كلاسيكية ومعاصرة)، كنت أنتهي في متحف «الطيران والفضاء» المجاور له وأتهرّب من المهمّة.

السوق والتمويل

الّا أنّ نمط انتاج الثقافة واستهلاكها في بلادنا قد تغيّر في السنوات الماضية بشكلٍ صارخ لا يمكن تجاهله. خذوا المسرح والفنون التعبيرية مثالاً. ليس المؤسف أنّه، حتّى أوائل التسعينيات، كان هناك كمٌّ من المسرحيات يعرض بشكلٍ مستمرٍّ في بيروت، وكثيراً ما يعرض أكثر من عملٍ تزامناً، وأنّ هذا قد تقلّص حتى اضمحلّ. المؤسف هو أنّه، حتّى أوائل التسعينيات، كانت هناك حاجةٌ وسوقٌ حقيقية للمسرح في لبنان. كنّا، أنا والكثير من أترابي المراهقين، مستعدّين للدفع من مصروفنا لحضور عملٍ لروجيه عساف أو نضال الأشقر، أو صانعي المسرح المعروفين يومذاك ــ وكان هناك سوقٌ موازٍ، أكبر حجماً، للمسرح الترفيهي الخفيف. كان المسرحيّ، بالمقابل، يعرف أنّ عليه أنّ يتواصل مع النّاس ويكلّمهم في ما يهمّهم ويقدّم عملاً يخاطبهم بمعنى ما، أقلّه حتى يبيع تذاكر ويحضر الجمهور، فهذا تمويله الوحيد (ولا ضرورة لأن نذكر هنا أنّ المسرح هو من أكثر الفنون تواصلية وأقدرها على التأثير).
قد تمرّ اليوم سنة من دون أن تُعرض مسرحية كبيرة في بيروت (بصرف النظر عن المستوى الفني)، والقليل المتبقّي من فنون الاداء هي في المجالات التي تمكّنت من الوصول الى التمويل والمنح الأوروبية. المشكلة ليست في التمويل في حدّ ذاته (في كلّ العالم، الكثير من الفنون لا يوجد لها سوقٌ مربح ولا يمكن أن تستمرّ من دون دعم الدولة أو تبرعات الأثرياء ــ الشعر في اميركا مثالاً)، أو حتى في هويّته. المشكلة هي أنّه، حين يعتمد عملك الراقص مثلاً على منحةٍ أجنبية، فأنت لست بحاجةٍ لجذب الجمهور، اليوم أو غداً، ولا تضطرّ الى مخاطبة المزاج المحلّي، حتى بمعنى بيع التذاكر، فذائقة الحكم الأوروبي هي التي تقرّر حياة عملك أو موته. استخدمنا هنا مثالاً «حميداً»، ولكنّ المنطق نفسه ينطبق على الإعلام والمال السياسي، حيث بقاء المؤسسات يرتبط بالتمويل لا بأداء مهمة اجتماعية وسياسية، أو بنجاحٍ بين الجمهور. وتنتشر اليوم ــ مستبدلة الصحف التقليدية والراديو والقنوات اللبنانية ــ مواقع انترنت ومؤسسات إعلامية سياسية تتموّل بالمنح و»المال الجديد»، ولكن منطقها هو نفسه ولا تحتاج الى رضى الجمهور ودعمه ــ بل تُفرض عليه فرضاً.

خيار هوليوود

يعتبر العديد من المعلّقين في الغرب أنّنا نعيش «العصر الذهبي للتلفزيون»، حيث الانتاجات التلفزيونية الأميركية أصبحت هائلة وتتابعها جماهيرٌ حول الكوكب، وصار يتم نقدها تقريباً كما أعمال السينما (حتى زمنٍ قريب، كان التلفزيون بالتعريف هو في مرتبة دون السينما بكثير، والإقصاء بالنسبة للممثل السينمائي كان أن يبدأ بالتمثيل على التلفزيون). ولكن، حين تشاهد مسلسلات كـ»ويستوورلد»، تحوز حالياً إعجاب النقّاد وتسلّي الجماهير، فإنّ هناك اشكالية صارخة: لا أنفكّ أشعر بأنّ بناء سرديات حول «مشكلة» الوعي الاصطناعي والروبوتات وتقديمها كمشكلة سياسية وفلسفية هي، في جانبٍ منها على الأقل، نتيجة لعدم قدرة هوليوود على الحديث عن مسائل جديّة وعميقة وإشكالية تمسّ المجتمع، كما يفترض بالفنّ الجماعي أن يكون. بعض الأعمال تلجأ الى التّاريخ حتى تكلّم، أقلّه، عن شيءٍ حقيقي، وحتى العمل الذي يدّعي موضوعاً سياسياً، كـ»منزل من ورق»، يغوص في الفانتازيا والمبالغة الى درجة أنّه لا يشكّل أي نقدٍ ــ أو توصيفٍ ــ للسياسة وواشنطن والعالم (تماماً، ولكن بالمعنى المعاكس، للمسلسلات الأميركية التقليدية عن البيت الأبيض، «الجناح الغربي» في أوائل الألفية مثالاً، والتي كانت تقدّم الرئيس وفريقه بإجلالٍ كأنصاف آلهة).
لو فكّرت في الموضوع قليلاً، فإنّ هوليوود ــ بالمعنى الايديولوجي ــ هي مؤسسة مدهشة. الفنّ بطبيعته يقوم على الإبداع البشري وعلى طفراتٍ فردية، ولذلك لا يمكن التحكم فيه والتنبؤ بنتاجه بيسر. حتّى الفنون التي تخضع الى سوقٍ وبورصة، كالفنون التشكيلية، كانت تصدّر على الدوام حركات نقدية وتغييرية أو «تخريبية». ولكن أن تبني مؤسسة هائلة في حجم هوليوود، تنتج التسلية والثقافة لمليارات البشر ولا يخرج منها، وهذا مضمون، أي عملٍ نقديّ أو مزعج أو مخيف للمؤسسة السياسية، فهذا ليس أمراً هيّناً (والأعمال التي تدّعي الكلام عن السياسة هي أكثر أدلجةً و»تعقيماً» من تلك التي لا تقاربها. وفي السينما الأميركية، كثيراً ما تجد أن أفلام الفئة الدنيا ــ كأفلام الرعب ــ تتضمن نقداً وراديكالية في نظرتها الى المجتمع أكثر من تلك «الراقية»).
المشكلة ليست في أن تحوز وعياً معولماً، بل في أن تقبل وضعية المتلقّي الجنوبي وعلاقة القوة المتضمنة في ذلك، وأن يكون مصدر هذا الوعي هو مؤسسة بالغة الأدلجة كهوليوود. أن تشاهد «لعبة العروش» و»ويستوورلد» لا يجعلك «غربياً» وعلى اتّصالٍ بالثقافة الأميركية (كما يتوهّم بعض النخب، الذين يقابلون هذه الأعمال دوماً بفمٍ مشدوه وبوضعية المتلقي السالب)، بل هو يساويك بأقلّ الناس تعليماً وثقافة في هذه المجتمعات، وهم الهدف الأول لهذه المسلسلات. من دون انتاجٍ ثقافي حداثي يشبهك ويتكلّم عن همومك وقضاياك، فأنت ــ بسهولةٍ ــ قد تخسر صوتك، وخصوصاً في بلادٍ ليس فيها «ثقافة وطنية» ترعاها حكومةٌ ثرية، ولا تقاليد نخبوية ومجتمع أثرياء يموّل الثقافة والفنون.

السياسة على فايسبوك

هذه أسئلة وأفكار غير منظّمة، ولكنّ أثر هذه الديناميات يحيط بنا ويشكّل ثقافتنا على أكثر من مستوى. ما أشير اليه يشبه التحوّل من نظام المدونات والمنتديات على الانترنت، لمناقشة السياسة العربية، الى «فايسبوك» كجامعٍ أوحد للناس في السنوات الأخيرة. بأي مقياس، المدوّنات والمنتديات كانت أكثر «ديمقراطية»، ينشئها ويتحكّم فيها أفراد ومجموعات يحددون قوانينها، وليس شركة تجارية. كانت المواضيع وشكل التقديم وشعبية المواقع والوسائط المختلفة، تتغيّر باستمرارٍ وبشكلٍ «عضوي». رغم مشاكل النظام السابق، الّا أنك كنت تختار ماذا تشاهد، وليس لوغاريثماً يعرض عليك الأخبار من دون اختيارك. ومسؤولو الفايسبوك قادرون على منعك من قول رأيٍ أو وضع صورةٍ أو دعم قضية لا تعجبهم ــ وقريباً سيبدأون بمراقبة النصوص العربية، وليس الصّور والشعارات فحسب.
بهذا المعنى، حين يصبح فايسبوك هو المدوّنة والمنتدى، ومكاناً أوحد لنشر الأفكار والأخبار، فهذا ليس مجرّد «وعاءٍ» حياديّ يجمع الناس، بل هو عاملٍ بنيوي في تشكيل ثقافتهم ومعرفتهم وأسلوب نقاشهم ومفهومهم عن الممنوع والمباح. وإن كان نظام المدوّنات قد شجّع النّاس على نوعٍ من الإنعزال الفكري، حيث لا تقرأ الا ما يوافق رأيك، ولا تناقش الا من يتّفق معك، فإنّ فايسبوك ــ في دمجه بين فكرة المستهلك\الزبون وصانع الرأي ــ يسمح بمستوىً جديد من الإنعزالية، هو الفردانية القصوى. منصة التواصل الاجتماعي تسمح لك (وتشجّع) بأن تنظر الى نفسك كجزيرة، وليس حتّى كجزءٍ من شرذمة؛ وأن تبني هوية نرجسية مستقلّة بالكامل. لدى الزميل جمال غصن نظرية عن أن اليسار لم تتمّ «شرذمته» في السنوات الماضية، بمعنى أنه تحوّل الى مجموعات صغيرة وأجنحة، بل تمّت «فردنته»، بحيث صار كلّ فردٍ يرى نفسه كياناً مستقلاً، وأدوات كفايسبوك تشجّع قطعاً على هذه النزعة. في الخيار الفردي، فإنّ فايسبوك مسلٍّ وجذّاب، كمنتجات هوليوود الشعبية، وقد خضت تجربة أن تبني مملكة لك على الموقع الافتراضي، ووجدتها ممتعة. ولكن، من زاوية حاجات مجتمعنا وأزماتنا السياسية، فإنّ هذا السلوك، مثل ثقافة هوليوود ومسلسلاتها، قد يكون آخر ما نحتاج اليه اليوم.