محاولة لفهم ماذا يحدث؟!

رعد أطياف

معظمنا يراهن على الصيرورة في النظر لواقعنا السياسي على أنها تفضي إلى نتائج إيجابية في نهاية المطاف. بعبارة أخرى نتصور ما يحدث في العراق عبارة عن مخاض. وهذا التصور تعوزه بعض الدقة لأن المفاهيم تلعب دوراً في فهم الواقع، ذلك إنها تفتح إمكانيات جديدة للتفكير، أي إنها تغدو أفقاً للتفكير. فلو اعتاد فكرنا آو حاول أن يستخلص النتائج من حركة الواقع بمفاهيم مزيفة فعند هذه الحالة ستطول عملية فهم الواقع. فانطلاقاً من هذا التوضيح يمكن تسليط الضوء على ما تحمله كلمة " مخاض" وهل يمكنه تفسير الواقع العراقي وبعبارة أدق هل يمكن توظيف هذه الكلمة لتحليل الواقع؟. معلوم أن المخاض يشير إلى عملية ما، العملية نوع من الحركة، تكامل يفضي إلى نتيجة مثمرة. حركة البذرة في الأرض واستمراريتها في النمو حتى تبلغ نضجها، فهذه الحركة نطلق عليها "عملية". انه نوع من التدفق واشتباك الأشياء بعضها مع بعض لتولد لنا صورة جديدة. فهل عملية "المخاض" التي تجري في المجتمع العراقي تشير إلى مولود ما؟أبداً!، فالكلمة -إذن- سيئة التوظيف ولا تسعفنا في تحليل الواقع، بل تمدنا بأمل زائف يضاعف في مخيلتنا أحلام اليقظة!. ولعل السائرين في حياض السلطة يستقتلون على تأصيل كل ما يثبّت سلطتهم لمقاومة التغيير الحقيقي هم ومرتزقتهم الذين نالوا العيش الرغيد بعد " مخاض" طويل!. على أي حال، كتمرين على تعلم التفكير علينا تجربة مفهوم آخر(فهو تجريب في كل الأحوال)، دون أن نعطيه صفة الإطلاق فنقع في المحذور الذي حذرنا منه. وعلى سبيل الفرض فلنجرب كلمة " إجهاض" لنحلل بها الواقع فلتكن – مؤقتاً – أفقاً لفهم مجريات الأمور، وجواباً لسؤال " ماذا يحدث"!. بدأت عملية الإجهاض، لهذا الوليد المرتقب" الدولة"، منذ بدايات أو محاولات بناء هذا الكيان الضخم. كلما جاءت نخبة سياسية أجهضت الولادة السابقة لترمي مولودها عارياً دامياً وسط الصحراء، ولازال معدل الضحايا والمهاجرين مستمراً منذ 1958وماتلاه من حكم البعث المرعب. كل الحكومات التي تعاقبت على العراق تنطبق عليها الآية القرآنية ".. كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ.."، ويغدوا ما فعله السابقون ظلم وجريمة، وما يفعله اللاحقون إحقاقاً للحق!. ومابين هذه الأشكال التبريرية ينطبع المشهد العراقي بطابع العنف والثأر والانتقام. من أشد آليات التدمير فتكاً هو استيراد مفاهيم وأفكار في بيئة متخلّفة. الأمر أشبه إلى حدٍ ما إعطاء بندقية لجاهل لا يحسن استخدامها. وهذا ما حدث في المنطقة العربية عموماً، وفي العراق على وجه الخصوص، حيث شاعت أفكار ومعتقدات سياسية كانت مادة خصبة للهذيان السياسي وشكل تعبيري ملطّف للانقضاض على السلطة، وسلاح قاتل أودى بحياة الكثير من الضحايا، وكانت عاملاً حيوياً لكل عملية إجهاض.

 

وكان الأمر في وقتها يكفي أن تطبع الخصم بطابع " الرجعية" ليحل لك قتله وسحله، أو يمكنك استخدام مفهوم " التقدمية" ليضفي على نزعتك القبلية الثأرية مشروعية للدماء التي استبحتها. ومن جانب آخر يمكنك إبادة ثلث المجتمع - إن تطلّب ذلك - بجريرة التآمر والتبعية للاستعمار. يمكنك أن تشكّل حزباً ليغدو هذا الحزب لاحقاً المدرّعة الحصينة لسحق المخالفين، وتمرير قيمك القبلية ضمن إطار حزبي يتمتع بحماسة شعاراتية ساخنة. هكذا كان الهذيان السياسي على أشدّه: يساريون، قوميون، يتطاحنون فيما بينهم، وكلٌ يضفي سمات الملائكية والبراءة على ضحاياه، فيما تبقى ضحايا الآخر ملعونة في قاموسه القبلي الطائفي الرجيم.

وسط هذا الجحيم الدامي ضاعت الدولة وضاع العراق وأهله، وتمّ تفريغه من خيرة أبناءه، ويصعب وجود عملية " مخاض" واحدة، فيما توجد هناك سلسلة من الإجهاضات المؤلمة. قرن من الزمن تحوّل العراق إلى محرقة كبيرة لأبنائه، أضحى فيما بعد سكناً لأقذر عصابات عرفها التاريخ المعاصر، وهي تنهش فيه وتمزّق أوصاله شر ممزَّق. وهذه المرّة لا وجود لـ " تقدمية" و "رجعية"ولا " قطرية" أو " قومية"،هذه المرّة يختلف الشكل التعبيري تماماً؛ إنّها الطائفية التي تُعَد الشكل التبريري الأمثل لمداعبة جماهير أنهكها تاريخ الانقلابات والسحل والتعذيب والنفي والإقصاء، ليحلّ بديل الطائفية ويضيع العراق أرضاً وماءً وسماءً. وعند هذا الحد يكون العراق قد دخل كابوساً مرعباً ابتلع كل الكوابيس التي كانت قبله، بل أصبح العراقيون يترحمون على صدام!. ولنا أن نتصوّر أي محنة مروّعة يمر فيها العراق!، فهل يعقل بعد هذا تفسير المشهد العراقي على أنه عملية مخاض؟.

متى نعتذر لأنفسنا والآخرين من هذه الذاكرة السوداء ونبدأ حقبة جديدة ونؤسس ديمقراطية حقيقية