خرافة فكر العرب ابان نهضة الغرب

عبدالاميرالركابي

قد لاتكون هنالك "امة" في التاريخ الإنساني، مارست خداع نفسها، وعمدت لتحويل التوهمات الى "حقيقة"، تتعلق بمصيرها ووجودها، كما فعل المجال الناطق باللغة العربية، في العصر الحديث الأوربي الغربي، هذا النمط من خداع الذات، استغرق في الحالة التي نحن بصددها مايزيد على القرنين من الزمن، وتاسس مقننا كمنظور شامل، منذ ستينات القرن الماضي مع صدور كتاب الخديعة الكبرى:"الفكر العربي في عصر النهضة " لالبرت حوراني، وصولا للمغربي عبدالله العروي، الذي يرى في الافغاني "عقلا نبويا"، ناهيك عما لايحصى من الكتابات والدراسات، والأحزاب والتنظيمات، والمشاريع المتصلة بهذا النوع من التفكرات، وصولا لاخر ماصدر بهذا الخصوص من اعمال ضخمة، متقصدة الشمول على يد جورج قرم، اطلق عليه اسم "الفكر والسياسة في العالم العربي"/ الكتاب صادر عن دار الفارابي ـ بيروت.
واغرب مايتصل بتلك التفكرات، إصرار من بتابعونها ويؤرخون لها، او يقرضونها، على اعتبارها "افكارنهضة"، مع انها أفكار بلا نهضة، فاين باترى حصلت نهضة العرب في العصر الحديث؟، الغرب هو الناهض، فماعلاقة العرب بذلك، وحصة العرب من هذه الظاهرة هي التفكير بالنهضة، او تكريس مفهوم عنها متشبه بها، لاعلاقة له بالياتها، او باي شكل من اشكال تحققها التاريخي الذاتي، هنا يأتي "محمد على" في مصر، ليتحول الى ظاهرة "نهوض"، مع انها ليست سوى عملية برانية مدخلة من خارج، اخذت من سياقات الحدث الغربي ميررا، وسببا لاكراه مجتمع ساكن، على التناغم مع مقتضيات لاعلاقة له بها، ولم يسبق ان عرفها، فافكار النهضة، ليست سابقة، بل لاحقة على "محمد على" هو من حفزها مع الطهطاوي، أي ان أي تمهيد سابق على الحضور المادي الغربي ،وان غير المباشر، لاوجود له في الحالة المصرية. 
واكثر من ذلك، فان مصر بالذات، اذا ازحنا الاعتباطات جانبا، ليست بالموضع الذي يمكن النظر اليه، كموقع فعال في التمخضات الكونية، التي عرفتها المنطقة تاريخيا، بالاخص والمتمثلة بالابراهيمة أولا، والثورة الجزيرية ثانيا، وهو موقع لم يدقق فيه، ولافي دينامياته، والملفت ان "جورج انطونيوس" القومي الشامي "المسيحي"كما العادة، يخرج في كتابه الشهير "يقظة العرب"محمد علي، وماقد فعله، هو و"الحركة الوهابية" في الجزيرة العربية، من نطاق نهضة العرب الحديثة، معتبرا اياهما عملان فرديان عبقريان، في حين يغمز من قناة "محمد على" الذي "تمرد على اسياده العثمانيين"، في حين يعتبر هو ورهط من مسيحيي ساحل الشام، "القومية العربية" منذ حركة الشريف حسين في الجزيرة العربية، هي الدال على بدء نهوض الامه، والشيء ذاته، يفعله "زين نور الدين زين" ممن ارخوا لمايعتبرونه بعث القومية العربية، ناهيك عن فطاحل المنظرين الشوام الاخرين.
ولايوجد في التاريخ العربي، أي ملمح لقومية عربية، والعرب نهضوا ابراهيميا، لابصفتهم عربا، وهم لم يقيموا "دولة عربية" في الجزيرة، بل حرصوا على ان يكون نهوضهم كونيا، مثلما هي طبيعة كل نهضة كبرى، تظهر في هذا الحيز من العالم، ذهب لحدود الهند والصين والى اسبانيا، ولاوجود لاية فكرة قومية نافذة في التاريخ المسمى عربي، فالمنطقة أصلا وكبنونة، هي منطقة ومركز حضاري كوني، تفاعلاته المتحدية لوجوده، شرقا وغربا، لاتسمح له بتنمية ردود أفعال جزئية، وهو موقع مناظر للغرب، ومتغلب عليه من حيث الديناميات التاريخية، فالابراهيمية سائدة، ولقرون، بصفتها دين يتبناه الغرب، في حين لامفاهيم راسخة وجمعية غربية في منطقة الشرق المتوسطي، وامريكا الحالية يوم وصلها البيوريتانيون، كانوا يحملو ن شعار "بناء مدينه على جبل"، التوراتي الشرقي المتوسطي، وكل محاولة تفكر، تقول بان المنطقة مرشحة للاندرج ضمن تيار الغرب ومفهومه، هي حركة ماقبل نهوض، وتكرار انحطاطي بادعاءكاذب، مضادة لاية بارقة من بوارقه.
ماعرف بفكر الإصلاح، منذ محمد عبدة والافغاني، والفكرة القومية، نتاج يمكن ان يفهم باعتباره فعل عارض لمنطقة من العالم العربي، غير فعالة تاريخيا، ولاتنطوي على الديناميات المولدة للمنظور الحضاري الخاص بهذا الجزء من العالم. والملاحظ مثلا على العراق، انه ظل معزولا عن مثل تلك الأفكار الاستعارية، لمنطقة معرضة تاريخيا وخلال فترات انحسار الفعالية الحضارية، لمنطقة تاثر بغرب الساحل المتوسطي، لافتقادها للمقومات الشمولية الكونية، مع انها جزء من الشرق، تعود عند تبدل الظروف، للاندراج ضمن تياره، واجمالي حركته الصاعدة وقتها.
لم يصبح العراق جزءا من عملية التناغم مع الغرب، لانه بالاصل كان حديثا بذاته، قبل حضور الغرب، له حداثته الذاتية، وكانت حركة تشكله الراهن، قد بدات أصلا في نفس قرن الثورة الصناعية الغربية، في القرن السابع عشر، يوم خرج من الدورة الانقطاعية الثانية المستمرة من 1258 ،تاريخ سقوط بغداد كعاصمة حضارية كونية، وريثة لبابل عاصمة الطور الاول، لتبدا مع أولى مظاهر عودة التشكل الوطني التاريخي الجديد، "الاتحادات القبلية" الجنوبية تظهر، مؤذنة بدخول العراق دورته الحضارية الثالثة، بعد الدورة الأولى السومرية البابلية، والثانية العباسية القرمطية، ولتستمر الاليات الذاتية، في العمل على منح سيرورة التشكل انف الذكر، ملامحه على مدى حقبتين متعا قبتين: الأولى قبلية، والثانية دينية تجديدية، عرفت تشكل دولة لادولة مدينية، هي النجف ونظامها ( الاجتهاد / التقليد/ الحوزة)، قبل ان يحضر الغرب، وتبدا عملية التصادم الكبرى، الجارية والمستمرة بينه وبين، الصيرورة العراقية الراهنة الثالثة، الى الان.
ووقتها فقط وجدت اشكال من تفكرات ساحل الشام ومصر، الماركسية والقومية والليبرالية / الشعبوية، طريقها للعراق لاكافكار ونظريات تحديث، بل كادوات عملية، اندرجت بقوة داخل عملية الصراع المستمر والمحتدم منذ الثلاثينات من القرن الماضي.
بهذا يكون العالم العربي قد عاش خلال اكثر من قرنين، مابين سلفية جزيرية، وتحديثية إصلاحية و "علمانية"، مو طنها مصر وساحل الشام، فعرف تفكرات لاينطبق عليها مفهوم الفكر، فهي لم تكن يوما بنت حاجات موضوعية ذاتيه، او حصيلة عامل فعل ضمن عملية تاريخية شاملة، بقدر ماهي محاولات اقلمة على اصل، وفبركات ضمن مثل هذه الاشتراطات والدوافع والمحركات، وهي في المدى التاريخي، لااكثر من لحظة عارضة في السياق، مابين غرب، ومابعد غرب، بؤرة تجليه العراق، حيث التشكيل المزدوج المجتمعي، وحيث موضع الفعالية الحضارية القصوى، الإبداعية الكونية، بمقابل طبقية الغرب الأوربي.
ثمة نهوض غربي، يقابله عملية تشكل عراقي رافديني، مابعد غربي، بدءا متوازيين ومتواقتين، وكانا بالاصل وعلى مستوى التراث الحضاري، متعاقبين، فالغرب الراهن هو الحصيلة الكونية لعملية النهوض العقيدي الامبراطوري الكوني، الجارية منذ القرن السابع عشر، عززها ظهور القارة الامريكية، على الطرف الاخر من العالم، وهو طور غير نهائي، وليس مؤهلا لاغلاق التاريخ البشري، ولاينبغي له ذلك، وهو متجاوز بحسب ممكنات التشكل العراقي، مؤئل الرؤية الكونية الأولى، ومركز قيادة الثانية، ذلك في حال اقرينا كما ينبغي لنا ان نفعل، بان العالم المعروف بالعربي، متقدم على الغرب من الناحية التاريخية، وفي مجال الإمكان التاريخي، بغض النظر عن الحضور المادي الاني، باعتباره عالما ينتمي الى الطور الثالث الحضاري، منذ انهار مغادرا موقعه القيادي في الطور الثاني، بانتظار انبثاق ملامح الطور الثالث، من هنا فصاعدا.
فالبشرية سائرة اليوم نحو عالم وطور الإنتاج العقلي بعد الالي واليدوي، وهذا انتقال له اشتراطاته المباينه والمختلفة جذريا، عن طبيعة المجتمعات التي افرزتهامن داخلها، بحكم بنيتها، فالغرب انتج بعد المعمل والاله، التي كرست هيمنهة، نقيضه، ومسبب انهياره. فالتكنولوجيا قوة حضور ومعنى، ومسار انقلابي استثنائي، لايملك وبناء عليه لايستطيع الغرب عضويا وتكوينيا، التناغم، او التفاعل الإيجابي معه، في حين سيلعب "مجتمع اللادولة" المزدوج، المدخر منذ بداية ظهور المجتمعات البشرية المكتملة في سومر جنوب العراق، دور الطليعة الرائدة في تامين قواعد الانقلاب المجتمعي الإنساني، بناء على خاصياته، وطبيعة كينونته، المصممه من الغائية الكونية العليا.
فشل من تصدوا في الفترة التي انتبه العرب ابانها على الغرب الحديث، في ان يجعلوا من مهمة "نهضتهم" و "ديدنها"، اكتشاف خاصيات واليات فعالية مجالهم الحضاري الكوني، فاختاروا الاسهل، ولعبوا لعبة التاقلم، والفبركة، خارج الحقيقة الحضارية الكونية العامة ناهيك عن الخاصة، هذا علما بانهم بالذات، بتحملون مسؤولية استثنائية، مختلفة عن غيرهم من سكان الارض، لانهم موضع ومصدر بلورة خيارات شاملة كونية، لاتجيز لهم الانمحاء إزاء غريمهم، وبؤرة التعاقب التاريخي الحضاري الدائم معهم، فان فعلوا وهم قد فعلوا، فانهم بذلك يرتكبون خطيئة كبرى بحق العملية الحضارية العالمية، وقطعا بحق الفكرمجردا، ولن نقول اكثر. 
ـ يتبع ـ