الشيوعيون والصدريون بين النظرية السياسية والممارسة

د. محمد عطوان

قد يبدو للوهلة الأولى أن الأربعة عشر عاماً من العمل السياسي أماطت اللثام عن القصد الغرضي في الاستعمال الايديولوجي للطائفة.. وأن ليس أمام القوى الاجتماعية والسياسية المتحررة من هذا الاستعمال إلا التعديل على برامجها السياسية وإعادة النظر في موضعة مواقعها الإيديولوجية من جديد داخل السلطة.. باحتساب ان الخلط الكائن بين الطائفي والسياسي، في ضمن هذه اللعبة، جعل من الطائفية مادة غرضية لتعبئة الجماعات، وطريقة لتمكين الطائفيين من حكمها.

هذا الأمر يُظهر لنا كما لو أن وعياً اجتماعياً حرَّض على ضرورة تقويض البنيان الطائفي القديم، وخطاباً جديداً دفع إلى تغيير المواقف الطائفية ببدائل سياسية ممكنة. ولكن إلقاء الضوء على طبيعة الواقع الاجتماعي بما هو عليه من انقسامات وتمحورات؛ يُبيّن لنا أن ظواهر التديّن الشعبوية وثقافة الخضوع والامتثال والطاعة لا تزال هي النمط التربوي والثقافي السائد بين الناس، وأن ليس للسرديات الإيديولوجية التقدمية القدرة على ترجيح المعادلة السياسية لِجهتها.

كما ليس بوسع العلاقات الانتاجية المحلية، والقوى المادية البشرية والمؤسسية تثوير الجدل المادي في التاريخ (الآن على الأقل).. ولأن البنى الاجتماعية بنى طبقية في جوهرها، وتمثيلاتها تمثيلات طائفية، فإنها تفتقد إلى ديناميات التغيير الداخلية، بل إنها تؤبد نمط علاقاتها.

ما يعني أن الأفراد طبقاً لأنماط حراكهم وتجمعهم وتشابه مشاعرهم وآمالهم ينتظمون في صورة طوائف، ويحصل ذلك من دون أن يتشكل وعي طبقي عندهم، ومن دون أن يتشاركوا في أفعال جماعوية تقوم بها طبقة.. إذن وجودهم الطبقي ما هو إلا كناية عن تموضعهم في طوائف.. والوعي المتشكل عندهم، في حقيقة الأمر، ايديولوجيا ليس لها وجود مادي في الواقع.. والحراك المتوقع حصوله هو تزييف لذلك الواقع، وقلب لمفهوم الحركة والتغيير فيه.

ومن ثم، فإن أي رهان داخل العملية السياسية على تغيير الواقع السياسي الطائفي ـ عبر الانتخابات ـ لم تَبِن ملامحه، ولم يكتسب أدواته الفعلية في المعركة الاجتماعية الراهنة. والسبب في ذلك؛ عدم وجود قوى ثورية مُمأسَسة تصارع النظام الطائفي، وتعمل على قلب النمط الانتاجي السائد، وتزعزع بنيان النظام الاجتماعي العام. بل على العكس من ذلك! يوجد ما يدعم ذلك النظام ويحض على استمراره ويحفظ مصالحه.. ومن ثم يصبح أي نقد نظري للقوى الطائفية تبسيطاً مُعتلاً لفكرة السوسيولوجيا، وتوصيفاً شكلياً للصراع بحاجة إلى تنسيب واقعي حي.

لم تكتفِ قوى الإسلام السياسي بتعطيل الجدل الثوري بين الجماعات الاجتماعية، كما لم تكتف بطرد وتقويض القوى التقدمية الرافضة للطائفية، بل استمالت، في مناسبات مصيرية، ما هو تقدمي لقبول فرضية العمل السياسي المشترك.. وقبول ذلك بحد ذاته خلط متعمد للايديولوجي بالمعرفي، وتبرير لفكرة التساند المتبادل الذي يُغلِّب القراءة السياسية على القراءة الفكرية، بزعم أن المشكلة الطائفية مشكلة سياسية في المقام الأول، ولم تكن مشكلة فكرية تقوم على مستوى من التقابل الايديولوجي الصارم وتفترض معاينته أناة وتأمل، ما يجعل المشكلة السياسية نفسها تُغيَّب في هذا الحصر..

في كتابه اسهام في نقد فلسفة الحقوق لهيغل، يقول ماركس: "إن من التجني وضيق الأفق أن تغيب الفلسفة عن ميدان الواقع" ص9. وهو أن ليس ثمة طرح معرفي يفصل العمل الفكري عن الواقعي، وإن حقيقة ما يجري ليست سوى محاولة لدمج الدجل في العلم والوفاقية في السياسة.

ونتيجة لذلك، وبسبب غياب الجدل المادي داخل المشهد السياسي العام، تنزلق القوى التقدمية إلى مواقع الفكر الايديولوجي المسيطر، وتستكين إلى مواضع تسهم في تأبيد خيارات الأفراد ضمن حاضنة من طبيعة طائفية.

صفحة المثقف