المرض بإيران المزمن

رعد أطياف

تكمن رثاثة وتفاهة الخطاب العربي الرسمي هنا وبالذات: أن يصارع أشباحاً في مخيلته الطائفية ويتبعها ضرباً وشتماً ولعناً، لأنها هي العدو الأوحد، ويبقى الشبح الإيراني ذلك العفريت الذي يستولي على ذاكرة العربي الطائفية، ليكتشف إن كل هموم الأمّة العربية تكمن فجيعتها في حدوث الثورة "الخمينية".

قصتنا مع إيران لا تختلف كثيراً عن موروثاتنا الشعبية، حيث يلتجأ الفقراء والمعدومون على تبرير البؤس الذي يعانوه إلى زمرة خبيثة من الجان!. في مناطقنا الشعبية المغضوب عليها يكثر فيها "الممسوس" و"المسقي" و "الدايس" و"التابعة" و"المدفون" وغير ذلك. تعاطينا التاريخي والسياسي مع إيران لايخرج عن هذه السرديات الشعبية التي تميل إلى الاسطرة والتضخيم والبحث عن نقاط مرجعية نفكر من خلالها لا تفسر واقعنا تماماً.

اكتشف العربي بعد تعاقب السرديات القومية واليسارية في ثقافتنا العربية،  إنّها لا تمثل أفقا حقيقياً للتفكير، وبعبارة أخرى أنها سرديات لا تحلّل واقعنا المتخلف. وبدافع حركة "تناقض" داخلية بين طرفي " القومية" و " اليسار" أفضت إلى نتائج كيفية وهي الطائفية!. لذا تبدو الطائفية إمكاناً جديداً للتفكير يدشّن العرب فيه عصراً جديداً يقوم على أنقاض السرديات السالفة ويعينهم على فهم حالة الذل والتنكيل التي يعانوها.

 هل القوى الغربية المهيمنة وما تفعله من فضاعات في المنطقة فعل طائفي؟ كلا!. هل ما تقوم به إسرائيل من اخصاء الحكومات العربية فعل طائفي؟ كلا!. هل ما تفعله السعودية من تدمير اليمن وإبادة سكانها بواسطة المرتزقة الأجانب فعل طائفي؟ كلا!. (أنا لا امزح، وإن كنت اعترف أن هذه المزحة بغيضة). إن كل الأفعال الآنفة ليست أفعالاً طائفية، إنّها سياسات تنكيل وتوسع ومؤامرات، فالعرب من هذه الناحية ليسو معنيين بما يحدث لأنه ببساطة شديدة، إنّ أفق تفكيرهم الطائفي ليس معنياً لتفسير هذا الانتحار الأخلاقي، أي أنه فعل خارج قاموس الطائفية لذا فهو مستثنى!. إذ تبقى إيران المادة الخصبة والملهم الأول لتفسير حالة الإهانة والذل والتنكيل والسادية وحفلات جلد الذات المجانية بتفسير ما يحدث.

 ما إن تسقط إيران "الخمينية" حتى يأكل العرب المن والسلوى، لأنّهم اكتشفوا مشكلة الوطن العربي وسبب تخلفه؛ إنه إيران. الطريف في الموضوع ( وهذه مزحة تستحق الضحك) هو إننا نجد الكثير من مراكز  التجميل وتكبير الأثداء ونفخ الشفاه، وبرامج لتصميم الأزياء  وقنوات خاصة لفتّاحي الفال وقراءة الأبراج، ومستشارين مختصين للوضعيات الجنسية المناسبة بين الرجل والمرأة، وبرامج للمواهب النسائية، لكنّنا لا نجد مركزَ بحثٍ مرموق مختص بالشأن الإيراني، عسى أن يغطي عوراتنا الطائفية ويثبت لنا فعلاً إنّ هناك صراع حقيقي ومحاولة لتوازن القوى، ومنهج علمي يساهم في فهم السياسة الإيرانية والبناء الاجتماعي والثقافي الذي افرز للإيرانيين مثل هذه النخب المحترفة.

نكتفي، وعلى طريقة  المدّاحين وفتّاحي الفال والصبيان النزقين، لتوصيف حالة إيران على أنها "نظام الملالي"، "الولي الفقيه"، "أهل المتعة"، "المجوس"، "صفويون" فمن هذا الهذيان نفهم جيداً  لماذا نحن أذلّاء مهانون يٌنَكّلٌ بنا  علنا ولا أحد يهتم لأمرنا.

انّه ليس استعراضاً مبتذلاً لجلد الذات، وإنّما اعتراف وبحث عن مكامن ضعفنا وسر خيبتنا المتوالية. لقد اطّلعتُ قبل فترة على كتاب لوزير الخارجية الأمريكية الأسبق"هنري كيسنجر" كيف يحلل بإسهاب القوة الإيرانية، وهو لا يخفي إعجابه بهذه الثقافة الصلبة والعنيدة، وكنتُ أتتبّع صفحات هذا الكتاب عسى ولعل أن يذكر دولة عربية واحدة، لكنّه خيب ظني هذا العجوز الخبيث وأشعرني بالغيض الشديد، وأنا اقرأ له كما الأبله وهو يغرد في ذكر إيران والإيرانيين، الذين لم تنفع كل حججنا الفارغة من تذليل عنادهم واختراق أمنهم القومي ونفوذهم السياسي الذكي.

هكذا هي اللعبة، لا توجد مبررات أخلاقية تمنع إيران وغيرها من الهيمنة، مالم تجد دولة مؤسسات ومراكز بحث وخبراء ودبلوماسيين يتعاملون معها بمنطق  النديّة والبحث عن المصالح المشتركة، وبالطبع لا أقصد هنا رئيس وزراء العراق الحالي، ولا جوقة الحكام العرب الحاليين، وإنما أتحدث عن كائن لم يوجد بعد!.

العالم الجديد