رحلة الى بدايات التاريخ الانساني(1)

الكاتب وعدد من الأصدقاء

باسم صالح

في غرة عامنا الحالي واستمراري في ترقب مألات الصراع في منطقتنا وازدياد توترها وسخونتهاحتى مع رجحان كفة ارادة شعوب ودوّل المنطقة على حساب المشروع الامريكي الذي يستبطن مصالح اسرائيل اكثر من مصالحه. وأكاد أشطح في كوميديا رسم الخواتيم لأصل الى اجتراح الحلول لظاهرة التصحر البيئي بالتوازي مع واقع اشتعال الدار والفناء الخارجي. احيانا من المفيد التفكير من الخاتمة والهبوط في سلم الزمن الى حاضرنا اليومي،كنوع من ضبط الايقاع بسبب هول مدارات التلاعب بنا وتمزيق مجتمعاتنا بذرائعية فاقعة لتغطية شوفينية التفوق وحق الاستلاب لديمومة مصالح الناهب الدولي وأذرعه في شرقنا الجريح. 
وفي غمرة الأسابيع الاولى استلمت رسالة من صديقي الراوي المغترب يقترح إقامة سفرة الى مدينة اور التاريخية وأهوار الجبايش،راقت لي الفكرة لسببين:أولهما زيارتي السابقة لاور عام(2009)ولكن بدون تحليل مكتمل لماهيتها،مع انها تحمل شفرة العراقيين الحضارية،وثانيهما لم أحظى من قبل في مشاهدة أهوار الجبايش والتي تقاطعت عندها كثير من السرديات الثورية. 
أبتداء حاولت التسجيل في كروبات شركة النجار السياحية والتي تنظم سفرات داخليةويتضمن منهاجها زيارة للموقعين المطلوبين،ولكن لم افلح بسبب قلة المسجلين عليها،وأجبرنا الامر استخدام الامكانات المتوفرة،وللتغلب على شرط الكفيل الضامن المحلي للدخول والإقامة اعتمدت على زميل شطرنجي(السيد الوائلي) في هذا الامر ،وقد أبدى استعداده وتذليل الامر بالكامل واحاطنا بكرمه ودرايته التفصيلية للأماكن التي نرغب بزيارتها. 
وتمت إقامتنا في فندق الجنوب السياحي بكفالته ايضا،وامام استغرابنا من التشديدات في الوقت التي تعد فيه الناصرية مدينة سياحية على محمل تاريخي وبيئي ايضا،أجابنا ان الامر متعلق بسجن الحوت/غوانتانمو العراق للمحكومين الارهابيين،والذي حول المدينة الى هدف للارهابيين بقصد تحرير زملائهم،وقدم الناس العاديين ضحاياكثر،كما حدث في دار استراحةفدك. 
في مساء يوم وصولنا توجهنا الى مدينة اور وكان الطريق المؤدي لها يمر بسجن الحوت. اور تقع الى غرب الناصرية وتبعد عنها(40)كم وهي اقدم المدن العراقية بناها السومريين قبل(5000)سنةوعلى الجهة الشرقية لنهر الفرات قبل ان يغير مساره نحو الشرق بسبب تراجع مياه الخليج وترهل مجرى نهر الفرات. وكان تواجد السومريين أقدم من هذا التاريخ ب(8000)سنةودأبت الاساطير في تسميتهم الخارجين من البحر،المطرودين من الجنة او الناجين من الطوفان العظيم. 
ولاجل التحقق من الميثولوجيا السومرية اعتمدنا الجيولوجيا لفترة المليوني سنة الاخيرة،ضمن حقبة العصر الرباعي حسب التاريخ الجيولوجي للأرض،والتي شهدت فيه تغيرات مناخية هائلة،حصلت خلالها اربع مراحل جليدية غطت فيها الثلوج اجزاء كبيرة من القارات،مع انخفاض كبير بدرجات حرارةالمحيطات وانحسار مياهها ومياه البحار وانخفاضها عن منسوبها اكثر من(100)متر. وبسبب الانجماد وهجرة الكائنات الحية(النباتات،والحيوانات)حصل نقص كبير في الانتاج العضوي،ما أدى الى انقراض كثير من الثديات الضخمة،وتسارع تطوري في اشكال وأحجام ادمغة الكائنات الشبيهة بالانسان لضرورة التكيف البيئي مع عصور الجليد،لذا عد الانسان المعاصر واحد من منتجاتها،وكان يزاول الصيد واقتفاء الطرائد لتأمين غذاءه،وقد استمر فترة طويلة على هذا المنوال،ولانستطيع ان نحدد بالضبط متى تحول الى مرحلة الزراعة وابتكار تقنياتها في تأمين غذاءه،ولكن نتوقع الامر حدث في الفترة الجليدية الرابعة والتي استمرت حوالي(200000)سنة انتهت قبل(20000)سنة. 
كان السومريون يستوطنون سهل الخليج العربي والذي تجري فيه دجلة والفرات وتصب في البحر عند مضيقHermès ،وهذه الافتراضات نعززها بسجلات حفر الآبار البحرية شمال المضيق والتي تظهر ترسبات بحرية تتخللها ترسبات نهرية تتطابق مع الفترات الجليدية،ونعتقد ان السومريين عند تراجعهم شمالا نحو اليابسة بعد تقدم مياه البحر ووصولهم الى اليابسة في موقع اور التاريخي وانتشارهم في الجزء السفلي من الحوض الرسوبي،لم يكونوا لوحدهم بل جاورهم وأنصهر معهم تجمعات بشرية قادمة من الشمال الغربي والشرقي لمدينة اور ولكنهم لم يكن بمقدورهم من انتاج الغذاء كما كان عليه السومريين. 
وبالعودة الى زقورة اور(او المعبد المدرج)والتي تعد من اقدم زقورات بلادنا بنيت في القرن(21)ق.م ويعد إنشاؤها متأخرا قياسا لعمر المدينة. وهي عبارة عن مبنى هرمي مستطيل ابعاده(200*150*13)مترمكعب،متألف من ثلاث مصاطب يعلوها معبد مخصص لعبادة نانا الهة القمر،كما ان المبنى مخصص لتخزين المحاصيل الزراعيةالتي يسلمها الفلاحين للسلطة ويقوم الكهنة بتوزيعها على الأهالي (الارزاق الإلهية )ونعتقد ان جذور المحرمات الدينية انبثقت هنا(محرم على الفلاحين استبقاء جزء من محصولهم،ومحرم على الناس أخذ اكبر من مقننهم) 
وفي ختام هذا الجزء نقول ان الطوفان الذي حصل في سهل الخليج،وهروب مستوطنيه بحيواناتهم وقواربهم،شكل ملحمة بقاء انغرزت عميقا في وجدان السومريين وتحولت الى أساطير شعبية يحكيها الكبار بحزن ويستمع لها الصغار واجمين،لتتحول بعدذاك الى مادة اساسية في ادبيات الاديان اللاحقة وقدكانت هذه النكبة حافزا وجوديا وحضاريا تمثل في بناء المدن واختراع الكتابة وتخليدالنخب والابطال والمبدعين في الإعمار والتشريع لتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات،متسلحين بسلطة مركزية الهية

Tags