الجنابي يرفض التدويل للدفاع عن الرافدين ويعلن عن "إغلاق باب الأمم المتحدة" واعتماد المفاوضات الثنائية فقط مع تركيا

*الصورة من الأرشيف نشرت في الصحافة العراقية قبل سنوات قليلة.

علاء اللامي 

أدلى وزير الموارد المائية حسن الجنابي بتصريحات خطيرة وسلبية جدا إلى جريدة "القدس العربي" الممولة من قطر، حاول عبرها القفز على مسؤولية تركيا وإيران في الأزمة المائية التي يواجهها العراق منذ عدة عقود، والتي تفاقمت في الأشهر الأخيرة وبلغت درجة جفاف أنهار وبحيرات كنهر المجر الكبير المتفرع من دجلة وبحيرة حمرين في محافظة ديالى. ففي معرض حديثه عن أسباب الأزمة ذكر الوزير الأسباب التالية، قافزا على مسؤولية تركيا المباشرة فيها، بعد إقامتها شبكة ضخمة من السدود بلغت (في نهاية عام 2006، (759) سداً، منها (208) سد كبير، وبطاقة خزنية (651) كم3/ من كتاب الموازنة المائية في العراق –فؤاد قاسم الأمير) كان هذا قبل إنشاء سد أليسو العملاق على دجلة. الجنابي عدد أسباب الشحة المائية فقال إنها تشمل:

*زيادة السكان .

*زيادة الطلب على المياه.

*تغير المناخ وتأثيراته.

* ارتفاع درجات الحرارة التي سجلت في الآونة الأخيرة في العراق والمنطقة درجاتٍ قياسية.

ولم يذكر الوزير شيئا عن شبكات السدود التركية والمشاريع المائية الإيرانية إلا بشكل غامض وغير مباشر حين قال إن زيادة الطلب الداخلية على المياه يقابله (تزايد طلب دول الحوض المائي المشتركة أي تركيا وإيران وسوريا).

ومع ذلك وخلال كلامه، لم ينكر الوزير ان (إيرادات العراق المائية من نهر الفرات انخفضت بحدود 50٪، ومن نهر دجلة ـ قبل إنشاء سد إليسو، كانت الإيرادات من تركيا في تناقص، وبعد تشغيل السد أو إملائه، فنتوقع إن يكون نقص الإيرادات بحدود 50٪ أيضاً) فهل حدث كل هذا الانخفاض في عائدات العراق المائية بسبب ارتفاع درجات الحرارة والاستعمال الداخلي؟

الأخطر من كل هذا هو أن الوزير رفض بصراحة التوجه لتدويل المشكلة وتقديم شكوى إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية بشكل مطلق، وجاء في التقرير الصحافي الذي نشرته "القدس العربي" مع اللقاء ما يأتي : ( ونفى الجنابي كذلك، وجود أي سلطة لدى المجتمع الدولي بشأن ملف المياه، باستثناء ما وصفها «السلطة الأخلاقية»، ومدى رغبة الدولة في الالتزام بالقانون الدولي، مؤكداً «لا تمتلك الأمم المتحدة جيوشاً من شأنها إجبار العراق أو تركا أو إيران أو سوريا أو أي دولة أخرى، على قانون أو اتفاقية معينة (…) نحن لا نريد أيضا الذهاب بهذا الاتجاه، ولا نزال نراهن على تطور العلاقة الثنائية وقدرتنا على التعاطي مع هذه المشكلة مع جيراننا بصورة ثنائية أو ثلاثة أو رباعية).

إن الجنابي يرفض اللجوء الى الحل الدولي لأن تركيا وإيران لا تعترفان (ببعض الاتفاقيات الدولية، مثل الاتفاقية الدولية لقانون استخدام مجاري الأنهار في الأغراض غير الملاحية. تركيا ترفض تماماً هذه الاتفاقية، كما إيران، غير إن العراق وسوريا هم أعضاء في هذه الاتفاقية، مشيراً إلى إنه (وفقاً لذلك تم غلق باب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ويبقى باب العلاقات الثنائية المشتركة فقط مفتوحاً أمامنا). ولكن مَن أغلق باب الأمم المتحدة؟ هل هو الجنابي أم تركيا أم الأمم المتحدة نفسها؟ لا جواب طبعا! فلا أحد يمكنه رفض اتفاقية قانونية، والاتفاقية المذكورة والمقررة والمصادق عليها سنة 2014، اسمها الرسمي " الاتفاقية القانون "، لأن بعض الدول ترفضها أو تتحفظ عليها وإلا لكان من حق أية دولة أن ترفض ما تشاء من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لأنها ترفضها أو لا ترى فيها مصلحة داخلية لها كدولة، وهذا امر لا يصدق ان يصدر من وزير متخصص في شؤون المياه كما قيل. ثم هل جرَّب العراق - لنترك سوريا فهي في حالة حرب طاحنة- اللجوء لباب الأمم المتحدة وفشل؟ هل تقدم العراق بشكوى إلى مجلس الأمن ورُفِضَت الشكوى؟ هل هدد العراق مجرد تهديد بذلك؟ هل حاول العراق تقديم شكوى من طرف واحد أو طلب استشارة لمحكمة العدل الدولية التي يبيح قانونها الداخلي تقديم هذا النوع من الطلبات وفق ما يسمى" التخصص الاستشاري" في نظامها الداخلي والتي يمكن ان تعقد جلسة سرية لهذا الغرض وتصدر قرارا أو حكما يعتمده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟

وأخيرا، هل يعلم الوزير الجنابي بكل هذه التفاصيل أم أنه يجهلها ولا يعرف سوى تكرار لازمة "تم غلق باب الأمم المتحدة لأن الأمم المتحدة ليس لديها جيوش"؟

كما ورد في التقرير أيضا (نفى الجنابي كذلك، وجود أي سلطة لدى المجتمع الدولي بشأن ملف المياه، باستثناء ما وصفها «السلطة الأخلاقية»، ومدى رغبة الدولة في الالتزام بالقانون الدولي، مؤكداً «لا تمتلك الأمم المتحدة جوشاً من شأنها إجبار العراق أو تركا أو إيران أو سوريا أو أي دولة أخرى، على قانون أو اتفاقية معينة) هل هذا كلام يصدر عن وزير يحمل شهادة مهمة في اختصاصه؟) هل هذا الكلام معقول ويصح صدوره من وزير في ظروف أزمة في اختصاص وزارته قبل غيرها؟ هل يجهل الجنابي سلطات الأمم المتحدة والتي تصل الى فرض الحصار السياسي والاقتصادي على دول المعتدية والمارقة وفرض عقوبات مختلفة على الدول الخارجة على القانون الدولي؟ هل نسي الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي لا يزال العراق يعاني منه؟ هل نسي صلاصحيات المحاكم الدولية التي حاكمت وتلاحق رؤساء دول، ربما لن يكون آخرهم الرئيس السوداني حسن البشير؟ هل يعرف تطبيقات نظام محكمة العدل الدولية ضمن ما يسمى " الاختصاص الاستشاري" والذي يصل الى عقد جلسة سرية وصدور قرار عن الأمم المتحدة يسمى "قرار إزالة الضر"؟

وحتى على افتراض صحة ما يقوله الجنابي للجريدة القطرية (وقطر هي اليوم الحليف الوحيد لتركيا بالمناسبة) على افتراض صحة قوله (إن للأمم المتحدة سلطة أخلاقية فقط) وهو كلام غير صحيح بالمطلق ولكن لنفترض انه صحيح فلماذا لا يجرب العراق طرق باب التدويل للحصول على قرار " أخلاقي" يساعده في دفاعه عن حقوقه في مياه أنهاره وفي مفاوضاته الثنائية مع تركيا؟ أم أن الأمر لا يتعلق بمفاوضات ثنائية بل بطريقة خاصة يعرفها الشحاذون البائسون وفاقدو الإرادة في الدفاع عن حقوق شعوبهم؟

لماذا أغلق الجنابي الباب بهذا الحماس، وراح يكيل المديح لتركيا لأنها أجلت ملء خزانات سد أليسو لمدة شهرين بقوله إن (الموقف التركي كان إيجابياً، وموضع تقدير بالنسبة للعراق، لكن نحن بحاجة إلى مناقشات إضافية ...)؟

أبهذه الطريقة يدافع الجنابي وحكومته برئاسة العبادي عن حقوق العراق المائية ووجود العراق الجغرافي والحضاري وينقذ العراقيين مما سماه هو في مناسبة أخرى " شحة المياه القاتلة" والتي ستتفاقم رويدا رويدا حتى زوال النهرين سنة 2040 كما توقعت منظمة اليونسيف قبل عدة سنوات؟

بصراحة شديدة ومؤلمة، فإن كلام الوزير حسن الجنابي في لقائه مع جريدة القدس العربي يمكن اعتباره رسالة ذليلة ومباشرة إلى تركيا مفادها أن العراق قرر إغلاق باب تدويل مأساة الرافدين عبر الأمم المتحدة وأنه ترك هذا الموضوع ليكون تحت رحمة وشفقة وإحسان أردوغان وتركيا الأطلسية ولوساطات السفارة الأميركية ببغداد والتي أعلنت قبل أيام على لسان لاري ميموت في مؤتمر صحافي ببغداد أنها تفاوض تركيا حول هذا الملف تحديدا!

وأخيرا، فالسؤال الأهم هو: لماذا أطلق الوزير الجنابي تصريحاته الخطيرة هذه، في هذا الوقت بالذات، وعبر جريدة "القدس العربي" الصديقة لتركيا لا غيرها؟ أعتقد، وهذا رأي شخصي تؤيده الوقائع على الأرض، أن الحكومة التركية بدأت تشعر بالقلق من تصاعد المطالبات العراقية بتدويل المشكلة، تلك المطالبات التي عبرت عنها كتل نيابية في مقدمتها كتلة "صادقون"، وعدد متزايد من النواب العراقيين المستقلين، ومدونون عراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الرقمية، وكل هذه النشاطات مرصودة قطعا من قبل السفارة التركية ببغداد وتصل أخبارها أولا بأول الى أنقرة. هذا القلق التركي ربما جرى التعبير عنه لحكومة العبادي عبر الطرف الأميركي الذي يتولى التفاوض مع تركيا حول الرافدين ما دعا الحكومة إلى إرسال رسالة تطمينات على لسان الوزير الجنابي من ان العراق لن يلجأ إلى التدويل ولن يطرق باب الأمم المتحدة بل هو أغلقه علنا الآن!

إذا صح هذا الترجيح فإن الجنابي وحكومته تتحمل مسؤولية فادحة وكبيرة عن التفريط بهذا السلاح المهم وشبه الوحيد بيد العراق، وسيكون الجنابي شخصيا قد وضع على منصبه وشخصه علامة استفهام هائلة وبحجم خطيئته هذه، والتي سيكشف المستقبل القريب عن كونها كارثة حقيقية!

*رابط لقاء جريدة "القدس العربي" القطرية مع الوزير حسن الجنابي:

http://www.alquds.co.uk/?p=883429

*رابط مقالة حول محكمة العدل الدولية وإمكانية مقاضاة تركيا فيها بموجب الاختصاص الاستشاري:

http://www.albadeeliraq.com/node/999

#بلاد_الرافدين_بلارافدين_جريمة