"دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي: فكر عنصري فج ومقدمات لاعلمية

حسن العلوي يجلس نديما للطاغية صدام حسين

علاء اللامي

"دماء على نهر الكرخا" لحسن العلوي: فكر عنصري فج ومقدمات لاعلمية /1-9

وصف بعض الكتاب والساسة العراقيون السيد حسن العلوي بكونه مستشارا سابقا و مسؤولا مقربا من الرئيس المعدوم صدام حسين، كما اعتبروه  حائزا لمواهب جيدة في الكتابة والتحليل السياسيين،  وقد  خالفهم آخرون واعتبروه مجرد عنصر بعثي عادي في أسفل الهرم التنظيمي، عُرِف بكونه متملقا ونهاز فرص  وكاتبا ساذجا من أولئك الذين يعتمدون طريقة الحكواتي الشعبي وجمع المرويات من أفواه الذوات والوجهاء في السياسة والمجتمع بشكل مباشر وأحيانا غير مباشر في كشكول ظريف المحتوى، ولكن ما يكتبه صاحبنا ويرويه يبقى عرضة للتشكيك والتكذيب غالبا.

أما حسن العلوي نفسه فينظر إلى شخصه ومنجزه المكتوب نظرة تقطر نرجسية وذاتية ففي لقاء مع محطة تلفزيونية محلية ممولة و مسيسة أميركيا هي "الحرة" أجراه علي عبد الأمير عجام  يصف العلوي نفسه بأنه ( ابن العروبة و أحد مؤسسي المشروع القومي العربي في العراق)"1"، وللدقة، وكما سيشاهد القارئ في تسجيل الفيديو المرفق، فإن حسن كاد يصف نفسه بـ" مؤسس المشروع القومي" ثم تراجع بسرعة وابتلع جملته وقال جملة أخف من ذلك وكأنه أدرك أن أكذوبته  ستكون كبيرة الحجم ولن يستطيع المشاهد ابتلاعها.

 كما أنه طالما وصف نفسه بلقب "شيخ الكتاب العراقيين" وبلقب آخر هو " محمد حسنين هيكل صدام حسين"، و قد قيل الكثير عن محاولاته الحصول على حقيبة وزارة الثقافة ولكنه فشل في ذلك ما أدخله في عداوات ومناكفات وانشقاقات كثيرة مع من عمل معهم في السياسة في السنوات الأخيرة كإياد علاوي وغيره، كان آخرها أنْ انشق على كتلة برلمانية صغيرة أسسها هو نفسه "العراقية البيضاء" وانشق عليها أو  انشقت عليه!

 بعيدا عن مبالغات أصحاب الرأيين السالفين، وعن رأي حسن نفسه بنفسه، يمكن القول، بناء على مقارنة المعلومات المنشورة بهذا الصدد، إنّ الرجل كان من عناصر حزب البعث  منذ الستينات، ولكنه كان مغمورا آنذاك، ولم يسجل له موقف أو ذكر في أحداث مهمة أو مفصلية ولم يرد ذكره في كتابات عراقية في السياسة أو الاجتماع أو الأدب، كما لم تعرف له كتابات لافتة، فرغم أنه ولد سنة 1936 وعاش مراحل مهمة ومفصلية من تاريخ العراق، ولكن أول كتاب ألفه كان قد صدر سنة 1980، هو أقرب إلى الكتيبات الدعائية "البروباغندا الحربية" التي كانت تضخها ماكنة إعلام نظام صدام خلال حربه ضد إيران الخمينية. وكان هذا الكتاب – الذي سيكون موضوعا لهذه الدراسة النقدية التحليلية، قد صدر تحت عنوان "دماء على نهر الكرخا / أربعون قرنا على الصراع العربي الفارسي)، و لكنه لم يصدر باسم حسن العلوي بل باسم شخص آخر هو "حسن السوداني".

  ويخبر حسن العلوي مشاهدي قناة " الحرة " الأميركية سنة 2007 ، مفاخرا بهذا الكتاب، أنه أول من كتب حول " المنهج الصفوي في البحث الفقهي"  سنة 1979، وأنه بعد أن سجن وفصل من حزب البعث في تلك السنة – لا يوجد دليل ملموس و أكيد واحد على أن حسن العلوي سجن في عهد صدام حسين، وهو نفسه قال في موضع آخر إنه وضع تحت الإقامة الجبرية وليس السجن، ربما باستثناء ما كتبه أحد مستشاري المالكي باسم مستعار هو أحمد السمياوي " السماوي؟ " والذي اتهمه بالعمل لصالح المخابرات العراقية إذ كتب (...وفي السجن تبرّع حسن العلوي، بتأليف كتاب أسماه (دماء على نهر الكرخة)، شتم فيه التشيّع والشيعة وإيران. فقرر فاضل براك مدير الأمن العام آنذاك، أن يرسل حسن العلوي ليصدر صحيفة في الخارج، وزوده بمليون دولار. ولكن حسن العلوي أخذ المليون وهرب إلى أسبانيا، حيث اختفى هناك. ولكنه فوجئ بتلفون شقته يرن، وإذا بفاضل براك يعاتبه بود ورقة. فأدرك حسن العلوي أن الأمن العراقي قد استدل عليه، فهرب إلى سوريا..) "2" وهذه الرواية تدخل في باب التشاتم والهجاء المتبادل بين السياسيين ولا يمكن الركون إليها تماما لأنها غير مدعمة بدليل ملموس ومؤكد. كما لا يوجد دليل واحد على أن نظام صدام أعدم عددا من أقارب حسن، أما إذا كان المقصود بـ"أقاربه الذين أعدمهم صدام" ابن خاله أو خالته  عدنان حسين الحمداني فحسن نفسه تبرأ من قريبه هذا بعد انكشاف مؤامرته ضد صدام وإعدامه مع عشرين قيادياً بعثياً حين وجه – حسن - إلى صدام حسين من لندن برقيته المشهورة التي قال فيها (انتصاركم على المؤامرة الخيانية الغادرة للأمة العربية وقضاياها ومستقبلها المشرق .. الخ). .مجلة ألف باء، العدد 567، 8 آب 1979).

 ولدينا رواية أخرى عن قصة اعتقال وسجن العلوي وهي أكثر دقة وأقرب إلى التصديق رغم أنها لا تقدم دليلا ملموسا وأكيدا هي الأخرى رواها لنا صحافي وكاتب عراقي عاصر تلك الأحداث ولم نستأذنه بذكر اسمه وتربط هذه الرواية بين اعتقال المذكور لفترة حين ( عاد – حسن العلوي - من لندن ليطلق زوجته التي هي شقيقة عدنان الحمداني تقربا من صدام إلا أن الأخير انزعج من ذلك واعتبر طلاق العلوي نوعا من الاحتيال أو لنقل الضحك على الذقون فأمر بإقالته من رئاسة تحرير مجلة  "ألف باء" واعتقاله، و بعد فترة قصيرة كتب العلوي رسالة الى صدام يستعطفه فيها ويرجوه اطلاق سراحه فأمر صدام بإطلاق سراحه وقابله ومنحه مبلغا ماليا، كما وافق على طلبه بمنحه جواز سفر والسماح له ببيع بيته وتحويل ثمنه الى الخارج / رسالة شخصية من إعلامي عراقي) وقد صدر كتاب " دماء على نهر كرخا" باسم شخص آخر سلف ذكره، غير أن الطبعة التي بحوزتنا هي طبعة سنة 1980 وتحمل اسم "دارة الحضارة – ببيروت" و اسم المؤلف عليها هو حسن العلوي وليس شخصا آخر، فهل يعني ذلك أن نظام صدام كان قد طبع الكتاب سنة 1979 أي قبل الحرب مع إيران بأقل من عام في حين يذكر الكاتب في مقدمة الكتاب أنه يشاهد ( الآن مدفعا عراقيا يواجه مدفعا فارسيا. وهو نفسه استمرار لصراع حضاري ملتهب بين الآرية والسامية ، ثم بين الأعجمية والعروبية..ص 8) وهذا يعني أنه كان يؤلف الكتاب خلال فترة حرب الثماني سنوات بين النظامين في العراق وإيران، فأين الحقيقة ولماذا هذا الخلط؟

أضيفُ إلى ما سبق، أن زميلي الكاتب نصير المهدي الذي تكرَّم عليَّ بنسخة مصورة بجهاز التصوير الضوئي"سكنر" من كتاب "دماء على نهر الكرخة" كتب لي التوضيح التالي عنها (النسخة الموجودة عندي، وهي مصورة، وليست أصلية، غلافها ليس هو الغلاف الأصلي للكتاب وقد خط عليها بالحبر اسم الكتاب واسم حسن العلوي. أما صفحة العنوان الداخلية فالاسم الأصلي قد أخفي بالحبر الأبيض وكُتِبَ فوقه "حسن العلوي" ولهذا أميل الى أن الاسم الأصلي هو "حسن السوداني" وليس حسن العلوي أي لا توجد نسخة أو طبعة أخرى من الكتاب باسم الأخير.) وبالعودة إلى صفحة " إصدارات الكاتب" في كتاب حسن " أسوار الطين" الصادر عن دار الكنوز الأدبية  ببيروت سنة 1995 نعلم أن الكاتب وضع كتابه موضوع قراءتنا هذه في رأس قائمة كتبه الصادرة سنة 1979، وأن الكتاب معد لطبعة ثانية يبدو انها لم تصدر حتى الآن، أما مؤلف الكتاب الحقيقي فهو حسن العلوي دون أدنى ريب ويمكن التدليل على ذلك بدراسة نقدية أسلوبية ومفرداتية للغة ومضامين الكتاب مقارنة بكتبه الأخرى وهذا أمر لا يدخل ضمن اهتمامات هذه الدراسة حاليا سيما وأن المؤلف اعترف بعائدية الكتاب له في أكثر من مناسبة ولم يشكك أحد بذلك حتى الآن.

 مقارنة بما تقدم من آراء، يمكن النظر بارتياح لما كتبه الإعلامي العراقي عبد اللطيف السعدون وهو من جيل السبعينات  بخصوص حسن العلوي واعتباره الأقرب إلى الواقع،  سيما وأنه يقدم وجهة نظر محايدة لشاهد عيان. كتب السيد السعدون في تعقيب نشره على صفحة كاتب هذه السطور على موقع للتواصل الاجتماعي ما حرفه ( أريد أن أصحح معلومة ترددت في أكثر من مكان وهي أن النائب حسن العلوي كان مستشارا للرئيس الراحل صدام حسين والحقيقة أنه لم يكن كذلك في يوم من الأيام ولكنه نسب لنفسه هذا الموقع و( تَوَنَسَ ) عليه وكان دليله على ذلك الصورة المنشورة له مع صدام عندما رافقه كصحفي في جولته في الأهوار، ومعروف لدي شخصيا ولدى الكثيرين أيضا أن العلوي كان يكتب في مجلة ( ألف باء ) حتى أصبح رئيساً لتحريرها وقد صادف أن طلبت الرئاسة من دار الجماهير، التي كان يرأس مجلس ادارتها الصحفي الراحل سعد قاسم حمودي ترشيح صحفي لمرافقة صدام، نائب الرئيس آنذاك، في زيارة الأهوار وقد رشح حمودي للمهمة حسن العلوي الذي كتب سلسة تحقيقات عن الزيارة في المجلة نالت استحسان النائب الذي أمر له بمكافأة مالية عالية وببطاقتي سفر الى الخارج. وقد استثمر العلوي ذلك كله فيما بعد. ومن جملة ادعاءات العلوي أيضا، أنه كان مستشارا للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كما زعم أنه نقل الى أمير الكويت الراحل نية صدام بغزو الكويت قبل حدوثه! وهذا أمر لا يمكن تصديقه اذ أن تخطيط صدام حسين لغزو الكويت لم يكن معروفا حتى لكثير من المسؤولين آنذاك!) انتهت شهادة الزميل السعدون، وبها ننهي الحديث عن موقع وماضي حسن العلوي فليس همنا جعل شخصه وشخصيته  بؤرة وموضوع هذه الدراسة بمقدار ما أردنا أن نقدم إضاءة صغيرة حول شخصية مؤلف الكتاب الذي سنقدم هذه القراءة النقدية التحليلة له، عنينا، كتاب حسن العلوي والموسوم "دماء على نهر الكرخا / أربعون قرنا على الصراع العربي الفارسي" .وبما أن المؤلف نسي أن يعرف بهذا النهر الذي أورده في عنوان كتابه فينبغي لنا أن نتولى المهمة ونقول إن الكرخا أو " الكرخة" نهر طوله 900 كلم ينبع من جبال زاجاروس شمال إيران وينحدر جنوبا نحو إقليم عربستان الذي سميه الإيرانيون "خوزستان" أي "البلاد المختلطة" بهدف طمس عروبة شعب المنطقة، ويصب نهر الكرخة في هور " الحويزة العراقي بمحافظة  ميسان.وقد اعتبر المؤلف هذا النهر حدّا طبيعيا بين العراق وإيران وقد سالت دماء الجنود العراقيين على ضفافه طوال 40 قرنا لصد الغزاة الإيرانيين والدفاع عن العراق كما عبر  في كتابه هذا.

لنبدأ من عنوان الكتاب، والذي يفهم منه القارئ مباشرة أن صراعا  دار بين العرب والفرس و صار عمره اليوم أربعين قرنا، وهو مستمر لم يتوقف. معنى هذا الكلام،  هو أن هذا الصراع قد بدأ قبل ألفي سنة من ميلاد المسيح، واستنباطا، يفهم القارئ أن العرب كانوا موجودين تاريخ ذاك كما هم الان في العراق، وأنهم كانوا في حالة صراع مع الفرس.وهذا محض هراء لا تاريخي و لا علمي. فأول احتكاك أو صدام مسلح معروف بين العرب المناذرة في جنوب العراق وبين الدولة الفارسية التي كان على رأسها كسرى أبرويز حدث في معركة "ذي قار" في العقود الأولى من القرن السابع بعد الميلاد وليس قبله. أما دولة المناذرة العربية فقد أسسها في جنوب العراق العرب اللخميون القادمون من اليمن بعد انهيار سد مأرب في العقد السادس من القرن الثاني بعد الميلاد.

  في الجزء القادم من هذه الدراسة سنستكمل معالجة موضوعة الوجود العربي في العراق وسنناقش دلالات ومرموزات  إهداء حسن العلوي كتابه هذا إلى صدام حسين، نفسيا وسياسيا وتاريخيا، ونحاول تحليل ونقد قضية خلط الكيانية التاريخية بالجغرافية لدى المؤلف... يتبع.

1-تسجيل الفيديو لجزء من لقاء حسن العلوي مع مذيع قناة "الحرة" الأميركية علي عبد الأمير عجام.

http://www.youtube.com/watch?v=yFuau_Dk1W8

2- رابط بمقالة أحمد السمياوي " السماوي ؟"

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=32156

...............................................................................

                    حين يمحو الكاتب ذاته و يعملق دكتاتوره /2-9

قبل هذا التاريخ - العقد السادس من القرن الثاني بعد الميلاد-  لم يُسَجل أي دليل آركيولوجي" آثاري" أو إنثروبولوجي " إناسي" حاسم على وجود كثيف  متميز و راسخ للعرب في العراق، رغم ورود ذكرهم في وثائق أقدم من هذا التاريخ وتعود للعصر الآشوري. ولكن تلك الإشارات في النصوص الملكية الآشورية كانت حول العرب " العاريبو" في ما ندعوها اليوم "الجزيرة العربية" أو " العربيا" كما كان يسميها الجغرافيون الإغريق والرومان قديما، وكانت جيوش الدولة الآشورية تصطدم بهم خلال غاراتها وغزواتها في الصحراء الشاسعة. كما يمكن التذكير بوجود محدود للعرب المسيحيين في مناطق الأنبار والحيرة كانت جيوش الفتح العربي الإسلامي قد التقت بهم وصالحهم قادته ومنهم خالد بن الوليد الذي صالح صلوبا بن نسطونا – كما يخبرنا الطبري في تاريخه الشهير ص570 مج 2 أحداث 12هـ على بلدتيْ "بانقيا" و "بسما" وضمن له ما عليها وعلى أرضها من شاطئ الفرات جميعاً على شروط معروفة في اتفاقية سلام مدونة تطرقنا لبعضها في الجزء الثامن من دراستنا "خرافة العنف الدموي في العراق في ضوء العلوم الحديثة / في عشرة أجزاء نشرت في الحوار المتمدن 14/1/2003" والدراسة منشورة بنصها الكامل والأصلي في كتابي " كتابات ضد التيار" والصادر عن دار الكنوز الأدبية/ بيروت -لبنان/ سنة 2001 .

إن المعلومات العامة وغير التخصصية والتي لا تخلط بين العرب كما نعرفهم اليوم والأقوام السامية التي سبقتهم في الوجود في العراق القديم لا يجهلها حتى شخص عادي متواضع الثقافة فكيف بآخر يعتبر نفسه كاتبا نحريرا بل "شيخ الكتاب" في العراق!  ولكن حسن  يحاول، و بدءاً من العنوان، أن يعطي لنظرته وتناوله  لموضوعه عمقا تاريخيا يُعينه، في ما بعد، على تكبير وتثقيل ما سيقدمه من أفكار و وقائع لهدف محدد سنتوقف عنده تفصيلا.

ننتقل الآن من عنوان كتاب حسن العلوي " دماء على نهر الكرخة"، إلى  إهداء الكتاب من حسن إلى صدام والذي نصه ( ملوك بابل لا يكذبون إذا انتصروا كتبوا على المسلة خبر الانتصار. وإذا خسروا كتبوا على المسلة خبر الإخفاق. وزعيم بابل المعاصرة من ذلك النمط الحضاري الذي عرفه العالم في مسلات الملك الصادق "سرجون الأكدي" والمحرر الأول "أوتوحيكال" والمشرع العظيم "حامورابي". في هذه اللحظات يسجل المؤرخون على الآجر مسلة صدام حسين. وهذا الجهد مقدمة لهذه المسلة. وإليه يرجع العمل الصالح ويرفع الجهد المتواضع ).

ينوء النص القصير لهذا الإهداء بالعديد من الدلالات والمرموزات التي لا يمكن أن تكون في مصلحة المؤلف المُهدي، فهو يبدو ممحوا تماما أمام شخص المهدى إليه رغم أنه خاطبه مجردا من ألقابه الحزبية والحكومية ويمكن تفسير ذلك التجريد في ضوء كشوفات علم النفس الحديث بكونه أقصى درجات الانمحاء الطوعي للذات الوضيعة أمام "العملاق" أو ما تتصور أنه عملاق، فيكفي أن يقال اسمه، مجردا من أي ألقاب أو صفات، ليتكرس كعملاق، لا بل قد يكتفي المُهدي بذكر الحرفين الأولين من اسمه ليبقى كما هو في عمق الذات الدونية عملاقا لا يُدانى. ويبلغ انمحاء حسن قاعه حين يختم  إهدائه بعبارة تقول (وإليه يرجع العمل الصالح ويرفع الجهد المتواضع )، وهي عبارة صيغت على منوال الآية القرآنية التي تقول (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ/ سورة فاطر آية 10) أليس من حق القارئ أن يتساءل هنا : على من يعود الضمير الغائب في عبارة "إليه يصعد"، أ على الله تعالى أم على صدام أم أنّ هناك احتمالا ثالثا؟

أما  المحمول المضموني المعلوماتي الذي يحاول حسن تقديمه في نص إهدائه، فهو بكل بساطة هراء لا علمي ليس إلا. فهو حين يربط بين "العربي العراقي"  صدام حسين، وبين " العرب العراقيين" من ملوك بلاد الرافدين القدماء كأوتوحيكال السومري ملك أوروك ( ضمن إمبراطورية سلالة أور الثالثة 2004 – 2112 ق م)، وحامورابي حاكم بابل الأكدي، 1728-1686 ق. م، وسرجون " شرَّو كين = الملك الأسد"، والذي حكم بابل  2334 حتى 2279 ق .م، يعبث بالتاريخ والجغرافية و الإناسة "الانثربولوجيا" و جميع العلوم التخصصية المعروفة لتحقيق هدفه الصغير في زيادة عملقة ممدوحه "صدام حسين" لا غير، وهو حين يسطر هذا الكلام اللاعلمي فهو لا يختط طريقا جديدا بل يسير على هدى خط عنصري شبَّ وشاب عليه هو خط العنصرية التي هيمنت على فكر البعث ضمن مساعي تعريب كل شيء ولم يسلم من هذا القسر وفرض العروبة بقوة الدولة الدكتاتورية على الناس قائد مسلم كبير وشهير ذو أصول كردية اعترف بها المؤرخون العرب القدماء صلاح الدين الأيوبي، بل أن سلطة البعث عرّبت أقواما قديمة كالكلدان والآشوريين والشبك والصابئة المندائيين وغيرهم وأجبرتهم على اعتبار أنفسهم عربا في الوثائق الثبوتية الرسمية.

 إن  حسن بفعلته هذه يهين العلوم طُرا، لتحقيق أهداف أيديولوجية مريبة  وشاحبة، ولكنه ، رغم ذلك، يعتمد نبرة الشخص  المتعالم وطريقة المحلل الرصين في الكتابة مع أن هذه المقارنات والتأكيدات التي يوردها مضحكة للإنسان العادي قبل أن تكون مضحكة لغيره من متخصصين. هنا، أجدني مضطرا إلى استعادة ما كتبته قبل عدة سنوات، سنة 2001 تحديدا،  في دراسة نقدية حول هذا المفصل ذاته" الكيانية الجغرافية والأخرى التاريخية الحضارية" ، حللت فيها نقديا كتابا بعنوان "تاريخ العنف الدموي في العراق" لمؤلفه باقر ياسين، وأشرت إلى تلك الدراسة في الجزء الأول من هذه، وسأعيد اقتباس تلك الفقرات الخاصة بهذا المفصل الخاص بالعلاقة بين العراق العربي التعددي القائم اليوم وبين العراق القديم "وادي الرافدين السومري فالكلداني فالآشوري" تحديدا، كما هي، ولن أغير فيها سوى اسم الكتاب ومؤلفه واسم الرئيس الممدوح : 

( إن ما قد يبدو مضحكاً للإنسان العادي وغير المتخصص بعلم معين هو كذلك فعلاً بالمنظار العلمي. فالعراق ليس اسماً فقط يدل على كيان سياسي وتاريخي قائم و متكرس في هذا اللحظة، إنه أيضاً الكيان الجغرافي المحدد الذي يدل عليه ويحتويه. وفي جدل العلاقات بين الكيان الجغرافي والآخر السياسي والحضاري التاريخ ثمة الكثير مما ينبغي فهمه وإدراكه. إن العراق الحالي (الكيانية السياسية التاريخية التي ندعوها العراق ) هو في الوقت نفسه الإقليم الجغرافي الذي يمتد بين الموصل شمالاً وعبادان جنوباً و هذه هي حدود  أقليم العراق عند الجغرافيين العرب المسلمين ضمن الإمبراطورية العباسية.

أما في العصور القديمة فقد كانت حدود "بلاد الرافدين" الجنوبية تشمل الخليج العربي كله، و الشمالية تمتد إلى هضبة الأناضول وكانت مدينة (قرقميش) التي تقع اليوم  شمال الحدود السورية بعدة كيلومترات وتحت السيادة التركية، كانت هذه المدينة رافدانية ويرد اسمها في الكثير من المدونات والخرائط البابلية. ولكن بلاد وادي الرافدين هذا ليس هو الإمبراطورية الآشورية التي ضمنت بين حدودها في عصر من العصور بلاد الشام ومصر كما إنه ليس الإمبراطورية العباسية مترامية الأطراف بين الأطلسي غرباً وأسوار الصين شرقاً. أما في العصور القديمة التي يصول ويجول في مادتها التاريخية صاحب (دماء على نهر الكرخا) فقد كانت هناك ثلاثة أقاليم جغرافية لثلاث دول. و بعبارة أخرى، ثلاثة كيانات سياسية على ثلاثة أقاليم جغرافية وهي سومر جنوباً وبابل في الوسط وآشور شمالاً، ضمن وحدة جغرافية وإناسية "انثروبوجية" واحدة هي منطقة وادي الرافدين بحدودها الهلامية المعروفة ومكوناتها غير المندمجة تماما عهد ذاك. وقد تمكنت الكيانية الثانية وكذلك الثالثة من الامتداد على عموم ما نسميه وادي الرافدين في فترات تاريخية معينة، ونتج عن هذا الامتداد أو التوحيد كيان سياسي تاريخي واحد ذو سمات امبراطورية. ثم كفَّت بلاد الرافدين  عن الفعل التاريخي المستقل وأمست إقليماً محتلاً من قبل الفرس الساسانيين حتى حروب الفتح والتحرير العربية الإسلامية فعادت إلى دورها في الفعل والعطاء الحضاري بعد أقل من قرن مليء بالاضطرابات هو عمر الدولة الأموية والتي كان العراق في عهدها مجرد إقليم محتل لا يكاد جيش أموي مكلف بضبطه يغادره إلا ليعود إليه من جديد حتى تم تدمير الدولة الأموية وبضربة جاءت تحديداً من العراق المتحالف مع خراسان تحت راية العباسيين. إن ما نقدمه هنا ليس إلا مفاتيح أولية نحاول من خلالها تبسيط جدلية الكيانيات لكي نفهم وعلى نحو أعمق الظاهرة موضوع البحث.

إنّ مؤلف كتاب " دماء على نهر الكرخا " وسيراً على دأبه، لا يقيم أي اعتبار معرفي أو فرق بحثي بين الكيان السياسي التاريخي وبين الآخر الجغرافي "الخام". أكثر من هذا، فهو يعتبر أي تجلٍ تاريخي للكيانية السياسية المحددة بزمنها، يعتبرها أبدا أو سرمدا غير قابل للتحديد والمحايثة، فالعراق في أيام صدام حسين، هو نفسه العراق أيام هارون الرشيد، وهو نفسه أيام حاكم أوروك أوتوحيكال أو أي حاكم صغير في مقاطعة " لكش" قبل عشرات القرون، مع انه يلجأ أحياناً إلى "قصقصة" أو " مط"  الكيانية الجغرافية مع الاحتفاظ بمظهر الكيانية التاريخية مشرعة  على اتساعها ليحصد الكثير من الأمثلة على مبتغاه في تكريس وجود حالة الصراع شبه أسطوري بين العرب والفرس طوال أربعين قرنا!

نعود إلى موضوعة الكيانية ملخصين: إن الكاتب يلغي الدلالات، هذا إذا افترضنا أنه يعلم أصلاً بهذا الموضوع ويعرف معنى هذه المفردة، تارة، ويخلط في أخرى بين الكيان السياسي التاريخي الحاضر وذاك المنتهي تاريخياً ويوحد في ثالثة بينهما، فعراق صدام حسين في نظره هو نفسه بلاد آكاد  وملكها سرجون. ثم أنه يخلط بين الكيان السياسي التاريخي وتعبيره الحقوقي والقانوني (الدولة) وبين الكيان الجغرافي، ولا يميز أو ينتبه لكون الثاني لحظة من تاريخ الثانية؛ فالدولة العباسية هي نفسها بلاد الرافدين عنده، وهي نفسها جمهورية العراق القائمة اليوم. إن الكاتب بخلطه بين التاريخ والجغرافية وبجهله لديالتكتيك العلاقة بينهما يخرب الاثنين معاً ولا يخرج سوى بأوهام صيغت بإنشاء هجائي مقذع للعدو الأبدي (الفارسي المجوسي بعبارات الخطاب القومي العنصري العربي) والذي لا يختلف هنا كثيرا عن عبارات الخطاب العنصري الفارسي المعادي والمحتقر للعرب وكل هذا النثر لا علاقة له بالعلم بل هو يمت بصلة قوية للرائج من أحكام و(نظريات المقاهي والحانات والشائعات الشعبية) المكومة في كشاكيل مضطربة يدعوها أصحابها كتبا ومؤلفات... يتبع

في الجزء القادم، وهو الثالث،  سنستمر بنقد وتحليل محاولات مؤلف كتاب" دماء على نهر الكرخا" لتعريب الأقوام والسلالات الرافدينية القديمة عنوة و"تفريس" الشعوب الأخرى غير الفارسية كالعيلاميين والكوتيين وغيرهم، كما سنتوقف عند نقد الكاتب للمنهج الدراسي العراقي بكلمات حق يريد بها الباطل كما سنحلل موقف الكاتب من تشيع الفرس الإيرانيين وعلاقة الإيرانيين ودولتهم  بالمذهب الجعفري.

.............................................................................                          

                              مزج الجهل بالتلفيق الأيديولوجي/3-9

يبدأ حسن العلوي مقدمة كتابه، وعنوانها يؤكد المضمون الذي توقفنا عنده في جزء سابق من هذه الدراسة ويقول "أربعون قرنا من الصراع"،  يبدأه  بهجوم خبط عشوائي على المنهج الدراسي العراقي الذي لا يجعل الدارسين العراقيين – حسب اعتقاده -  يميزون بين العيلاميين والماذيين الأجانب وبين العراقيين القدماء من بابليين وغيرهم ويقول ما معناه، إن  هذا المنهج يساوي بين هؤلاء على اعتبار أنهم سلالات حكمت العراق، وهذه كذبة مضحكة فلا أحد ممن مرّوا أو تتلمذوا على منهج الدارسي العراقي، والذي لا يستحق الإطراء، باستثناء حسن العلوي ربما، يجهل أن العيلاميين قوم سكنوا شرق العراق القديم الجنوبي وعاصمتهم كانت سوسة  أو "شوش" وأنهم غزوا بلاد الرافدين بقيادة ملكهم ناخونته ودمروا مدنها العامرة الكبيرة و أخذوا معهم ضمن ما أخذوا من منهوبات مسلة حامورابي التي كانت منصوبة في مدينة سبار ومعها مسلة النصر للملك نرام سين وقد عثرت بعثة آثارية فرنسية  في سوسة على المسلة الأولى ونقلتها إلى متحف اللوفر في باريس حيث ما تزال معروضة هناك إلى يومنا هذا و لم تجرؤ أي سلطة عراقية على طلب استعادتها من الفرنسيين.

و بالمناسبة، فحسن العلوي "يفرس" العيلاميين رغم أنف العلم والتاريخ لأنه يجهل تماما أنهم ليسوا فُرسا، ولا علاقة لهم بالفُرس من قريب أو بعيد كما يقول علماء الإناسة والسلالات، بل هم شعب مختلف و منعزل ولغتهم مستقلة ومختلفة تماما عن الفارسية، أما المؤلف الذي هاجم طويلا الطائفيين من السنة ( خصوصا في كتابة "الشيعة والدولة القومية" وأبتكر كلمة " أيرنة " ) لأنهم أيرنوا الشيعة العرب العراقيين ( أي جعلوهم إيرانيين وعجما على سبيل التشنيع والإقصاء القومي) فهو لا يتردد هنا عن "أيرنة" العيلاميين فهو يعتبرهم "من الشعوب الإيرانية /ص 16"، رغم أن مفردة" إيران و إيرانية" مفردة حديثة لها معنى مختلف ومشتق من "العنصر الآري والآريين"، ولا علاقة لها بثقافات الشعوب القديمة بل هي نتاج العصر الحديث كاصطلاح سياسي وجغرافي مع أن جذرها الرسي "العنصري" يعود لغابر العصور.

  أما الحوثيون  أو "الجوتيون / الكوتيون" فهم ليسوا فرسا أيضا، بل هم أقوام الجبال القساة شمالا، وتحديدا جبال زاجاروس، ويعتبرهم  بعض علماء الإناسة والسلالات أسلافا للميديين.  الفُرس إذن هم امتداد لقبيلة آرية أخرى مختلفة تدعى "بارسيس" ومنها جاءت كلمة فُرس وبلاد فارس وسط إيران الحالية حتى أصفهان شمالا، أما  بلاد ميديا بقبائلها الست فتقع إلى الشمال الغربي أي في ما يشكل اليوم كردستان شمالي العراق وجنوب تركيا وصولا إلى إذربيجان شرقا، و الحوثيون  يُعتبرون وفق المنهج الدراسي العراقي  غزاة أجانب أيضاً، ويمتد عصر احتلالهم للعراق من 2180 إلى 2060 ق م. وكان غزوهم لوادي الرافدين و حكمهم له كارثة على البلاد آنذاك حيث خربوا وحطموا كل الانجازات الراقية التي قدمتها الدول الأقدم وآخرها الأسرة الأكدية الأولى  التي أسسها سرجون الأول، ولكن حسن يجزم كعادته و بكل راحة واطمئنان بال  على  ص 15 من كتابه أن الكوتيين هم الفرس الذين احتلوا العراق وطردهم سرجون الأكدي!

 أن المنهج الدراسي العراقي المعاصر، ورغم عيوبه الكثيرة، يفصل ويفرق بشكل واضح بين الدول السومرية والسامية كالكلدانية الأكدية والآشورية والعمورية والآشورية التي تتالت على أرض وادي الرافدين وبين عصور الانحطاط والاحتلال الأجنبي كالعصور الكوتية والعيلامية والأغريقية والساسانية، ولكن حسن حاول أن "يلفق"  مبررا أسلوبيا ليبدأ كتابه بداية حماسية وذات رنين معين يعجب سيده المهدى إليه فلم يجد غير هذه الأكذوبة لينطلق منها.

 بعد ذلك، ينتقل المؤلف من هذا "الجهل العراقي" إلى جهل آخر هو عدم معرفة العراقي بما يدعوه (حقيقة البويهيين والصفويين و حقيقة تشيعهم)  فهو يعتبر هؤلاء فُرسا وليسوا متشيعين حقيقيين وصادقين، وقد استغلوا التشيع لخدمة دولهم وليس لخدمة التشيع كما يقول. والواقع فأن يكون الفرس فرسا والعرب عربا لا ضير فيه أو مثلبة، وأن "يستغل" العرب الإسلام إعلاء شأنهم كأمة مؤمنة بهذا الدين فيخدمونه ويضحون من أجله  خدمة لمصالحهم القومية وينشرونه بين الأطلسي وحدود الصين أو أن يستغل الفرس التشيع هي أمور وظواهر تاريخية ينبغي دراستها بدقة وعمق لا اعتبارها مثلبة ونقيصة.

والواقع فقد خضع الموقف من إيران ونظامها وعلاقتها بالعراق ودولته إلى تجاذبات متباعدة ولا تاريخية لكونها مفعمة بالأيديولوجيا من جهة وبالانحيازات الطائفية والقومية المسبقة. فبعض الساسة العراقيين يدافعون عن إيران ودولتها على حساب بلادهم وشعبهم ويبررون تدخلاتها الفظة  في الشأن العراقي لدرجة أنهم أصبحوا امتدادا عضويا لذلك النظام أما الآخرون من الجهة الطائفية المقابلة فهم يعادون إيران ودولتها وشعبها عداء حادا لا يخلو بدوره من العنصرية والطائفية لدرجة يمكن تشبيهه بـ "الإيران فوبيا"؛ فهم ضد إيران على طول الخط حتى إذا حاربت عدوهم القومي الأول "إسرائيل" وانتصرت عليها أو ساهمت في الانتصار عليها، والعلاقة الوحيدة التي ينبغي أن تسود معها هي الحرب والعداء والمقاطعة وهذا ما نجد آلاف الشواهد عليه في المشهد السياسي العراقي الحالي والماضي.

 أما الموقف الذي نعتقد بصحته وملائمته لروح العصر الذي نعيش فيه و لمصالح الشعبين العراقي والإيراني  والذي نعتقد بصواب الأخذ به في التعامل مع جميع دول الجوار والإقليم باستثناء دولة العدو الصهيوني "إسرائيل" فينبغي أن يقوم على تأسيس علاقات بناءة ومثمرة وإنسانية وندية مع دول الجوار تستند إلى الإرث الحضاري والثقافي الإسلامي المشترك وترفض التدخل في الشؤون الداخلية من أي بلد في شؤون البلد الآخر.

 إن العراق هو مهد وموئل الساميين الأوائل، وهو البلد العربي الوحيد الذي يحادد جغرافيا عدة أمم شرقية فعالة في تاريخ المنطقة كالأتراك والفرس والأكراد والإذريين والأرمن وغيرهم، و له حدود مشتركة مع إيران طولها 1458 كلم وهذه الحدود يمكن أن تكون عامل نماء وتطور للبلدين والشعبين إذا تم تغليب العلاقات البناءة الودية والندية بين البلدين، مثلما يمكن أن تكون كارثة و تهديدا مستمرا للعراق وغيره يمنع أية عملية بناء وتطوير وإعمار له إذا استمعنا لصياح أتباع إيران التقليديين الداعين إلى التبعية أو لخصومهم المصابين بالإيران فوبيا الداعين إلى الحرب والخراب، وهذا ما ينطبق أيضا على العلاقات مع تركيا ومع الدول الأخرى المجاورة للعراق.إن العلاقات التي ندعو إليها ليست حلا وسطا بين متطرفين من الجهتين بل رفض عميق لمنطقهما العدواني العنصري أو التابع الخانع "للجار الكبير" وتقديم بديل بناء متسق مع طبيعة العصر ومصلحة شعوب المنطقة المنتمية لدائرة حضارية وثقافية واحدة.

  ونعود لموضوعنا لنتابع المقارنة التي يقوم بها حسن العلوي بين من كتبوا عن الدولة العثمانية مستنكرين تراثها فيحكم عليهم بأنهم أصحاب دعوى "انحياز؟" شيعية صفوية أو بويهية ويذكر بعض أسمائهم كمحمد جواد مغنية، و بين من يكتبون عن الدولة الصفوية واحتلالها في العراق مستنكرين تراثها فيحكم عليهم بأنهم أصحاب دعوى عثمانية ويذكر أمثلة عليهم كمحمد فريد،  ليفسح لنفسه وكتابه هو مكاناً خاصاً وسطاً، طاهراً مطهرا، وتلك عادة متبعة في كتابات المتأدلجين الحزبيين من اليسار الماركسي أو اليمين القومي فهم غالبا ما يهاجمون من يصفونهم بمتطرفي اليسار ثم متطرفي اليمن ليستقلوا هم بموقف الوسط الموضوعي الذي يذكرنا بعبارة السلفيين المعاصرين من دعاة "الفرقة الناجية" من النار بين جميع الفرق الأخرى! ورغم إننا لسنا في وارد الدفاع عن تلك الكتب التي ذكرها صاحب " دماء على نهر الكرخا" والتي قد لا تنجو من نقد علمي حصيف ومنهجي  لمحتوياتها كسائر المؤلفات التاريخية ولكننا أردنا أن نكشف حقيقة محاولة حسن للإعلاء من شأن محاولته هذه وتسويق أفكاره الخاصة بطريقة فهلوية لا تخلو من سذاجة حتى قبل أن يبدأ بطرحها. 

 وبمجرد أن يخط تلك الكلمات التي تزعم الحياد والموضوعية يُدرج الكاتب نفسه بمحض إرادته وربما دون أن يشعر في النوع الثاني من الكتاب حين يعلن ما يسميه "التصور الجديد الذي توصل إليه" فيكتب ( أن الفرس استثمروا التشييع لصالح سياساتهم القومية، وتوسيع ملكهم على حساب الأمة العربية، وأرضها، وتاريخهم، في حين لم يقدم زعماء وملوك وقادة الفرس للتشيع شيئا من قضيته الفلسفية والسياسية، بل اكتفوا بتوريط المذهب الجعفري بمستحدثات استنكرها العلماء المنصفون. ص 7 ) ونكرر، فنحن لا ننفي مضمون ما يقوله الكاتب هنا جملة وتفصيلا فحتى الثورة الشعبية الإيرانية ضد نظام الشاه و التي حولها رجال الدين الشيعة إلى ثورة ودولة دينية لا تخلو من النزوع القومي وهذا ما سجله الكاتب الفرنسي المستعرب إريك لورون بعد لقائه المطول والشهير مع الراحل الخميني شخصيا، فقد رفض هذا الأخير التكلم باللغة العربية مع لورون رغم أنه يجيد الكلام بها بطلاقة و أصر على التكلم بالفارسية،  وهذا النزوع القومي سواء كان عربيا أو فارسيا ليس مدانا بحد ذاته، بل بفعل تغوله وتحوله الى عنصرية صريحة تستهدف الشعوب والأعراق الأخرى بالازدراء والتمييز والتهجير والتطهير العرقي وهو ما أتقنته الأنظمة القومية في العراق وإيران وتركيا وغيرها من دول الغرب والشرق، وخصوصا في فترة البعث في العراق و أما في إيران الشاه أو إيران الخميني فالواقع القومي للأقليات والمكونات الإيرانية لا يقل سوءاً عنه في الماضي، ولكننا نحاول  هنا تفكيك المقدمات اللاعلمية والمقلوبة التي ينطلق منها الكاتب .فهاهو، بعد كل ما قاله من نقد للكتاب والمؤرخين ذوي النزوع الطائفي الشيعي والسني، يأتي و ويندرج مع صنف منهم، ولكن بعد تطعيم طائفيته المقلوبة "فهو من أسرة شيعية ومع ذلك يحمل نزوعا طائفيا معاديا صراحة للشيعة والتشيع، بشيء من الشعارات القومية العروبية".

و لا يتأخر حسن عن استغلال مقدمته القصيرة لكتابه الذي يصفه صاحبه بأنه "مكتوب بحياد علمي مستند إلى النص التاريخي المنقول عن مؤرخين ثقاة"  لتسويق بعض "النمونات" التجارية من بضاعته على طريقة نماذج البائع الجوال . فهو يؤكد مثلا أن القتلى العلويين الشيعة بسيوف الفرس ( هم أكثر بكثير من القتلى العلويين بأيدي الأمويين) وأن الإمام الشيعي زين العابدين بن الحسين خاطب الفرس بقوله " لقد أصبح حبكم عارا علينا"، وأن حفيده إمام الشيعة الآخر جعفر الصادق الذي يصفه حسن بـ "مؤسس المذهب الجعفري وفيلسوفه العظيم" رفض أن يتعاون مع الحركات السياسية المعارضة للأمويين في خراسان وحين تبحث عن مصادر الرجل و توثيقاته ونصوصه التاريخية المأخوذة عن مؤرخين ثقاة لا تجد غير قبض ريح!

سنتابع في الجزء القادم، الرابع، من هذه الدراسة، الصفحات التالية من كتاب حسن العلوي، في النقاط التي نرى انها الأكثر أهمية مسجلين بأن الكتاب برمته بحاجة الى متابعة سطرية بأدوات منهجية صارمة وهذا يحتاج إلى جهود مضاعفة و وقت أطول بكثير لتحيله الى عصف مأكول ونثر سقيم يكشف عن رجعية و تناقض الفكر العنصري متجليا بقلم أحد أقل كتابه إخلاصا كليا لفكرته القومية ذاتها بسبب تقلباته الفكرية والأيديولوجية العديدة بين النقائض والمتناقضات... يتبع.

..........................................................................

                        القومي أوتوحيكال والعلماني سرجون /4-9

عَنْوَنَ حسن العلوي الفصل الأول من كتابه "دماء على نهر الكرخا" بعبارة " آريون وساميون ..نشاط باطني ملتهب" وكانت أول فقرة من الفصل تحمل عنوانا فرعيا يقول " أول النزاع على لغة العراق" وفي بدايته يخبرنا المؤلف ( أن المؤرخ "أومستد" يرى بأن أول استعمال لكلمة عراق – كان – في العهد الكيشي، في وثيقة تاريخية جاء فيها اسم إقليم على هيئة أريقا الذي صار على ما يرى الباحث المذكور الأصل العربي لبلاد بابل، لكن أوضح استعمال شاع لمصطلح العراق بدأ في الأدوار الأخيرة من العهد الساساني.. ص 13) و وفق منهجية حسن، فلا يتعبنَّ أحدٌ نفسه بالبحث عن مصدر هذا الاقتباس من كتاب للمؤرخ أومستيد، و أين ورد، فلن تجد شيئا من هذا القبيل. أما تركيب الجمل في هذه الصفحة فهو لا يختلف في ركاكته عما هو عليه  في جميع الصفحات من حيث قربه  الى لغة حكي المقهى التي يعتمدها الكاتب في نثره عموما وهي ركاكة شائعة لدى أغلب الكتاب العراقيين وخصوصا في حاضرنا المأزوم، وقد بقيت هذه الجملة  مختلة أسلوبيا ولغويا رغم أننا حاولنا إصلاح شأنها قليلا بإضافة أحد أفعال الكينونة اللازمة أو بحذف الاستدراكات الكثيرة وغير الضرورية، ومع ذلك تبقى عبارة ( اسم إقليم على هيئة أريقا) ملتبسة. فهل يقصد الكاتب أن اسم العراق جاء من كلمة بابلية قديمة هي "أريقا" القريبة لفظا من العراق؟ أم انه يقصد شكلا هندسيا معينا كان عليه  الإقليم القديم يدعى "أريقا"؟

 لا شيء يوحي بأنّ الرجل يفهم ما كتبه بنفسه هنا، ولكننا نضع اليد على فقرة اقتبسها سالم الآلوسي في كتابه "اسم العراق" عن العلامة الكبير طه باقر، دون أن يوثق رقم الصفحة أيضا، و تفيد أن اسم العراق ( مشتق من كلمة تعني المستوطن، ولفظها أوروك… وأن أول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكيشي، في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وجاء فيها اسم إقليم على هيئة إيريقا) والمقصود، كما يبدو ،  أنّ  الكلمة كانت مكتوبة على هيئة مسمارية "في طورها الصوري التشكيلي"  تلفظ أريقا أو أريكا ( وهذا ما كرره  بعد عدة عقود  الباحث والمعجمي الراحل هادي العلوي في أكثر من مناسبة آخرها في كتابه " المرئي واللامرئي في الأدب والسياسة ص 120"، و لكنه فعل ذلك بوضوح جم وبساطة مشعة وحرفية لغوية دقيقة، حيث قال ( اكتسب العراق اسمه من اسم المدينة السومرية أوروك ، فعربه العرب على هذا النحو : إبدال الهمزة عينا، ( عنعنة تميم ) والكاف قافا فيكون عوروق، ثم معاقبة الواو الثانية مع الألف فيكون : عوراق. ويخفف الواو ليصبح ضمة فيكون " عُراق" ولعل العرب استثقلوا الضمة فكسروا العين وقد أطلق العرب هذا الاسم المطوَّر على البلاد كلها ولم يكن لها اسم موحَّد قبل ذلك بل كانت بلاد آشور في الشمال وبلاد بابل في الوسط وبلاد سومر في الجنوب ) ويبدو أنّ العلامة طه باقر اقتبس هذه الفكرة عمن سماه حسن "أومستد"، وربما  اقتبسها هذا الأخير عن العلامة العراقي طه باقر، و العائدية لباقر هي الأرجح عندي لكونه عارفا باللغة والحضارة الأكديتين وهو من أهلهما وليس نكرة غربيا كالآخر، و لكنه – أي حسن -  اعتبر نفسه مكتشف المعلومة الأصلي  فنسب الفقرة لنفسه، أو أنه – إذا أحسنا الظن به قليلا  - سها عن توثيقها. والواقع أن هناك محاولات عديدة، لا تخلو من الغرضية السياسية للقومين المتعصبين  الفرس وبعض عملائهم العراقيين لربط كلمة العراق بل وحتى كلمة بغداد بأصول فارسية ومن ذلك قول صحافي عراقي نسيت اسمه في مقدمة ألبوم صور نادرة وتاريخية عن العراق نشره في التسعينات من القرن الماضي على شكل موسوعة صورية إنّ اسم العراق متأتٍ من عبارة فارسية هي " آراك" وتعني البلاد البعيدة، وقول آخر تعني " البلاد السفلى" و وفق تخريج آخر فهي تعني " بلاد الشمس " وهذه التخريجات ضعيفة ولا سند لها من الناحية الفونولوجية "علم النُظم والوظائف الصوتية".

بعد ذلك يكتشف حسن أن "الوطنية" هي اختراع عراقي لا سابقة له تاريخيا فيعلن أن كلمة كالام ( KALAM) المضاهية لكلمة إقليم تعني ( إقليم الشخص المتكلم أي وطنه .. وإنك لتستغرب أن يفطن العراقيون الأوائل في ذلك التاريخ السحيق إلى الإقليم الأجنبي فيطلقون عليه " كر" ولا ندري ما العلاقة بين هذه الكلمة وكلم " قطر" التي يستعملها الإعلام العراقي ومؤسسات الدولة اليوم – يقصد في نظام البعث الصدامي – للتمييز بين البلد العربي والبلد الأجنبي ..ص 14) وحسنا فعل حسن فاستدرك بأنه لا يدري ما العلاقة بين المفردتين وإلا لكان قد جعل من سرجون وجلكامش عضوين في القيادة القطرية لحزب البعث العراقي!

إنّ  هذا المثال على الخراب المنهجي الذي يعتمده المؤلف سيحكم متن الكتاب من بدايته إلى نهايته فالرجل يخلط بين مفردات متباعدة لفظا قد تكون متقاربة معنى وبعضها من المستحدث والذي لا علاقة له بالمعاني المتولدة قديما، وكأنه لا يعلم أن الإقليم هو الإقليم وليس الوطن أو القطر أو البلاد، ثم أن هذه الكشف "العبقري" بعائدية الوطنية  للعراق ليس حكرا على حسن العلوي و "رفيقه" أوتوحيكال فقط، فكلمة قبطي مثلا التي صارت اليوم تعني المنتسب الى طائفة دينية هي المسيحية الأرثوذوكسية في مصر، كانت تعني حرفيا في تلك العصور السحيقة ذاتها "الوطني أو البلدي أو ابن البلد" وما تزال مرادفات هذه الآلية في نسبة الناس إلى أقاليمهم ومدنهم وولاياتهم قائمة الى يوم الناس هذا فنحن نستعمل هذه النسبة المنطوية على مضمون عصبوي كياني بسيط أو انحياز قبلوي لهوية ثانوية فنقول "هذا ابن ولايتي" و "ذاك ابن ديرتي أو عشيرتي" و "نحن أولاد القريّة ، ونحن أولاد كار واحد" والكار هو المهنة والحرفة، وما شابه ذلك ، فما دواعي الفخر والاستعلاء في هذا الأمر الصغير والعادي وما قيمته؟ 

تنتفخ الذات القومية لدى المؤلف وتتورم إلى درجة مضحكة فتنتج عنها زخات من الإسقاطات السياسية و غير السياسية ومن أطرف هذه الإسقاطات ما كتبه حسن  عن الملك أوتوحيكال الذي واجه الكوتيين والذين كما أسلفنا لا علاقة انثروبولوجية "إناسية" أو سلالية  لهم البتة بالفرس الآريين لنقرأ ما خطه يراع حسن على الصفحة 17 ( كتب أول قائد ثوري وأول بطل قومي في تاريخ الأرض. وهو القائد العراقي أوتو حيكال في الألف الثالث قبل الميلاد على مسلته ( إن أوتوحيكال سحق الكوتيين ( قوم من بلاد فارس) ثعابين الجبال القارصة وأعداء الإله الذين نقلوا ملوكية سومر إلى الجبال و ملأوا البلاد بالشر)!

 أما عن عملية توحيد ما عرف في العصور القديمة بدويلات المدن وهي أقرب إلى المشايخ القبلية العربية في عصرنا ضمن عملية توحيد إقليميْ سومر و أكد في مملكة واحدة فإن صاحب " دماء على نهر الكرخا" يسارع إلى وصفها بـ " أول وحدة وطنية عراقية في التاريخ " ولكن العدو التاريخي والخرافي لهذه الوحدة الوطنية العراقية ممثلا بالغزاة العيلاميين تدخل وخرَّب هذه الوحدة (حيث احتل العدو الإيراني العيلامي) العاصمة أور وأخذ ملكها أسيرا الى بلاد عيلام، ثم استولى على ما تبقى من المملكة قسما بعد قسم و ( هكذا تعرضت  أول وحدة عراقية إلى التجزئة في التاريخ على يد العيلاميين الأجانب/ ص16)، وبمناسبة توزيع حسن العلوي صفات الوطنية ومشتقاتها بالجملة و بغير حساب على الملوك والدول الغابرة، نقول إن الآلهة السومرية و الأكدية  لم تفلت منها فها هو يكتب دون أن يطرف له جفن ( ومعروف أن الآلهة العراقية كانت آلهة وطنية تتابع حركة الجيش و تبارك انتصاراته).

 إلى جانب إضفاء الكاتب صفة الوطنية على الآلهة الوثنية القديمة فهو لا يتورع عن إطلاق صفة "العلمانية" على الملك سرجون الأكدي فيكتب (سرجون الملك الصادق نقل الاقتصاد من اقتصاد المعابد والكهنة إلى نظام علماني / ص 20 ) ولا تسأل هنا عن العلاقة بين النظام الاقتصادي المعابدي والعلماني فهذا ما لا يفقه فيه إلا صاحب " دماء على نهر الكرخا"! ولسوء حظ حسن فإن  الملك سرجون هو أول ملك في التاريخ جعل للدولة آلهة رسمية خاصة بها على جميع الرعايا الساميين عبادتها. و سرجون هذا هو صاحب السيرة الحياتية التي اقتبسها العبرانيون الأسرى لاحقا لنبيهم موسى بشكل شبه حرفي ونعني  قصة الرضيع الذي تضعه أمه  في صندوق مقفل وتلقيه في النهر ويعثر عليه الساقي  ..الخ، و التي يرويها سرجون عن نفسه بالكلمات التالية  (أنا سرجون، الملك العظيم، ملك أكد ... كانت أمي كاهنة عليا ( يعتقد المصدر الذي أخذنا عنه هذا المقتبس  أن يعتقد ان أم سرجون حملت به سراً، إذْ لا يسمح للكاهنات بالإنجاب ولكنني أعتقد  أنها كانت " قديشة / بالشين لأن حرف السين من الحروف السامية الحديثة" تتعاطى الجنس النذري المقدس – ومنه جاءت كلمة قديسة و مشتقاتها- ضمن عذراوات الزقورات. ع.ل )، مدينتي هي آزوفيرانو ( وهي مدينة الزعفران على الفرات ) ... حملت أمي بي ووضعتني سراً وأخفتني في سلة مُقيَّرة من الحَلْفاء وغطتني ورمتني في الماء، فلم يغرقني النهر بل حملني الي آكي سقّاء الماء فانتشلني آكي بدلوه، ورباني واتخذني ولداً وعينني بستانياً عنده، وبينما كنت أعمل بستانياً أحبتني الإلهة عشتار فتوليت الملوكية/ نص مسماري اقتبسه مثنى شلال في مقالة نشرت في الحوار المتمدن عدد 2415/2008 ).  و سرجون، كما أسلفنا  هو أول ملك في التاريخ دمج الدولة بالدين وجعل للدولة آلهة حكومية و رسمية ثابتة، ففي عهده (أصبحت الآلهة السامية هي الآلهة الرسمية في الإمبراطورية الأكدية لكل الساميين / الموسوعة الحرة) فهل  هذه هي العلمانية كما يفهمها حسن العلوي؟ و ما علاقة كل هذا "الملخ الساذج" بعلوم التاريخ والسياسية واللغة والتاريخ؟

الواقع هو أن طريقة حسن العلوي في ليِّ أعناق الحقائق وتغيير جنسيات وأرومة الشعوب وخلط الأسيقة  التاريخية لأحداث ما قبل التاريخ ببعضها ثم بسياق حرب النظامين العراقي البعثي والإيراني الإسلامي الخوميني، وتسويق هويات وتعابير ومصطلحات ناتجة عن ظرف تاريخي حديث وخاص على آخر لا علاقة له هي طريقة لا أسم لها غير التلفيق الإنشائي الساذج والهادف لإنتاج بروباغندا دعائية لا قيمة علمية لها.

إن هذه الطريقة العجيبة يمكن أن يستعملها حسن  تصلح  لأن يقرأ بها أي كتاب كان، ليخرج باستنتاجاته العجيبة ذاتها.. وهكذا يمكننا أن نتخيل مثلا  لو أنه كتب شيئا عن  مسرحية "روميو وجوليت" لشكسبير مثلا  فسيخرج باستنتاجات من قبيل: أن فشل قصة الحب الرومانسية بين هذين العاشقين "الوطنيين القوميين " ومقتلهما انتحارا سببه حقد  "العدو العيلامي الكوتي الفارسي المجوسي" على آل مونتيغو وآل كابوليت الوطنيين القوميين!

وسعنا هذه الدراسة إلى تسعة أجزاء لنحيط بأغلب ما يستحق النقد في الكتاب المنقود ونأمل أن تكون هذه التوسعة الأخيرة. في الجزء القادم من هذه الدراسة، نتوقف عن مقارنة للمؤلف بين الملك الفارسي كورش الذي يعتبره محتلا وغازيا  وبين الملك الإغريقي الاسكندر المقدوني الذي اعتبره " محررا لا فاتحا" ثم نقرأ نقديا الفصل التالي حول الفرس المجوس بعد ان وضعوا على رؤوسهم العمائم الشيعية وتحتها الأهداف القومية وكيف أسس اليهودي عبد الله بن سبأ مذهب التشيع!يتبع

..............................................................................

                           مجوس بعمائم شيعية يقودهم ابن سبأ  /5-9

يمكن أن نتجاوز ما تبقى من الفصل الثاني من هذا الكتاب،  وفصول أخرى، دون أن نخسر شيئا، فهو عبارة عن تكرار للمعزوفة ذاتها التي توقفنا عند بعض مفاصلها قبلا، ولكننا قبل أن ننتقل الى فصل آخر نشير إلى أن الكاتب، وخلال استعراضه "السينمائي" لمعركة جرت بين القوات البابلية بقيادة "العراقي العربي الوطني!" نبوخذ نصر والقوات الفارسية "العيلامية!" عند نهر الكرخة قام حسن العلوي  بمحاولة لإقحام الحاضر ممثلا بالحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات مع تلك الحرب في العصور الغابرة دون مسوغ علمي أو حتى إنشائي. وبعد ذلك بعدة أسطر، يقوم حسن بمحاولة أخرى لربط ما قام به الماذيون الذين يرتبطون، كما يقول، "برابطة النسب بالفُرس" و هذه هي المرة الأولى التي تتناسب فيها الأمم في كتاب تاريخي،  مستشهدا على ما يقول بالمؤرخ عبد الرزاق الحسيني لتأكيد هذه المعلومة، والرجل -رحمه الله - لم يعرف عنه أي اهتمام بالمواضيع السلالية أو علم الأنساب بين الأمم أو بين الأفراد، وله كتاب ذائع الصيت هو " تاريخ الوزارات العراقية" ، ويروي حسن أن الماذيين شكلوا دولة متحدة مع الفرس، و قد استطاع الملك الفارسي كورش ان يقوض الدولة الكلدانية سنة 239 ق م، و خلال ذلك زعم كورش أن الملك الكلداني انتهك حرمة الآلهة؛ وهنا، يقفز حسن برشاقته وسذاجته  المعهودة من هذه الحادثة إلى حادثة أخرى ليستنتج أن الفرس الصفويين قاموا بالأمر ذاته بعد آلاف السنوات، فيخبرنا أن الملك الفارسي كورش شن حربا دعائية ناجحة للتشهير بالملك البابلي لانتهاكه حرمة معابد الآلهة وليقفز من هذا الخبر آلاف السنوات فيكتب ( وبهذا النص يكون – قد ولد؟ - أول إدعاء فارسي بحماية حرمات المعابد والمراكز الدينية قد ساعد على الاحتلال أو انه كان تبريرا له وقد اتخذ هذا الطريق نفسه الصفويون في عام 1501 م عند ظهور الشاه إسماعيل الصفوي واحتلاله العراق عام 1508 م). فما العلاقة بين الأمرين على افتراض صحة وقوعهما؟

مثال آخر على عبث حسن العلوي وجهله بالتاريخ، بل وحتى على انتهازيته السياسية، نجده واضحا في اعتباره  الغازي الإغريقي الاسكندر المقدوني، الذي احتلت جيوشه العراق بعد أن هزم الجيوش الفارسية بقيادة  الملك دارا،  محررا لا فاتحا، ويخبرنا أن الاسكندر  استقبل من قبل الشعب البابلي بالمزامير والهتافات المبتهجة، بدلا من النظر إليه وإلى دارا كغازيين لا فرق بينهما ودولتين متصارعتين على خيرات العراق، ولو استعملنا طريقة حسن العلوي البحثية "الرشيقة" هذه لقفزنا، نحن أيضا،  من حالته هذه إلى حالة شبيهة بها وتعود لأحد الخدم الإعلاميين للغزاة الأميركيين هو المدعو كنعان مكية الذي دعا العراقيين علنا إلى استقبال"المحررين الأميركيين" سنة 2003  بباقات الزهور والهتافات والغناء (ومعروف أن الأمر لا يتعلق بكنعان مكية فقط بل شاركه العديدون من رجال "شرطة الاحتلال الثقافية" من رؤساء تحرير صحف بول بريمر والمشتغلين بالقطعة والساعة لدى مجلس إعماره والعجيب أن بعض هؤلاء أخذوا يتطاولون كثيرا هذه الأيام، بل وصاروا يرفعون الصوت، ويفاخرون بنجاساتهم ويعرِّضون بمواقف الوطنيين من رافضي الاحتلال والطائفية ومؤيدي المقاومة!) غير أن براءة الاختراع هنا تعود "بجدارة" لحسن العلوي أيامَ كان صداميَّ الولاء يخفق قلبه للاسكندر المقدوني قبل أن يتحول لاحقا إلى مستشار ثم نائب لمن صفقوا وتحالفوا مع أحفاد المقدوني أي المحتلين الأميركيين.

اللافت، هنا، هو أنّ حسن  يقول الشيء ونقيضه أحيانا فهو يكتب ( كان احتفاء البابليين به – بالاسكندر – مظهرا من مظاهر ردود الفعل السلبية تجاه السياسة الفارسية في العراق والتي جلبت عليه الخراب والتدمير ) ولكنه يعلق في الهامش على ما قاله الحاكم الفارسي كورش الذي احتل العراق قبل الاسكندر من أن الإله مردوخ والإله نبو أرسلاه ليحرر العراق يعلق على ذلك بالقول إن هذه الصيغة تتكرر في بيانات المحتلين الذين كان آخرهم الجنرال مود وبيانه المعروف / هامش 1 على ص 28) فلماذا يجوز للاسكندر الغربي ما  لا يجوز لكورش الفارسي مع أن كليهما محتل أجنبي آري؟ أ حرام على كورش حلال على الاسكندر؟ أما كان الأولى والأصح رفض الغازيين الأجنبيين كورش والاسكندر وتراثهما الاحتلالي كله؟  هنا نضع أيدينا على أحد مداميك الفكر العنصري والطائفي العراقي وهو أنه نظر وينظر غالبا إلى المحتل والغازي الغربي كصديق ومحرر أما المحتل والغازي الشرقي، وخصوصا إذا كان من طائفة غير طائفة الحاكم، فهو عدو أبدي !

في الفصل الثالث يدخل حسن العلوي معركته الرئيسية وهاهو يعنون هذا الفصل بالكلمات التالية ( فرس وعرب .. مجوس ومسلمون) و لأن هذا العنوان لم يرو غليله كما يبدو، زاد حسن وثبت عنوانا آخر لهذا الفصل يقول ( نشاط باطني ملتهب)، وقبل أن نبدأ بقراءة الاتي من كلام المؤلف نشير عرضا إلى أنه من " أسرة شيعية وعلوية" ولكنه هنا يفكر ويكتب كبعثي صدامي تماهى، ليس مع الفكر البعثي التقليدي بركائزه النظرية والمعرفية المشهورة، بل مع العنعنات الطائفية التي يزوغ إليها ابن الطبقة الوسطى حين يتنازل عن عقله وشخصيته لسيده و ولي نعمته وشيخه الطائفي.

يلاحق حسن العلوي خرافته العنصرية حول العداء الأبدي بين العرب والفرس المجوس حتى حين لم يكن العرب أو الفرس المجوس قد وجدوا وتجسدوا إناسياً أو حضارياً وصولاً إلى عهد صدام حسين. لنبدأ معه من تميزه بين الحروب التي يسميها "حروب نظيفة" دارت بين الطرفين قبل الإسلام والحروب التي دارت بعد معركة القادسية وانهيار الإمبراطورية الفارسية ودخول الفرس في الدين الإسلامي بشكل جماعي فهو يكتب عن حروب ما بعد الإسلام ( أما الحروب الجديدة أي ما بعد ظهور الإسلام بين العرب والفرس "..." فإنها لم تكن على مستوى ولو قليل من أخلاق الحروب العلنية .. لقد تغلغلت الأهداف الفارسية تحت طيات العمائم السرية تأكل المجتمع الجديد كما تأكل الأرضة الخشب ) حسن العلوي هنا ينحاز للفرس الوثنين والمجوسيين في حروبهم "النظيفة" ضد العرب والتي كانت -استنباطا من كلامه - على مستوى عال من أخلاق الحروب ويهجو ويذم الحروب الذي خاضها الفرس بعد أن أصبحوا مسلمين ووضعوا العمائم وتحتها أهدافهم الشريرة . لا يمكننا طبعا، من الناحية العلمية والتاريخية، نكران وجود أية أهداف سرية أو مشاعر قومية كامنة لأمة هزمت في الحرب ودمرت إمبراطوريتها في ثنايا الأحداث والحروب التي تلت معركة القادسية ودخول الفرس في الإسلام كأمة، إنما لا يمكننا، مع ذلك، الموافقة على هذا الهراء العنصري المفكك لحسن العلوي وأمثاله فهم لم يقدموا دليلا ماديا تاريخيا واحدا على ما ذهبوا إليه بل يكتفون بالإنشاء والشتائم و حملات تكفير أمة مسلمة بكاملها واعتبارهم "مجوسا و حشرات أرضة تأكل خشب المجتمع الجديد" لا أكثر . من جهة أخرى يتغاضى الكاتب أو ربما يجهل أن عمر التشيّع في إيران و وضع العمائم أكثر قليلا من خمسة قرون فقد بدأت إيران تتحول مذهبيا إلى التشيّع في عهد الشاه إسماعيل الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي أما قبل ذلك فكانت  على المذاهب السنية المعروفة طوال القرون التي تلت السابع الميلادي الذي حدثت فيه معركة القادسية وحتى السادس عشر، ولم يكن للشيعة وجود إلا في مدينة قم التي تحتضن مرقد السيدة فاطمة المعصومة شقيقة الإمام الرضا وفي إقليم عربستان أي أن الشيعة الأوائل في إيران هم من عرب العراق القادمين من عاصمة التشييع الأولى الكوفة ( والعجيب هو ان هذه المعطيات يعلم بها حسن العلوي ويوردها في كتابه " الشيعة والدولة القومية" ص 20 ) و على هذا يغدو كل حديثه عن "العمائم الفارسية السرية وحشرات الأرضة" سيعني الإيرانيين في طورهم الإسلامي السني و العرب الشيعة وليس الفرس في الجنوب الإيراني وهذا منتهى الجهل والابتذال.

وفي جزء آخر من هذا الفصل عنونه حسن بالكلمات التالية ( المجوس يلبسون العمامة / 38) يعود المؤلف إلى واحدة من أشهر الأساطير الطائفية والعنصرية التي حيكت للنيل التشيع كمذهب إسلامي كسائر المذاهب و من الشيعة كطائفة هي الثانية بعد السُنة من حيث الحضور السكاني، ألا وهي أسطورة "اليهودي عبد الله بن سبأ" الذي يعتبره غلاة الطائفية ( مؤسس التشيع الحقيقي الهادف إلى ضرب الإسلام ونخره من الداخل) . ورغم أن الخوض في الأمور الفقهية البحتة أو التاريخية السيرية ليست من اهتماماتنا الأساسية وليس من المشمولات الحصرية لهذه الدراسة، ولكننا سنكتفي بعرض بعض ما نعتبره أهم ما طرحه المؤلف بهذا الصدد مع تعليقات ضرورية عليه، وسنناقش في الجزء القادم من هذه الدراسة، وهو السادس،  أسطورة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي يزعم حسن العلوي أنه هو مؤسس التشييع والمذهب الشيعي لضرب الإسلام من الداخل والرد العلمي الذي رد به طه حسين على أصحاب هذه الأسطورة المتهافتة ثم نناقش تشكيك حسن العلوي بحديث الغدير و سنقدم ثَبتاً بأكثر من عشرين مصدر من مصادر أهل السنة والجماعة تؤكد وتعترف بصحة هذا الحديث، ولن نأتي بأي مصدر من الجهة الأخرى " الشيعة"، وسنتابع بعد ذلك حملة حسن العلوي ضد الشيعة والتشيع حتى نهاياتها . يتبع

........................................................................

                      تفريس الصفويين وإحياء ابن سبأ /6-9

قبل أن نواصل قراءتنا في الفقرات التي وعدنا القارئ في الجزء السابق من هذه الدراسة بمناقشتها نود أن نتناول بالتحليل والدحض المبتسرَين قضيتين: الأولى، هي تلك الخلطة البلهاء التي  تجمع الفُرس والمجوسية والتشيع والصفوية في سُبة سياسية واحدة، كررها حسن العلوي في كتابه هذا حتى السأم، ويكررها اليوم جميع المصابين بـ "فوبيا إيران" في العراق وخارجه إذ أن هؤلاء، وفي مقدمتهم صاحب "دماء على نهر الكرخا"،  بجهلهم وحقدهم القومي الذي أعمى بصائرهم يسيئون إلى العراق ويضرون أفدح الضرر بعملية الدفاع عن مصالح شعبه الحيوية وإلحاق الهزيمة بالأطماع الإيرانية ومحاولاتها للهيمنة المستمرة والمتفاقمة وخصوصا في عهد النظام الطائفي القائم اليوم في طهران.

وإذا تجاوزنا كلمة " المجوسية"  وهي شتيمة تكفيرية تستهدف شعبا مسلما بكامله، بشيعته وسنته، وتخرجه من دينه لأسباب تتعلق بالتحريض السياسي المتبادل، فستبقى لدينا الكلمات التالية: الفرس، الشيعة،  والصفويين. ولنبدأ بالصفويين:  تاريخيا وسلاليا لا علاقة على الإطلاق للفرس بالصفويين. فالصفويون، كمؤسسين وزعماء لدولة وفئة حاكمة عرفت بهذا الاسم  هم سلالة إذرية آسيوية من عائلة الشعوب التركية، وأصلها من شمال شرقي الصين الحالية وتمثل أقلية "الإيغور" اليوم بقاياهم العرقية هناك. والصفوية نسبة يشتقها البعض من أسرة "آل صافويان" والبعض الآخر  من اسم الشيخ صفي الدين الأردبيلي مؤسس طريقة صوفية عرفت بهذا الاسم في مدينة أردبيل بإذربيجان وليس في إيران بداية، أو من كليهما؛ وحتى حين سقطت الدولة الصفوية في بلاد فارس سنة 1736 فإن قيادة الدولة التي خلفتها بزعامة نادر شاه القاجاري هي تركمانية أيضاً ومن قبيلة "القزلباش أي ذوي العمائم الحمراء" الذين حكموا إيران حتى سنة  1925 حين سقطت دولتهم وزالت من الوجود بانقلاب قاده رئيس الوزراء آنذاك رضا بهلوي وخلع الشاه التركماني القاجاري أحمد ميرزا واتخذ لنفسه صفة ولقب الشاه وبقيت الأسرة البهلوية في الحكم حتى سقوطها إثر الثورة الإيرانية سنة 1979.

 هؤلاء هم الصفويون، الإذريون، الأتراك، الآسيويون، الأسرة المالكة و النخبة الحاكمة و الدولة التي حكمت إيران لعدة قرون. أما الفرس "البرسيس" فهم شعب آري ( من عائلة الشعوب الهندوآرية ) كما بينا في جزء آخر من هذه الدراسة، وهم ضحايا الصفويين الأوائل والذين نالوا أكبر الأذى والاضطهاد والقمع منهم حيث أجبروهم على تغيير مذهبهم الديني الطائفي السني وكانوا مسلمين سنة  على المذهبين الشافعي والحنفي بالقوة، وقمعوهم بعنف بلغ إبادة السكان الفُرس في عدة مدن وقد صمدت منهم أقلية مهمة ما تزال تعيش في بلادها حتى اليوم في ظروف تمييز طائفي صعبة. هذا على الصعيد السلالي والأسرة الحاكمة ونخبتها، أما على صعيد المضمون إذْ قد يعتبر البعضُ أن التشيع الصفوي صار يشمل الفرس وغير الفرس في إيران والعراق فالأمر لا يشمل التشيع العراقي العربي أيضا ولتوضيح ذلك نقول :

مضمونيا نعرِّف "التشيع الصفوي" بأنه ذلك المذهب الطائفي الذي يُمأسس المذهب الشيعي الجعفري ( يجعل المذهب ورجاله ومرموزاته مؤسسة  بين المؤسسات التي تتشكل منها الدولة) وهذا أمر ليس جديدا بل أوجده الإسلام السُني بعد انفراط عقد السلطتين الدينية والزمنية"الدنيوية" اللتين كانتا مجتمعتين في شخص الخليفة الراشدي فالأموي فالعباسي حتى ابتكار منصب السلطان إلى جانب الخليفة في عصور التراجع والانحدار الحضاري والذي تكرس في السلطنة العثمانية أيضا فاختص الخليفة بالسلطة الزمنية وشيخ الاسلام أو مفتى الديار بالسلطة الدينية الجزئية أو الشكلية. وحتى هنا، إذا اتفقنا على أن التشيع الصفوي هو بهذا المعنى "المؤسساتي" فهو لا علاقة له بالتشيع العراقي العربي الذي استمر رافضاً للتمأسس والاندماج بالدولة أو الرضوخ لها وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في مقالة بعنوان ( التشيع العراقي نقيض التشيع الصفوي / "الأخبار" البيروتية العدد 1988 في 24 نيسان 2013 )"1"  وخلاصتها الجوهرية هي رفض أي شكل من أشكال التوحيد النوعي أو حتى المماثلة والمشابهة بين تجربتي التشيّع في العراق وإيران. فالخلافات بين التجربتين تتصل بالعوامل والآليات والنتائج والمديات الاجتماعية ومستوى اندماج الخصوصيات المجتمعية المختلفة تماما بين العراق وإيران. وقد بلغ الخلاف ذروته بين التشيّع العراقي القواعدي الرافض للدولة البرانية بشكلها الكسروي، وهو المبدأ الجوهري في التشيّع العراقي. وهو مبدأ لا يزال ساري المفعول إلى يومنا هذا، رغم محاولات الساسة الشيعة المعاصرين زجّ المرجعية النجفية في شؤون الحكم والسياسة.

 يمكن اعتبار الشيخ إبراهيم القطيفي "توفي  1543 م"  القادم من القطيف في الجزيرة العربية إلى عاصمة التشيّع العالمية النجف خير ممثل سجالي لهذا التشيّع "الضد صفوي"، أما التشيّع الصفوي شبه الكهنوتي المشابه نوعياً لتمثيل التسنّن في تجارب الخلافة العباسية والأموية، حين تحول رجل الدين وجماعته إلى مؤسسة من مؤسسات الحكم المنفصل عن المجتمع، فيمكن اعتبار الشيخ علي الكركي العاملي "توفي سنة 1533 م"  القادم من جبل لبنان إلى أصفهان عاصمة الدولة الصفوية والمعين من قبل الشاه الصفوي إسماعيل بمنصب "شيخ الإسلام" ثم بمنصب "وكيل الإمام" في عهد الشاه طهماسب الممثل الأوحد له. وبهذا فلا علاقة للتشيع العراقي والشيعة العراقيين بالتشيع الصفوي حتى بهذا المعنى المضموني، وهكذا تنكشف تهمة أو سُبة ( الفرس، المجوس، الشيعة،  الصفويين ) وخصوصا بنسختها الموجه الى الشيعة العراقيين العرب، عن كونها خلطة شتائمية بلهاء و هراء محضاً  ليس إلا!

القضية الثانية التي آثرنا التوقف عندها هي ضرورة التفريق بين أمرين مهمين لنكون، ومعنا القارئ، على بيّنة من أمر مهم لئلا نخلط النقد الصحيح والضروري والموضوعي لأمور مهمة في إطار موضوع التشيع وأصوله وما هو أصيل أو مضاف وطارئ فيه بالهجاء الطائفي والعنصري الذي يستعمل هذه المبررات النقدية الصحيحة وعلى منوال " كلمة حق يراد بها باطل" لتحقيق مآرب أخرى كما يفعل حسن العلوي في كتابه هذا. ومن هذا المنطلق يمكن لنا أن ننظر بنقدية وطرق تحليلية تتوسل المقاربات العلمية لا الإنشاء والعواطف الجياشة إلى  حقيقة الإضافات التي جاء بها بعض الفقهاء الشيعة من فُرس وغير فُرس، أي بعد أن تكرس وجود التشيع ككيان مجتمعي هو الطائفة في زمن إمامها محمد الباقر وليس قبل ذلك، مسجلين أن هذه الإضافات قد حدثت فعلا وتكرست بالتدريج في فترة القرون الست الخوالي التي استغرقها تشيع إيران ولكننا آثرنا عدم الخوض في الجانب الفقهي من هذه الإضافات أو الاجتهادات لأنه ليس من مشمولات هذه الدراسة النقدية. إن هذا الموضوع لا يمكن القفز أو المساومة عليه علميا وتاريخيا وفقهيا، ولكن يجب الفصل بينه كهم وانشغال تراثي علمي بحت تنبغي دراسته بالمنهجيات العلمية المعروفة، وبين خطاب النزعة العنصرية الطائفية التي يلهث خلفها حسن العلوي لتفسير تاريخ الشيعة و التشيع بل والتاريخ الديني الطائفي برمته على أساس عقلية تآمرية ظلامية جاهلة يتبنها. بعد هذا الاستدراك الضروري نعود الآن لمواصلة قراءتنا في الفقرات الخاصة بهذا الجزء من الدراسة:

شكك حسن العلوي بحديث الغدير نصاً وواقعاً، وهو الحديث النبوي الذي اعتبره الشيعة دليلا على أحقية الإمام علي بن أبي طالب في خلافة النبي، والأحقية هنا يمكن أن يُنظر إليها بطريقتين : الأولى، كتأكيد لواقعة تاريخية لا أكثر وهذا ما يفعله غالبية الفقهاء والعلماء السنة والشيعة فلا أحد ينكر وقائعية هذا الحديث ونصه. والثانية، هي التي ينظر بها الأشخاص ورجال الدين الشيعة الأكثر تعصبا على اعتبار الحديث دليلا على وقوع خطأ تاريخي بحق الإمام علي بن أبي طالب لم ينته وينبغي تصحيحه في الحاضر، وهؤلاء هم حاملو رايات الطائفية السياسية الذين يجعلون  من وقائع التاريخ المنصرم مرموزات إيمانية وطائفية سياسية غير قابلة للنقاش مع الآخر الطائفي في الحاضر الزمكاني.

  ولكننا نفهم من كلام حسن العلوي أنه يعتبر هذا الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة أي أنه لا يعترف حتى بحقيقته كواقعة تاريخية ثابتة ويضعه في مصاف الآيات القرآنية المفسرة تفسيرا سياسويا فقد كتب ( فقد طالب بعض الصحابة بالخلافة لعلي فظهرت مشكلة الولاية وحيث النص على خلافة علي وهو ما يسمى بحديث الغدير. وقد أدى الخلاف على الخلافة الى تأويل آيات قرآنية واختراع أحاديث وأوجد أحزابا متنابذة  تتراشق بالتهم وتنشر التأويلات"..." وظهرت من نتائج المعركة السياسية الأولى هذه، فكرة الإمامة، إذا " إذْ ؟" لم يجد أتباع الإمام علي " ع" سوى فكرة الإمامة يطلعون بها ويردون بها على خصومهم وهي أعظم عندهم من الخلافة الزمنية وأوسع منها صلاحية ومقاما.. ص 37 ) وفي موضع آخر من كتابه يعتبر حسن العلوي اليهودي عبد الله بن سبأ هو غارس أول بذرة في حقل الإمامة، مكررا ما راج في عهد بني أمية من خرافات وأساطير وأحاديث موضوعة، وضعها شخص واحد لم يسبقه إليها أحد سيف بن عمر التميمي ( مات هذا الأخير بعد 160 عاما من وفاة الإمام علي بن أبي طالب ولكنه روى حديثه المشهور عن عبد الله بن سبأ وكيف قتله الإمام علي وأحرق جثته،  وهي الرواية التي لم يسبقه أحد إليها، سوى نتف صغيرة رواها الطبري في أحداث الثالث الهجري، ومنها نشأت هذه الشخصية الأسطورية ).

 وسيف بن عمر معروف بكذبه، ومتهم من قبل أغلب علماء وفقهاء وأئمة السنة بأنه وضّاع ( يضع أي يؤلف الأحاديث وينسبها إلى النبي ) ومطعون في روايته وزنديق، فهذا محمد بن حبان السمرقندي يقول عنه ( يروي الموضوعات ويضع الأحاديث واتهم بالزندقة) أما الحاكم النيسابوري فقال عنه ( سيف بالرواية ساقط ومتهم بالزندقة)، ابن عدي قال عنه (بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها). ويقول عنه ابن معين (ضعيف الحديث فليس فيه خير). وقال ابن أبي حاتم (متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي). وقال عنه السيوطي إنه وضّاع . وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه (سيف بن عمر متروك، اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعا)، أما أبو داود صاحب السنن فقال (ليس بشيء). وقال عنه النسائي إنه ضعيف، وهؤلاء كلهم من أئمة وعلماء أهل السنة. ولكن ماذا قال المعاصرون بخصوص شخصية ابن سبأ؟  نستكمل الكلام في هذا الموضوع في الجزء القادم من هذه الدراسة وهو السابع.

تصويب : ذكرت في الجزء السابق، الخامس، من هذه الدراسة أن مرقد الإمام علي الرضا في مدينة قم والصواب هو أن قبر شقيقته السيدة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر والمعروفة بفاطمة المعصومة هو الذي يوجد في قم، أما مرقده هو ففي مدينة مشهد "طوس قديما". شكرا للصديق محمد عبد الرضا شياع الذي صوّب لي هذا الخطأ.  

1-رابط بمقالة " التشيع العراقي نقيض التشيع الصفوي" :

http://www.al-akhbar.com/node/181872

......................................................................

                 طه حسين يدفن ابن سبأ وأئمة السُنة يوثقون الغدير /7-9

في هذا الجزء من الدراسة سنلقي نظرة، أولا، على قضية عبد الله بن سبأ التي أوردها مؤلف كتاب" دماء على نهر الكرخا" وبعدها نعرج على حديث الغدير :

 إنّ شخصية عبد الله بن سبأ مشكوك فيها، ومختلف بقوة على حقيقتها قديما وحديثا. و قد نُقضت وفُندت هذه الشخصية كأسطورة ملفقة حين درسها علميا في العصر الحديث علماء ومتخصصون منهم مثلا  العلامة طه حسين المعروف بسعة ثقافته التراثية الإسلامية، و بكونه يعتمد منهج الشك الديكارتي في أبحاثه مستندا على البراهين والأدلة التالية  (أولا : إنّ كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا.

ثانيا : إن المصدر الوحيد الذي تكلم عنه وعن حكايته هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب، ومقطوع بأنه وضّاع ( يؤلف الأحاديث ويضعها على لسان النبي أو أصحابه ) .

ثالثا : إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض في منتهى البلاهة والسخف.

رابعا : عدم وجود تفسير مقنع لسكوت الخليفة الثالث عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، وعمار وغيرهم.

خامسا : قصة الإحراق وتعيين السنة التي تعرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر.

سادسا : عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان.وقد انتهى طه حسين إلى القول الحرفي  التالي: إن ابن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة، ولا وجود له في الخارج /الموسوعة الحرة مادة عبد الله ابن سبأ).

ومن المستشرقين والمؤرخين الأجانب الآخذين بالمنهجيات الحديثة الذين توصلوا الى ذات النتائج التي توصل إليها طه حسين نذكر العلماء الأوروبيين والعرب  التالية أسماؤهم : برنار لويس، فريدلندلر، كايتاني، وفلهاوزن و علي الوردي وكامل الشبيـبي، وأخيرا أحمد عباس الصالح.

إضافة إلى ما سبق فقد آثرنا عدم التطرق إلى كتاب مهم في هذا المضمار للسيد مرتضى العسكري عنوانه "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" ويقع في 940 صفحة، لم نتطرق لهذا الكتاب رغم أنه  مكتوب  بمنهجية و موضوعية عاليتين، وتوثيق احترافي ممتاز لأن مؤلفه مفكر إسلامي شيعي، قد تعتبر شهادته مجروحة في موضوع ابن سبأ، وربما نكون قد ظلمناه بإغفال كتابه، ولكننا نجد مندوحة في ذلك للحفاظ على المنهجية التي نختطها في الكتابة. نقول هذا مع أن الكتاب و مؤلفه لا يحتاجان لإنصافنا بعد أن أنصفهما مفكرون عديدون من الجهة المقابلة منهم مثلا المصري د. حامد حفني داود وأطراهما الأزهر الشريف في مجلته الرسمية في مناسبتين.  هذا بخصوص اليهودي عبد الله  ابن سبأ فماذا بخصوص حديث الغدير وهل هو من مخترعات "الفرس المجوس بعد أن وضعوا العمائم الشيعية على أهدافهم القومية السرية" كما توحي أقوال حسن العلوي؟

يعتبر حديث "غدير خم"، في كتب الحديث والمساند والصحاح السُنية حديثا نبويا صحيحا لا غبار عليه، وبهذا فلم يخترعه الشيعة الفُرس و لا مَن هم أقدم منهم في التشيع كعرب العراق والجزيرة الذين تشيعوا قبل الإيرانيين بما يقرب من الثمانية قرون، إذا اعتبرنا أن التأسيس والتبلور المجتمعي للطائفة الشيعية بين عرب العراق بدأ مع إمامها محمد الباقر المتوفى سنة 732 ميلادية، فيما بدأت إيران بالتشييع القسري في عهد الشاه إسماعيل الصفوي ( الصفويون إذريون أتراك وليسوا فرسا كما قلنا) المتوفى سنة 1524  ميلادية، بل أورد هذا الحديث أئمة وعلماء ومؤرخون ثقاة  من أهل السنة في مساندهم وكتبهم من بينهم مائة وعشر صحابي يبدأون بالإمام علي بن أبي طالب ذاته وينتهون بيعلى‏ بن مرّة بن وهب الثقفي. و رواه من التابعين ( الجيل اللاحق لصحابة النبي )  سبعة وعشرون تابعيا يبدأون بأبي راشد الحُبراني الشامي وينتهون بأبي يسار الثقفي،  نذكر من هؤلاء وأولئك  النماذج والمناسبات  التالية على سبيل المثال لا الحصر:

- مسند أحمد ، رقم الحديث 915 .

- مسند أحمد ، رقم الحديث 906 .

- مسند أحمد ، رقم الحديث 1242 .

- مسند الترمذي ، كتاب المناقب ـ رقم الحديث 3646 .

- سنن بن ماجة ، رقم الحديث 118 .

- خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب / للحافظ النسائي : 176 حديث رقم 94 و95 .

- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 2 لابن عساكر: 53 .

- الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتي : 122 .

-ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ج 4 - ص 113 .

-ابن حزم : الفصل - ج 4 - ص 148 .

-صحيح مسلم : ج 7 - ص 122 - 1

-النسائي : الخصائص - ص 39 - 40 - 41 .

-المحب الطبري : ذخائر العقبى - ص 67 .

-ابن المغازلي : المناقب - ص 29 - إلى ص 36 .

-الشهرستاني : الملل والنحل - ج 1 - ص 163 .

-ابن حجر العسقلاني : الإصابة - ج 2 - ص 15 - وأيضا ج 4 - ص 568 .

-المقريزي : الخطط - ج 2 - ص 92 .

-الإمام أحمد في مسنده : ج 1 - ص 331 ط 1983 .

-البيهقي : كتاب الاعتقاد - ص 204 - وأيضا 217 ط بيروت - 1986 .

-السيوطي : الجامع الصغير - ج 2 - ص 642 .

-السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 169 .

-المحب الطبري : الرياض النضرة - ج 2 - ص 172 .

-ابن خلكان : وفيات الأعيان - ج 4 - ص 318 ، 319 .

-الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد - ج 7 - ص 437 .

-ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج 1 - ص 109 .

- وحتى الفقيه السلفي المتشدد ابن تيمية، المعدود من ألد أعداء الشيعة والتشييع، أورد هذا الحديث نقلا عن صحيح مسلم الذي قال فيه ( حديث صحيح لا مِرية فيه / كتاب حقوق أهل البيت ص 13 ). وهناك المزيد من المصادر الأمهات ولكننا سنكتفي بهذا المقدار من المراجع لئلا نثقل الدراسة بما هو ليس من انشغالاتها الرئيسة. وهكذا يتضح لنا أن ادعاء حسن العلوي أن حديث الغدير حديث موضوع أو مخترع ليس أكثر أو أقل من ادعاء لشخص يجهل حقيقة الموضوع.

ولكي لا نطيل ونحمل هذه الدراسة أكثر من طاقتها وإطارها المنهجي سنعمد الى ذكر عناوين الموضوعات المهمة الباقية في الكتاب متوقفين عند ما يبدو لنا مهما وغير مكرر:

  • تحت عنوان " المجوس يلبسون العمامة" يهاجم المؤلف " أول بذرة إمامية ممثلة باليهودي عبد الله بن سبأ" وقد أعطينا هذه الشخصية حقها من التمحيص والدراسة  في ما سلف، ثم ينظم جردا مختصرا بالفرق والبدع التي يقول بأن زعماء غالبيتها من الأعاجم ويذكر أن عدد هذه الفرق هو(  اثنان وثمانون فرقة منها : 34 فرقة إمامية و 12 كيسانية و ثماني فرق للزيدية والغلاة المتطرفين / ص 39 وما بعدها ) وقد توزع (سوء النية والمغالاة) كما يقول حسن على هذه الفرق إلا فرقة أو فرقتين صفتهما الاعتدال.

  • ثم يذكر أمثلة على هذه الفرق ويبدأ بالحنفية وهم اتباع محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بمحمد بن الحنفية، ثم فرقة الحسينية نسبة إلى الإمام الشهيد حسين بن علي بن أبي طالب، فالزيدية فالإسماعيلية وغير ما تقدم. ويختم حسن العلوي جرده لهذه الفرق بالحكم الباتر والقاطع التالي  التالي ( هذه فرق الإمامية وحدها، وإلى جانبها فرق انسلخت عن المرجئة والخوارج لكنها تتفق على هدف مركزي واحد هو كما جاء في رسالة شقيق المازيار إلى الأفشين ، أن يعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم/ ص 41 ).

  •  أي أن العلوي يتهم هذه الفرق الإمامية صراحة وعلنا وبكلام غير قابل للتأويل بأنها تريد العودة الى بسط الديانة المجوسية التي كانت سائدة أيام العجم و القضاء على الإسلام. ومن الطبيعي ألا نجد أي توثيق رقمي مباشر أو غير مباشر أو معلومات عما دعاه حسن "رسالة شقيق المازيار" ومن هو هذا المازيار، وهل هو نبات أم حيوان، سائل أم  غاز أم جماد؟ فلا جواب بهذا الخصوص، ولكننا لن نتركه ونترك "مايزياره" وسنعود إليهما عما قريب لنكشف هذا الفرية التاريخية.

  •  إنما يكفي "صاحبنا" جهلا بالتراث العربي الإسلامي ليحكم عليه السامع أو القارئ بأنه يقول كلاما لا يقوله إلا أهبل أو فاقد، يكفيه جهلا أنه جمع أجزاءً من المرجئة والخوارج في أقنوم واحد هو التشيع الإمامي. والخوارج أشهر من نار على علم، فهم فرقة جذرية و ثورية انشقت وخرجت على الخليفة الرابع، الإمام علي بن أبي طالب، وحاربته لأنه وافق على التحكيم مع بني أمية ولم يقاتلهم ويقضي على انفصالهم بإقليم الشام عن الدولة الإسلامية، وانتهى الخوارج  بأن اغتالوا الخليفة علي غدرا وهو يؤدي صلاة الفجر في جامع الكوفة بسيف أحدهم هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي. أما المرجئة فهم فرقة إسلامية أخرى، هي على النقيض تماما من الخوارج ومبادئهم وسلوكهم،  لأنهم قالوا بالإرجاء "تأجيل الحكم الى يوم القيامة"  فمالوا إلى التهدئة والانتهازية و رفض اتخاذ أي موقف منحاز بعد "الفتنة الكبرى" ومقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وحرب صفين، فقالوا بالإرجاء أي تأجيل إصدار أي الحكم معياري على المتصارعين إلى يوم القيامة لتولاه الله تعالى يومئذ. وأصبحت فكرة الإرجاء فيما بعد الفلسفة الرسمية للدولة الأموية ولجميع الدول الظالمة التي جاءت بعدها والتي تحاول استغفال المظلومين وتسويغ الاستعباد والخنوع وعدم الثورة بقولها بالإرجاء .. أما "العبقري" حسن العلوي فقد مزج الثلج والنار في وعاء ذكائه وجمع بين بعض الخوارج الثوار الجذريين والذين كانوا -إذا جاز لنا استعمال مصطلحات عصرنا الحاضر-  على يسار يسار قائدهم علي بن أبي طالب، وبين بعض الانتهازيين وعديمي الموقف كالمرجئة الذي صاروا لاحقا صوتا وخطابا " ليمين اليمين" ممثلا بدولة أمراء وتجار ومتغلبي  بني أمية.

  • بخصوص " المازيار" الذي حشره حسن العلوي في كتابه ضمن أعمدة التآمر الفارسي المجوسي الصفوي، وبمراجعة المصادر التاريخية، نعلم أنه كان موظفا عباسيا مكلفا بجمع أموال الخراج، و قد يكون فارسيا وقد لا يكون، وكان يعمل لدى آل طاهر حكام ولاية خراسان في عهد الدولة العباسية زمنَ المعتصم، وأنه رفض تسليم الأموال للوالي عبد الله بن طاهر وكان يفضل تسليمها للخليفة المعتصم نفسه. ثم ثار المازيار على آل طاهر وقاد جيشا كبيرا ودارت الحرب سجالا بينه وبين أعدائه، ثم هزم وأسر، وأرسله ابن طاهر الى بغداد دون أن يرسل معه ما غنمه من أموال وكنوز هائلة!  فسأل المعتصم المازيار عن رسائله الى الأفشين ( والتي أشار إليها حسن العلوي ونسبها إلى شقيقي الرجلين واعتبرها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش )، و الأفشين متمرد آخر ضد دولة بني العباس ولكن من منطقة تسكنها غالبية غير مسلمة أو أنها حديثة العهد بالإسلام، وقد حارب الأفشين المتمرد ضد الدولة العباسية  بابك الخرمي وانتصر عليه واستباح مدينته. وقد أنكر المازيار أمام المعتصم تلك الرسائل فضرب بالسياط حتى مات بأمر من الخليفة العباسي نفسه رافضا أن يعترف بها، وصلب على جسر ببغداد إلى جانب متمرد آخر سنتطرق له لاحقا هو بابك الخرمي. وتجدون المزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع في "البداية والنهاية /ج10"  لابن كثير ..

وسنواصل استعراض هذه المحاور في كتاب "دماء على نهر الكرخا" في الجزء القادم وهو الثامن ونتوقف عند عدد افتراءات حسن العلوي في طوره الصدامي ومنها أن الفرس قتلوا من العلويين أكثر ممن قتلهم بنو أمية، وعن موقفه من الثورة البابكية الخرمية وكيف شطب بسطر ونصف عليها وعلى على كتاب الباحث الراحل  د. حسين قاسم العزيز عنها إضافة إلى تفاصيل أخرى .

 .....................................................................................

                 الفرسُ هم قتلة العلويين و البابكية إباحيون! /8-9

بهدف الاختصار سنمر مرورا سريعا على ما تبقى من فصول الكتاب المتشابهة والمكررة من حيث المضامين، لاعتقادنا بأننا حاولنا كفاية كشف جذور هذا الكتاب والفكر الذي يحمله ولا ضرورة بالتالي للتوقف عن كل شاردة و واردة على ما في ذلك من ضرورة منهجية لا تسمح بها طبيعة هذه الدراسة النقدية السريعة، ولكننا سنواصل الإشارة الى بعض العناوين التي نحسبها مهمة في الفصول الباقية للتذكير بها والتعليق عليها سريعا وسنختار منها للدراسة المفصلة واحدا أو ثنين :

-يُحمل حسن العلوي الفرس في قيادة الحركة العباسية ودولتها لاحقا مسؤولية المجازر التي ارتكبت ضد الأمويين خلال الثورة التي قادها الهاشميون من بني العباس التي أطاحت بهم ويأتي بمثال أخرق تماما هو ما حدث  لسليمان بن هشام بن عبد الملك الذي توسل الى أبي العباس السفاح أن يعفوا عنه، وكاد السفاح أن يعفو عنه لولا تدخل شاعر يدعى سديف الذي قال بيتين خطرين من الشعر هما :

لا يغرنكَ ما ترى من رجالٍ ... إنَّ تحتَ الضلوعِ داءً دويا

      فضعِ السيفَ وارفعِ السوطَ ...  حتى لا ترى فوقها أمويا .

فقال له هشام قتلتني يا شيخ! وفعلا، أمر السفاح به فقُتل. ولكن حسن يُحمل الفرس المسؤولية لأن الوزير  أبا مسلم الخراساني هو الذي سمح له بالدخول على السفاح ليعفو عنه، و ينسى أن الشاعر الذي حرَّض على قتله، أي سديف بن إسماعيل بن ميمون، هو شاعر عربي وليس فارسي و تقول سيرته إنه ( سديف بن إسماعيل بن ميمون شاعر حجازي من أهل مكة كان إعرابيا بدويا متعصبا لبني هاشم ضد بني أمية وكان شاعرا مفلقا وخطيبا مصقعا).

-يحمل حسن العلوي الفُرس مسؤولية قتل 170 قائدا علويا مقابل 36 قائدا علويا قتلهم الأمويون، وطبعا لا وجود للتوثيق والأدلة المنهجية وقوائم الأسماء مع هذه الأرقام. وحين تقرأ التفاصيل تجد أن العلويين الذين  يقول حسن إنهم قتلوا بأيدي الفرس  في عهد الدولة العباسية إنما قتلوا بأوامر مباشرة من خلفاء بني العباس ولكن المؤلف يحمل الوزراء الذين كانوا في الغالب من أصول فارسية  مسؤولية مقتل هؤلاء العلويين، وعلى افتراض صحة هذه المعلومة بخصوص وزير أو وزيرين فهل يعني ذلك تحولها إلى ظاهرة خلاصتها  أن الوزير - وليس الخليفة -  هو الامر الناهي في دولة بني العباس والذين لم تنكب أسرة حاكمة أخرى وزراءها كما فعلوا؟ يأتي المؤلف بمثال على ما ذهب إليه هنا و هو حين  قتل المهدي أربعة من أولاد الإمام علي في عهد وزيره الفارسي إبراهيم بن دكوان وأمثلة مشابهة كهذا المثال على ص 56 . إن المؤلف بعقليته هذه، يريد إقناعنا أن رئيسه السابق صدام حسين ليس هو المسؤول عن إعدام عشرات الآلاف  من الزعماء والساسة و رجال الدين العراقيين المعارضين له وحتى عن إعدام العشرات من القياديين في حكمه ومن المواطنين العاديين في جرائمه الشهيرة كالأنفال وحلبجة والأهوار والمقابر الجماعية  وغيرها بل المسؤول هو نائب الرئيس "الكردي" طه محيي الدين معروف، أو  وزير خارجيته "النصراني !" طارق عزيز، وهذا يكفي لتبيان تهافت هذه العقلية. ويمكن إثبات تهافتها أكثر بإجراء دراسة إحصائية علمية عن أصول وزراء الدولة العباسية القومية وعدد الضحايا لنكتشف الكثير من الأسماء والمفاجآت وهذا ما لا تسمح به طبيعة هذه القراءة النقدية المكثفة ولكننا نشير إلى مثال كبير الدلالة هو ما يعرف بنكبة البرامكة الأسرة الفارسية التي احتكرت الوزارة للعباسيين وما أصابهم من قتل وتشريد ومقتل أبو مسلم الخراساني بتدبير من الخليفة العباسي المنصور ومقتل كبار أسرة الوزير الفضل بن سهل السرخسي وهو فارسي المولد أيضا، وغيرهم عديدون، ما يؤكد ضعف وهوان هذه الأسر الفارسية في مواجهة خلفاء بني العباس خصوصا في طور ازدهار وصعود دولتهم، وعموما فوزراء الدولة العباسية البالغ عددهم سبعة وتسعين وزيرا ليسوا كلهم أو حتى غالبيتهم من الفرس بل ربما تثبت لنا دراسة أنسابية متخصصة أن أغلبهم كانوا من العرب"1" وهذا ما يقول حسن عكسه تماما على ص 61 تحت عنوان " الخلافة للعرب والوزارة للفرس" دون دليل أو توثيق كعادته.

وأخيرا، ألا يكفي بني أمية، الذين يفاخر حسن العلوي بكونهم عربا أقحاحا، أنهم قتلوا الحسين بن علي سبط النبي العربي الكريم وأكثر من سبعين من صحبه وآل بيته  في موقعة الطف بكربلاء، وسبوا نساء وأطفال الأسرة النبوية وقادوهم  وهم في حالة يرثى لها نحو عاصمتهم دمشق حاملين رؤوس الشهداء على الرماح؟ وعطفا على ما سبق، فحسن يسجل على الفرس "جريمة" أخرى في ص55 وهي أنهم ( ابتدعوا الاحتفال بشهيد كربلاء عليه السلام ومن استشهد معه في العهد الأموي )!

-يهاجم المؤلف الثورة البابكية ويكرر الأوصاف التي قالها بحقها كتبة ومؤرخو البلاط العباسي الرسميون  بأنها حركة إباحية مجوسية تستهدف ضرب الإسلام، ويهاجم صاحب" دماء على نهر الكرخا" الباحث الماركسي العراقي الراحل د.حسين قاسم العزيز  الذي كشف النقاب للمرة الأولى عن هذه الثورة المساواتية في كتاب صدر له في السبعينات فيقول عنه ( إن الدكتور حسين قاسم العزيز يمثل المنهج الأممي في تحليلاته الذي يستخدم في البلاد العربية ضد التيار القومي فيها وكان كتابه عن البابكية نموذجا صارخا لهذا الاتجاه الشعوبي/ ص 77 ). فيا للخفة والطيش ! بسطرين فقط يشطب حسن العلوي على مؤلف د. حسين قاسم العزيز  الضخم والذي يقع في ما يقرب من 400 صفحة ومدعم بآلاف، نعم ، آلاف المصادر والوثائق والخرائط حول هذه الثورة الكبرى في تاريخ الشرق، وهو على الأرجح أطروحته لنيل شهادة الدكتوراة.

إن د. العزيز – طابت ذكراه - والذي تشرف كاتب هذه السطور  بالتتلمذ على يديه في كلية الآداب / جامعة بغداد في السبعينات من القرن الماضي، قد حاول في كتابه ذاك إنصاف تلك الثورة الفلاحية المساواتية الشجاعة، الرافضة للاستغلال الطبقي والضرائب الثقيلة على الفلاحين والتي بلغت مناصفة المحصول أي 50% مع الدولة العباسية زمن المنصور ثم ارتفعت الى ثلاثة أخماس، وكان الفلاحون الهاربون من قراهم لعدم قدرتهم على دفع الخراج يعادون إليها مقيدين وتسجل أسماؤهم على أقراص رصاصية تعلق في أعناقهم ومن كان يتخلف عن سداد ضريبة الخراج  يعذب عذابا شديدا / ص 81 "البابكية الانتفاضة ضد الخلافة العباسية" ، و قد نجح د.العزيز في ذلك نجاحا باهرا، فأزال عن سيمائها الكثير من الافتراءات والتشويهات والأكاذيب ومنها ما يكرره ببلاهة حسن العلوي كالإباحية الجنسية  – والبابكية الخرمية هم الأكثر توقيرا واحتراما يداني التقديس للمرأة بين جميع الفرق والنحل المسلمة وغير المسلمة كما يكشف لنا د.العزيز في كتابه – و القسوة والدموية ( ولعل عملية إعدام  قائد الثورة بابك الخرمي في سامراء بأمر من المعتصم لم يسبق أن اقترفها ملك أو سلطان عربي ولا أعجمي في تلك العصور حيث  أمر المعتصم السياف  بقطع أيدي وأرجل بابك ثم ذبحه ثم شق بطنه وقطع رأسه وتعليقها في خراسان وصلب جسده في سامراء) وهذه  الاتهامات لم يتأخر السائدون وكتابهم عن إلصاقها بجميع الثورات والثوار في جميع  الأزمنة، ولكن حسن يكررها جاهلا أصلا بأن هذه الثورة وثوارها وقائدها بابك - العراقي الأصل فقد ولد في المدائن ورحل مع أمه الإذرية إلى موطنها لاحقا-  إنما حدثت في أصقاع بعيدة في إذربيجان الحالية، و كانت تخضع لولاة غرباء وقساة علاقتهم كانت مع الإقطاعيين وأصحاب الأراضي وليس مع الناس الذين عليهم أداء ضريبة الخراج الباهظة إضافة الى الجزية التي تؤخذ من غير المسلمين وأحيانا حتى من الذين أسلموا، كما يسجل البلاذري في " فتوح البلدان/ص 374"  لدولة الخلافة ليعيش أهل البلاد الفقراء على الكفاف أو يموتوا بالآلاف جوعا.

  ثم لماذا يقفز حسن وأمثاله  على أن هذه الثورة الاجتماعية و الطبقية التي استمرت عشرين عاما تقاوم ظلما فادحا وتحاول بناء مجتمع عادل مساواتي شبيه بالمجتمع المساواتي القرمطي في العراق الجنوبي وشرق الجزيرة العربية، وأن هذا المجتمع  المسلح صمد عشرين عاما  بوجه جيوش الدولة العباسية وربح جميع المعارك العسكرية التي خاضها ضدها ماعدا المعركة الأخيرة التي قاد الجيوش العباسية  فيها الغلام التركي الأفشين ولحق به الغلام الثاني الوصيف بغى الكبير بجيش آخر فحاصرا قلعة "البذ" مركز الانتفاضة البابكية  لفترة طويلة انتهت بتدميرها.

  إن الأفشين هذا الذي انتصر على بابك وغدر به ثم أرسله الى المعتصم في سامراء ليصلبه ويمثل بجسده، الأفشين ذاته  سيواجه المصير نفسه وسيصلبه المعتصم لاحقا بتهمة الزندقة وإخفاء المجوسية أيضا، إذ لم ينفعه ويشفع له كما يبدو أنه قاد المجاهدين تحت راية بني العباس ضد "المجوسي" بابك!  ولكنّ مؤرخين آخرين من بينهم ابن الأثير في " الكامل في التاريخ"  قالوا بأن سبب إعدامه يتعلق بخلافات على الغنائم بينه وبين خليفته المعتصم ! 

إن صاحب" دماء على نهر الكرخا" بتعريضه بالباحثين المرموقين من أمثال د. حسين قاسم العزيز - و قد لا يفلت من هذا التعريض زميله الباحث فيصل السامر وهو أول من تناول بالبحث المنهجي ثورة الزنج في البصرة، في كتاب صدر باكرا في سنة 1954 والذي دفع ثمن خياراته الفكرية الحداثية غاليا حين أسقط نظام البعث عنه الجنسية العراقية لاحقا ولكن السامر لم يخضع أو يتراجع عنها-   إن حسن يفهم السجلات والمناظرات البحثية والأكاديمية  بين المفكرين  على طريقة البلطجية  أي بوصفها معركة بالقبضات والسكاكين يفوز بها من كان الأقوى والأكثر كذبا وافتراء وأفحش لسانا  من غيره.

في الجزء القادم ، التاسع ، والأخير من هذه الدراسة نستكمل هذه القراءة النقدية مركزين على ماهو مهم وضروري وليس عند ما هو مكرر وإنشائي وهو الغالب،  خاتمين ذلك الجزء  بمجموعة من الخلاصات والاستنتاجات ذات الصلة.

1-رابط على النت يحيل الى قائمة تقريبية بأسماء وزراء الدولة العباسية وسنوات استيزارهم :

http://www.islamichistory.net/forum/showthread.php?t=7044

.................................................................................

                       بين ابن العلقمي وبدر الدين لؤلؤ!  /9-9 والأخيرة

يستمر حسن العلوي في نهجه التأليفي في الفصول المتبقية من الكتاب فهو يكرر اتهاماته وينثرها يمينا ويسارا، بلا حساب ولا توثيق علمي، إلا في النادر، وكان يمكننا أن ننهي القراءة عند هذا الحد نظرا لتشابه ما يطرحه الكاتب من ملاحظات وآراء ولكننا آثرنا التوقف بالشرح عند أمور محددة لأهميتها مشيرين إلى بعضها الآخر مجرد إشارة ومن ذلك :

في الفصل الثامن وعنوانه " البويهيون الفرس على صهوة الحكم : قميص علي فوق أسنة الحراب البويهية" وبعد أن يخلط المؤلف الحابل بالنابل، معددا الكثير من ممارسات البويهيين الإجرامية فهم لم يكونوا يختلفون عن سائر الفئات الحاكمة والحركات والشخصيات التي هيمنت على دولة الخلافة العباسية. و عموما، فلم تكن دولة بني العباس بحاجة لمن يعلمها القسوة والظلم كسائر الإمبراطوريات الكبرى التي قامت بحد السيف، ولكن صاحبنا يغير الاتجاه فجأة فيلوم البويهيين لأنهم لم يفوا بوعودهم للعلويين ويبادروا إلى القضاء على الخلافة العباسية ويسلمونهم رأس الدولة؛ وبين هذه القفزات التاريخية التي لا تدل على المرح أو الفطنة يضيع التاريخ ومعناه.

لنأخذ مثلا آخر ولنعد إلى الوراء قليلا: يعنون المؤلف الفصل السادس من كتابه بعبارة "لماذا تشيع الفرس والخلافة في قريش ؟" وفي مطلع الفصل يقول ( هذا السؤال هو الكتاب ) ويقصد أنه اكتشف السر الذي دفع الفُرس إلى التشيع رغم علمهم بأن الخلافة يجب أن تكون في قبيلة قريش العربية؟ والسر هو أن الفرس حاولوا السيطرة على الدولة العربية بأن رفعوا رايات التشييع وابتكروا منصب نائب الإمام! يا سلام!

 إن هذا السيناريو الذي يرويه لنا المؤلف يصلح ليكون فيلما من نوع الرسوم المتحركة "أفلام كارتون " : لنتصور الفُرس كأمة تعدادها مائة شخص مثلا! وهم نائمون على قمة جبل أو في سفينة أو قطار طويل، ثم يخطر لهم خاطر أو تأتي ساحرة من عالم الغيب وتخبرهم أن عليهم أن يتشيعوا ويخترعوا منصب نائب الإمام،  فينهضون من النوم ويطبقون ما أمرت به الساحرة، ولكن الأئمة العلويين يرفضون تشيعهم لأنهم لا يثقون بهم، ورغم ذلك ينجح الفُرس في التحول إلى شيعة اثني عشرية   وهاهم يدمرون الإسلام والعرب و يعيدون أمجاد كسرى والديانة المجوسية. لقد حدث هذا كله، ولكن المشكلة هي أن الفُرس حافظوا – رغم ذلك - على الدولة العباسية و رفضوا إلغاءها وتحويلها إلى دولة شيعية علوية.. ثم تظهر كلمة: النهاية ! أفلام كارتون، أليس ذلك؟

 لسنا نزدري الرجل أو نحط من قدراته العقلية ولكنه يفكر بهذه الطريقة فعلا، فيسقط من حسابه أن الفرس وعموم الإيرانيين كانوا مسلمين سُنة، وتحديدا  على المذهبين الشافعي والحنفي، طوال تسعة قرون تقريبا تلت معركة القادسية سنة 636 م، وأنهم لم يتحولوا إلى التشييع خلال أسبوع أو ثلاثة، بل بعد عملية دموية و إبادية قام بها الصفويون ضد الفرس وغير الفرس في إيران واستغرقت  قرنا كاملا ( من سنة 1502 التي تولى فيها الشاه إسماعيل الصفوي الحكم وحتى سنة 1603 وهي سنة استولى فيها عباس الأول على إذربيجان وشيراز وأرمينية والعراق وأجزاء من أفغانستان، وأن الصفويين أنفسهم لم يكونوا فرسا مجوسا، بل أسرة وفئة حاكمة من الإذريين الأتراك المسلمين السُنة وكان لشاهاتهم  أسبابهم الدافعة لهذا التحول الطائفي، ونحن هنا لا ندافع عنهم أو نهاجمهم بل نضع الحدث في سياقه التاريخي الصحيح  ضمن سيرورة الصراع العالمي بين القوى الكبرى الثلاث آنذاك ممثلة بالدولة العثمانية السنية، و الدولة الصفوية التي صارت شيعية، والدول المسيحية القائمة آنذاك شمالا، وليس كمؤامرة سوداء حاكها في ليلة ليلاء  "العقل الفارسي المجوسي الصفوي" المعادي للعرب والإسلام كما يريد حسن العلوي اقناعنا.

ننتقل الآن إلى قضية تاريخية بالغة الحساسية ناقشها المؤلف وخصص لها فصلا كاملا ونعني بها قضية الوزير  ابن العلقمي وزير آخر خلفاء الدولة العباسية المستعصم بالله وما قام به خلال الغزو المغولي وسقوط بغداد.

قبل أن نتطرق لهذا العنوان وكيف عالجه المؤلف نؤكد أن الحكم القيمي والتاريخي الذي يتبناه كاتب هذه السطور على هذه الشخصية التأريخية لا يختلف نوعا عن حكم مؤلف "دماء على نهر الكرخا"، فأنا أنظر إلى ابن العلقمي كخائن لوطنه و مجتمعه ودينه و دولته التي كان وزيرها الأول، وقد كان له دور كبير في تسهيل سقوط بغداد واحتلالها من قبل الغزاة المغول ولكنه لم يكن السبب المسهِّل الوحيد في سقوطها، فالخليفة العباسي وقائد جيوشه يتحملان جزءاً كبيرا من مسؤولية الهزيمة. ثم أن الدولة العباسية ككل كانت في طور أفول و تحلل وانهيار بدأ منذ عدة عقود، بل أن بعض الباحثين يعتقد بأنها دخلت طور الاحتضار مع بدء ما يدعونه العصر العباسي الثاني "عصر الحرس التركي" أو حتى مع بدء الصراع السلجوقي البويهي في القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي) ثم جاءت الضربة المغولية لتكون رصاصة الرحمة وضربة الختام.

 غير أنني أختلف تماما مع المؤلف في عدة أمور تتعلق ببواعث موقفه السياسية وهي عنصرية وطائفية واضحة تستهدف أمة معينة وطائفة محددة هما الفُرس والتشيع و وصمهما بالخيانة، و في طريقته التي تقوم على سلخ هذه الشخصية " ابن العلقمي " ولحظتها الزمنية الوقائعية عن السياق التاريخي العام الذي حدثت فيه، و في تركيزه على هذه الشخصية لأنها من طائفة معينة وسكوته عن شخصيات لا تقل عنها في الخيانة والتعاون مع الغزاة المغول وفي مقدمة هؤلاء حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ لأنه من طائفة أخرى، وليس من طائفة ابن العلقمي، وسوف نتوقف عند هذه الشخصية بعد قليل على سبيل المقارنة التاريخية وليس على سبيل المفاضلة .

 والحقيقة فلم يكن حسن العلوي الشخص الوحيد من الكتاب القوميين والبعثيين والإسلاميين المعاصرين الذي لم يتطرق لشخصية بدر الدين لؤلؤ، بل يشاركه في ذلك غالبية الذين كتبوا في هذا الموضوع  التاريخي، وأخيرا نختلف مع المؤلف  في سكوته التام وعدم إشارته إلى عروبة ابن العلقمي فالرجل ليس "فارسيا مجوسيا" كما قد يفهم البعض  بل هو من قبيلة عربية مشهورة هي بنو أسد، وهذا السكوت إذا ما وضع في السياق العام لكتاب "دماء على نهر الكرخا"  سيوحي قطعا للقارئ أنه فارسي أيضا كسائر الذين تطرق إليهم حسن في كتابه على سبيل التشنيع وخلط الحق بالباطل لتحقيق أهداف عنصرية وطائفية.

أشير في هذا السياق إلى أنني شاركت أستاذي الراحل هادي العلوي في كتابة دراسة مشتركة حول الظاهرة الطائفية في العراق سنة 1996 ، تطرقنا فيها لقضية ابن العلقمي، تحولت لاحقا إلى كتاب حول الموضوع،  وأسمح لنفسي، هنا ، أن انقل تلك الفقرة من الدراسة لأهميتها ولأخذ فكرة عن الموضوع، وما تزال مسودات الدراسة  بخط يدي وخط يد الراحل  بحوزتي  ( لقد مهد اضطهاد الشيعة الاثني عشرية لخيانة ابن العلقمي في النهاية، وهو محمد بن أحمد من بني أسد، ومع أنه شيعي فقد ظل وزيراً للمستعصم أربعة عشر عاماً، ثم تولى الوزارة لهولاكو لأشهر قليلة ثم مات فتولاها ابنه، وينبغي اعتباره مسؤولاً عن سقوط بغداد في أيدي المغول. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد رواية عن محاولة مغولية سابقة لاقتحام بغداد فشلت أمام المقاومة البغدادية. وكانت مقاومة منظمة وقوية منذ حرب الأمين والمأمون وقد توصل البغادة إلى صنع قوارير النفط الطيار التي نسميها اليوم " قنابل المولوتوف " واستعملوها للمرة الأولى في صد الهجوم السلجوقي الأخير على مدينتهم في أواسط القرن السادس. وتشير تفاصيل السقوط الأخير لبغداد إلى وجود ترتيبات جرت لمنع المقاومة البغدادية من التحرك. ولا شك أن المسؤول عن ذلك هو ابن العلقمي، ونحن نرى في هذا الوزير بدايات ظهور العمالة للأجنبي في تاريخ الإسلام، أما محاولات الكاتب السعودي أسعد حذيفة الغامدي في كتابه " العراقيون والمغول " والذي أصدره في أعقاب عاصفة الصحراء الأمريكية على العراق سنة 1991، فقد استهدف فيه وصم العراقيين كلهم شيعة وسنة ومسيحيين بالعمالة للمغول، فهي محاولات بائسة. "السرطان المقدس : الظاهرة الطائفية في العراق"  ص32 و ما بعدها/ علاء اللامي / دار الانتشار لعربي- لبنان )....

إن حسن العلوي يسلخ خيانة ابن العلقمي عن سياقها التاريخي وظروفها الحقيقية ما يجعلها أقرب إلى الوصمة والسُبَّة منها إلى التحليل الموضوعي التاريخي المجرد، والواقع، فليس ثمة أحد من الباحثين المعاصرين المهتمين بشؤون التاريخ والتراث الإسلامي اتخذ موقفا مخالفا ومدافعا عن ابن العلقمي ربما باستثناء موقف متهافت لكاتب عراقي ينشر مقالاته في الصحافة السعودية والإماراتية هو رشيد الخيون. وقد حاول هذا الأخير تبرير خيانة ابن العلقمي وكاد أن يحوله  إلى "غاندي" زمانه و رجل السلام الأوحد الذي حاول انقاذ ما يمكن انقاذه، وهذا موقف متهافت أشد التهافت يسكت عن الكثير من الحقائق والمصادر التاريخية ويلوذ بمصدر أو مصدرين منحازين سلفا لابن العلقمي وحين نعلم أن هذا الكاتب هو واحد ممن صفقوا لاحتلال العراق ولنظام الحكم الذي جاء به المحتلون الأميركيون  يزول العجب. ومثله فعل كاتب إسلامي شيعي هو أحمد الزيدي الذي دافع عن ابن العلقمي وبرر خيانته بالقول إن الخليفة المستعصم بالله هو الذي امتنع عن دفع رواتب الجنود فامتنعوا بدورهم عن الدفاع عن بغداد!

وأخيرا فإن حسن العلوي وغيره حولوا ابن العلقمي من كونه وزيرا عباسيا خائنا إلى رمز أبدي لخيانة الشيعة والتشيع للدولة والمجتمع،  لكنهم، بالمقابل،  سكتوا عن أمثال ابن العلقمي في الطوائف الإسلامية الأخرى ومن هؤلاء حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ  المجايل لابن العلقمي فمن هو هذا الحاكم وماذا فعل؟

للإجابة على هذا السؤال وغيره لن نأتي بشيء من عندياتنا فقد يقال إن شهادتنا مجروحة بل سنكتفي بإيراد هذه الفقرة من بحث بقلم  الكاتب وسيم الشريف من مقالة منشورة على مدونته الشخصية على النت"1" ورد فيها :  ( ويشير رشيد الدين فضل الله - المعروف بـرشيد الدين الطبيب، وهو مؤرخ و طبيب من القرن الثالث عشر الميلادي، كتب في تاريخ المغول كتاب جامع التواريخ الذي يعتبر مصدراً هاماً في علم التاريخ ووثيقة مهمة عن الإلخانات - الى علاقات بدر الدين لؤلؤ الوطيدة مع المغول، فيذكر ان (هولاكو) قد أمر جيشه المرابط في بلاد الروم في سنة 655هـ /1257م بالتحرك الى الموصل عن طريق (أربل) فيعبر جسر الموصل ويرابط في الجانب الغربي من (بغداد). ولما حوصرت بغداد بالجيوش المغولية، أسرع بدر الدين لؤلؤ الى ارسال ابنه الملك الصالح ركن الدين اسماعيل على رأس جيش ليلتحق بجيش هولاكو. وقد تحدثت المصادر عن مساعدات وإمدادات بدر الدين لؤلؤ للمغول، وذكر ابن كثير هذه الامدادات بالحرف الواحد، انها (جاءت للمغول من صاحب الموصل يساعدونهم على البغادة)! كما أرسل هولاكو الى بدر الدين لؤلؤ رؤوس بعض القتلى من عظماء بغداد مع ابنه الملك الصالح ركن الدين اسماعيل لتعلق في الموصل! وعندما أبلغ الملك الصالح أباه بما حمله هولاكو من رسالته التي انطوت على التهديد والوعيد والزجر، أيقن ان المنايا قد كشرت له عن أنيابها، وأن سياسة المهادنة والاسترضاء التي اتبعها مع هولاكو، لم تنفعه في أزمته، فراح يفتش عن مخرج لها بعد أن ذلت نفسه، وهلع هلعا شديداً، فأسرع الى إخراج ما في خزائنه من تحف وأموال ولآلئ، وجواهر، وقصد بها إلى هولاكو لتقديم الطاعة والولاء بنفسه! وكان ذلك في التاسع والعشرين من رجب سنة 656هـ/1258م أي بعد سقوط بغداد بقليل، فأحسن استقباله، وأقرَّه على إمارة الموصل في السادس من شعبان من تلك السنة).

 

وفي الموسوعة الحرة، مادة بدر الدين لؤلؤ، تتكرر هذه التفاصيل بصيغ أخرى لنقرأ :  ( بعدما انفصل هولاكو عن بغداد بعد الوقعة الفظيعة، سار بدر الدين لؤلؤ لخدمته وطاعته وحمل معه الهدايا وتلطف به وقدم تحفا جليلة، منها جوهرة يتيمة، وطلب أن يضعها في أذن هولاكو فاتكأ ففرك أذنه، وأدخل الحلقة في أذنه ثم رجع إلى بلاده متوليا من قبله، وقرر عليه مالا يحمله، ثم مات في ثالث شعبان بالموصل سنة سبع وخمسين وست مائة وكان بدر الدين ممن كمل الثمانين. وبعد مماته تملك ولده الملك الصالح إسماعيل وتزوج بابنة هولاكو). وهذه المعاني والمعلومات يكررها بصيغ أخرى باحث آخر هو محمود الزيباوي "2"

 والسؤال الذي يطرح نفسه على الباحثين قبل المشتغلين في السياسة والأدب وغيرهما لماذا غاب الخائن بدر الدين لؤلؤ وغابت خيانته من كتاباتهم وأبحاثهم وخطاباتهم رغم أنه شخصية معروفة ولها تاريخها الموثق؟ لماذا اعتبر حسن العلوي خيانة ابن العلقمي "الأسدي" واحدة من خيانات "العدو الفارسي المجوسي الصفوي " ولم يذكر ولو بكلمة لؤلؤ وخيانته؟ هل يمكن التبرير أو الدفاع عن خيانة هذا أو ذاك ؟ كلا قطعا فنحن ضد الخيانة أيا كان القائم بها، و أيا كان زمكانها، أما أن يحاول البعض تسييس البحث التاريخي العلمي وتحويله إلى سلاح تشنيعي ضد هذه الأمة أو تلك الطائفة فهذا هو ما ينبغي رفضه وكشف جذوره الطائفية والعنصرية المتعفنة.  

*كاتب عراقي

1-مدونة وسيم الشريف

http://tarekhuna.blogspot.ch/2013/05/blog-post_1124.html

2-  مقالة الزيباوي

http://www.maaber.org/issue_april11/books_and_readings3.htm