أوراق من الذاكرة(6)

منجميون عراقيون في العمل

في صيف عام 1996،اكون قد اكملت  سنة عمل في موقع البوكسايت (محافظة الانبار/الصحراء الغربية، قرب التقاء وادي حوران بوادي الحسينيات)في وطن مصغر من الكرفانات، المتصلة، على شكل مربع مفتوح جزئيا من جهته الشمالية، باتجاه كرفانات الحمامات، والتي تبعد بمسافة عن المخيم. تراكم الزمن، أدى الى تطور رؤيتي للعمل، بعد اطلاعي على اغلب البحوث والتقارير الخاصة بخام البوكسايت، ومقارنتها بيوميات العمل، مع وجود طاقم عمل احترافي في استخدام المعدات وتقنيات العمل المنجمي. ومن مفاعيل، هذا التلاحم، زيادة في كم ونوع الانتاج الى عشرة اضعافه. وكان هذا الإشراق ينمو مع كابوسي المتجسد في سوء تغذية العاملين، الذين اكتفوا بالخبز والخاثر والتمر والخضروات، وأحيانا بجلب باجات " رؤوس غنم " نيئة، من قصابة الرطبة لرخصها هناك، يقومون بتنظيفها وطهيها
تدحرجت  ازمة الغذاء، لتصل كلاب المخيم، سيما واحدة تزامن ولادتها مع القحط، ولا يسد جوعها، بقايا الخبز، والتمر، والرقي، وهي التي ترضع جراءها، في حفرة تحت كرفان المطعم. وصادف في احد الايام التالية، وقبل عبورنا حوران، متوجهين للشغل، قنص احد الرعاة ضبع حاول الاقتراب من غنمه، فأخذت الضبع في سيارتي إلبيكآب ورميته تحت الكرفان، قرب الكلبة، وبعد ايام، اردت التأكد من صحة الجراء، فكانت الام قد اتت على كامل الضبع. مخيمنا كائن على الطريق الموصل الى عكاشات، ومن ثم الحدود، تم استخدامه بصورة نشطة من قبل المهربين، وتزامنا مع يومياتنا في التحدي. بعضهم متخصص بتهريب المكائن ومعدات الشغل(شفلات، حفارات، بلدوزرات، كريدرات...الخ)وبعضهم الاخر يهربون الأغنام العراقية الى دول الجوار، تحميهم سيارات مدججة بالرشاشات الثقيلة والمسلحين. هذه الجرأة في العلنية، اوحت الى فريق العمل، بأن هؤلاء المهربين مسنودين، او قولهم انهم يؤدون عملا لشخص مهم في الدولة، ويبدون أسفهم على المعدات المهربة، اكثر من غيرها. وفِي ذاك الوقت صادف ان يكون لي عملا اضافيا في منجم البنتونايت/ طريفاوي (الواقع في أقصى الغرب مجاور للحدود الاردنية والسعودية)وهو ايضا منفذ حيوي للتهريب، اصر وقتها (ابو عمر)على ضيافته لنا، وهو احد وجهاء البو علوان الذين يسكنون الديرة، قرب موقع العمل، واثناء تجاذبنا الحديث في امورنا وقتذاك، وعند ذكري للتهريب في منطقة حوران،لم يندهش، بل أضاف انه قبل ايام عبرت الاف الأغنام الى السعودية، وذكروا المهربين له، بأنها تخص رأس مهم بالدولة. تطابق المعلومات أكدت ان النظام بعد عام 1991طفت على سطحه وجوه ومراكز قوى، اصبحت تدير ماكنة الدولة العراقية بشكل ملائم لمصالحها. وبعد ايام رجعت الى موقع البوكسايت، وفِي احد مساءات العودة الى المخيم، صادفنا سيارة للمهربين، وهي تلقي بخروف نافق، وتنطلق بعدها مسرعة، أوقف (ابو طارق )الشفل، قربها ونزل مع سكينه، وسط استغرابي، فتح احشاء الخروف وأخذ المعلاق وملحقاته، وضعها بكيس، ثم سحب الخروف الى كيلة الشفل، وعاد بِنَا الى المخيم، الخروف اصبح وليمة لكلاب المخيم، اما المعلاق، فقد تم طهيه، من قبل ابو طارق، وهو الطباخ الحريف، ودعا الجميع شاركت بها، والتي كان لها مذاق لذيذ وسحري. ادركت وقتها ان القائد الذي يبني اعشاشه على السائد، لص يستثمر في الاجماع، والآخر الذي يدعو الى نسفه، هو نبي للقيامة.... يتبع