رحلة الى بدايات التاريخ الانساني/(2)

الكاتب وبعض أصدقائه قرب الأهوار العراقية الجنوبية

باسم صالح 
ابحث عني الى ان تجدني
انا في البرية وقد انتهيت من اقتلاع الأشواك 
والان سأزرع كرمة عنب
وقد غمرت النار المستعرة في داخلي بالماء
فأحبني كما تحب حملانك الصغيرة
واعتني بي كما تعتني بقطيع ماشيتك
وابحث عني الى ان تجدني
كلمات صبية لحبيبها تعود لأكثر من4000سنة ترينا مقاربة للحياة برهافة حس وحب معجون بالواقع،هكذا كنا ياللمفارقة. 
انطلقنا صباح اليوم التالي الى الجبايش سالكين طريق(سيد دخيل-الفهود-المنار-الجبايش)قاطعين اكثر من (80)كم جنوب شرق وضمن مناطق تراجع أراضي الأهوار ،لهذه البلدات الصغيرة المتنامية وسط حقول الحنطة والشعير واراضي زراعة الشلب. وكان كل شئ نراه للمرة الاولى،وقد افلح مضيفنا ابو علي في زيادة شد انتباهنا في شرحه لتلك المشاهد،هنا حية سيد دخيل،وهذا جدول من الغراف لتزويد مدينة الناصرية بالماء العذب،وتلك مناطق الوائليين وهنامناطق بني أسد. ركبنا الشختورة من الجبايش،بعد تزودنا بلوازم وجبة الغداء السمك المسكوف،أجرينا توقف قصير عند نصب شهداء الأهوار،واصلنا بعدها الدخول الى اعماق الأهوار واختراق اجمات القصب سالكين دروب ضيقة ولامست أيدينا اوراق القصب،وفي كل مرة يطلب سائق الشختورة تنبيهه في حالة قدوم قوارب في الممر المائي المتقاطع معنا،بسبب كثافة القصب. بعدها ظهرت جزر مهجورة طافيةمتقاربة من بعضها تسمى الجبشات صنعها السومريين على شكل وسائد طافية من القصب والطين الطافية،واحدة واُخرى لحيواناته. قطعنا اكثر من(10)كم داخل الهور،واقتربنا من احدى الجبشات المحاطة بالقصب،رسونا عندها،وقفزنا من القارب محملين بالسجاد المعد لجلوسنا،التي عملناها على شكل حرف(L)يقابله من الطرف الاخر البعيدموقد اعداد السمك النهري المسكوف. وقد استمعنا لنبذة عن تاريخ وأسلوب حياة القاطنين في الأهوار،التي كانت اكبر واكثر اتساعا من مساحتها الحالية،الا انها تضاءلت وانسحبت جنوبا،وكان هذا في سياق أحاديثنا مع زملاءنا من الناصرية،وفي اثناء ذلك انشغل السائق مع اخر في اعداد وجبة الغداء. بعد الانتهاء من الغداء واحتساء الشاي وانشغالنا بأحاديث منفردة وجماعية وأخذ الصور،قررنا المغادرةعند الرابعة مساءا سالكين طريق(المنار-الفهود-الطاركرمة بني سعيد-سوق الشيوخ-الفضلية)رافقها شرح ابو علي التفصيلي عنها،لنصل بحدود السادسة مساءا الى مدينة الناصرية. 
ولأماطة اللثام عن نشأة هذه المحميات الطبيعية من البيئة المائية ذات التنوع الإحيائي ،التي كنت ولازالت موئلا للحيوان والنبات والإنسان في تناغم بيئي جميل،ينبغي العودة قهقرة الى البدايات للفترة الجليدية الرابعة والتي كان يشكل بها الخليج العربي واحد من الخلجان الداخلية التي انسحبت عنه المياه بسبب الانجماد القاري،ليصبح سهل مترامي(200*800)كم مربع تغطيه البحيرات العذبة من مياه دجلة والفرات وبقية الانهار القادمة من الجزيرة،وكانت تشكل مستوطنة السومريين،الذين أجبرتهم الظروف بابتداع الزراعة في المواقع الضحلة القريبة من المياه،رافقتها بعض المحاولات في تدجين الحيوانات المتغذية بالجوار،رافقتها بعض المحاولات لصناعة لوازمه الحياتية وتنقلاته 
وقبل(20000)سنة بدأت تغيرات مناخية حادة أدت الى عودة مياه البحر،واغمارها السهل ونزوح بشري نحو اليابسة،سالكين مجرى الانهار،ليصل بعضهم بعد عناء ملحمي الى مناطق قريبة من(اور)التاريخية،واستوطنوا المناطق المنخفضة والمغمورة بالمياه مع بعض حيواناتهم،لمواءمتها بيئاتهم السابقة،وكانوا يمثلون الكتيبة الاولى الخارجة من طغيان البحر،وبعد استقرارهم عادوا لمزاولة الزراعة عند حواف الأهوار،توسعوا بعذاك نحو سهول نهري دجلة والفرات السفلية وضمن تقديرات زمنية تراوح بين(10000-8000)سنة ماضية 
نود الاشارة الى ان الأهوار عهدذاك كانت تغطي كامل مساحة(الناصرية،العمارة،القرنة،البصرة)ويصب بهما دجلة والفرات بعد تأمينالسومريين غذاءهم وغذاء أجيالهم الجديدة وحيواناتهم من الزراعة،انتقل قسم منهم للحياة على اليابسة وبناء المستوطنات في القسم الجنوبي من السهل الرسوبي،تلتها فترة ليست بالقصيرة فيضان مدمر رافقته امطار غزيرة متواصلة لايام مع احتمال تزامنه مع موجة مد كبيرة من جهة الخليج،أدت الى أغراق كامل السهل الرسوبي وتوقفت عند جبال مكحول وحمرين،وقد دونت سردية الفيضان/الطوفان العظيم ضمن رقيمات ملحمة جلجاميش في القرن(20)ق٠م 
ولإعادة قراءة الاساطير السومرية بدلالة التأويل المقارن مع معطيات الاركيولوجيا والجيولوجيا يمكننا ان نؤول رمزية خروج الانسان الاول من الجنة كانت بسبب ابتداعه تقنيات الزراعة واستقلاله في تأمين غذاءه بدل اعتماده على الالهة وماتجود به من طرائد،واصبح في مقام رفيع،سهل له حتى تأمين غذاء الحيوانات القريبة منه،ما اثار حفيظة الالهة لمعاقبته وتزامن هذا العقاب مع اندفاع ماء البحر(غضب الالهة)ليحول ذراري السومري المبدع الى اشباح تجوب اليابسة في جوار اور مقطوعا من جذوره وجنانه ،اما الطوفان العظيم فهو تتمة لملحمة النفي والغضب الالهي ولكن لأمد محدود،عادت بعدها فرقته الناجية الى مواصلة حياتها كتب سردياتها على الألواح الطينية وحفظها في المكتبة بتناول أجياله اللاحقة عهدذاك،والتي وصلت إلينا ،ومنها عرفنا الاصل والصورة المموهة التي تناقلتها الاديان اللاحقة

Tags