الحروب الدعائية والأكاذيب والصور المفبركة في الحرب على سوريا /نموذج غلاف التايم الأميركية

غلاف التايم الأميركية بعد فبركته

نصير المهدي

فجأة تستيقظ الإنسانية في ذروة تعبيراتها ويشترك في التباكي على الطفولة مندوبو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن فتردد صدى نحيبهم صفحات الفيس بوك والطفولة المغدورة والمجاعة والحصار ونفس الألفاظ والكلمات وحتى الصور من مضايا " من يتذكرها اليوم " الى حلب فالفلوجة فالموصل والحويجة وكل بقعة من هذا الوطن يضع الإرهاب يده عليها فيحتمي بالمدنيين ويمارس جرائمه من خلف جدران بيوتهم وعندما تقوم الدولة بواجباتها في حماية مواطنيها والدفاع عن بلدها ومواجهة جحافل المتآمرين والقتلة والأمم المتحدة نفسها تقول بأن هناك ثمانية وثمانين جنسية قاتلت في سوريا بل ونفس القنوات والصحف ووكالات الأنباء تتسابق في نشر التحقيقات عن هويات الجماعات المسلحة وحجم العنصر الأجنبي فيها وتروي قصصا مثيرة ثم عندما تحين ساعة الإثارة يبدا الصراخ والنواح على المدنيين والأطفال والنساء ويتم تعزيز الإثارة بصور الكثير منها مجرد مشاهد تمثيلية تشارك فيها جماعة الخوذ البيضاء التي تديرها المخابرات الأميركية فضلا عن المشاهد المستعارة من مناطق أخرى وحروب أخرى سواء في المنطقة أو خارجها . 
هذه الإنسانية التي تتباكى على الطفولة تنسى عن عمد وحتى في نفس الوقت الحرب في اليمن التي دخلت عامها الثالث وكانت وسيلة مملكة آل سعود للخروج من مأزقها هي الاستهداف المتعمد للمدنيين وبيوتهم وأعراسهم ومآتمهم وأسواقهم من أجل حمل اليمنيين على الاستسلام لمخططات آل سعود وحلفائهم .
مازال كثيرون يلوكون كلمات " الثورة " ويتغافلون عن الحقيقة الأكبر وهي أن هذه " الثورة " يقودها غرباء عن سوريا بل وحتى عن المنطقة كلها وقد أرادوا أن يجعلوا من سوريا قاعدة للإرهاب في المنطقة والعالم بينما يجري في الاثناء تدمير كل شيء المؤسسات الرسمية والبنية التحتية وقواعد الاقتصاد وقد جرى نهب الكثير من المصانع وتم نقلها بكل تجهيزاتها الى تركيا والقوات المسلحة وليس عفويا استهداف كل قواعد الدفاع الجوي في أول الحرب على سوريا ومن أجل رفع راية التكفير في سوريا التي ما عرفت في تاريخها الا التنوع والتعايش والتمدن . 
الطريف في هذه المواقف التي لا ترى في المشهد السوري الا ما يروق لها وكثيرون يتذمرون مما وصل اليه العراق بعد الاحتلال ولكنهم يريدون أن تصل سوريا الى هذا الواقع المرير وبعضهم يدعي الوطنية في العراق ولكنه يطالب بالاحتلال في سوريا وكثيرون يتظاهرون بأنهم ضد الإرهاب ويعلنون مؤآزرتهم للجيش العراقي ولكنهم يطعنون الجيش السوري في ظهره بمثل هذه الإدعاءات الفارغة والزعيق " الإنساني " المتواصل وكأنهم أحرص من الجيش السوري على أبناء بلده .
العالم كله وأدعياء الإنسانية لم يروا أقفاص الرهائن من النساء والأطفال والشيوخ التي وزعتها عصابات الإرهاب وخاصة " جيش الإسلام " السعودي في مناطق عديدة من الغوطة الشرقية لمنع الجيش السوري من قصف مواقع الإرهابيين .
قبل خمس سنوات سوقت وسائل إعلام عصابات الإرهاب قصة استخدام الكيمياوي في الغوطة الشرقية نفسها وانساق وراء تلك الحملة التي تم الترويج لها كونيا الكثيرون الذين وضعوا صورة الرئيس السوري محاطا بعلامة الكيمياوي في صدر صفحاتهم وملفاتهم الشخصية ولكن بعد وقت قصير من ذلك ظهر أن كيمياوي الغوطة عملية لعصابات الإرهاب لأطفال مختطفين مع عوائلهم وأنها دبرت بأمر من رئيس المخابرات السعودية السابق بندر بن سلطان ويتنفيذ عصابة " جيش الإسلام " المرتبطة به فاختفت علامات الاستنكار وصور الإدانة وطوي الحديث عن الأطفال الذين قتلهم الكيمياوي مع أن " إنسانية " البعداء هذه ينبغي أن لا تقعد ولا تستكين عندما تتغير جهة الإتهام . 
لم يحدث في تاريخ الحروب الدعائية أن استخدمت الأكاذيب والصور المفبركة كما حصل في الحرب على سوريا وقد قامت العديد من المواقف على مشهد كاذب أو صورة مزورة ومن هذه الأكاذيب ما روجت له عصابات الإرهاب عن غلاف مزيف لمجلة التايم الأميركية وضعت عليه صورة لأطفال قتلى قيل بأنهم من الغوطة الشرقية في سوريا وبعناوين صارخة : " أوقفوا إبادة الأسد : هل فقدنا انسانيتنا " وتعلق على الغلاف المزعوم يقول : حاصرهم .. جوعهم .. قصفهم " حسنا والصورة تستحق الاستنكار والحزن والتضامن مع الضحايا وإدانة المجرم القاتل ولكن هل سيتغير الموقف عندما نرى ونعلم حقيقة أن هذه الصورة هي لمجزرة صهيونية في غزة وقعت في تشرين الثاني من عام 2012 وكان اسمها " عمود الدفاع " وقد وصفها وزير الخارجية الصهيوني آنذاك بأنها عملية لإعادة الهدوء الى جنوب الكيان الصهيوني واستعادة الردع وتدمير مخازن الأسلحة وبالطبع يحق للصهاينة ما لا يحق لغيرهم حتى في نظر هؤلاء الذين حشروا التايم رغم أنفها في هذا الموقف للإيحاء للمتابعين بأن هذا الضجيج " الإنساني " يقوم على حقائق بحيث شاركت فيه مجلة التايم الأميركية الرصينة وهكذا يتم صرف الأنظار عن جرائم الصهاينة وحقوق ضحاياهم في سياق حملة الأكاذيب التي تروج لها ماكينة الدعاية كلما لاحت في الأفق هزيمة منتظرة لعصابات الإرهاب . 
وبات من المعروف أن سوريا تتيح حلا لمشكلات بؤر الإرهاب المتبقية بوضع السلاح وتسوية أوضاع المسلحين السوريين أو بالرحيل الى منطقة تجميع الإرهابيين في إدلب حتى تتوفر فرصة معالجة الفصل الختامي هناك أو مواجهة زحف الجيش المصمم على تصفية كل مواقع الإرهاب واستعادة السيادة وسيطرة الدولة وتحرير مختلف المناطق السورية من قبضة هذه العصابات بعد فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين والضمير الإنتهازي غائب عن حقيقة تترس هذه العصابات بالمدنيين بحيث ترفض خروجهم وتحول بين الأهالي وبين هذه الفرصة .
وقد كانت المنطقة هذه تتمتع بهدوء جهود التهدئة التي رضيت بها سوريا رغم مخاطرها المضمرة حيث تأخذ عصابات الإرهاب فترة من الراحة قبل أن تعيد تنظيم نفسها وتستعد للتحرك مرة أخرى وقد خرق هذا الوضع الهجوم الإرهابي الكبير على إدارة المركبات في حرستا شرقي دمشق واستئناف العمليات العسكرية في جهد مشترك لعصابات الإرهاب وبحسب الأطراف التي تتباكى على الإنسانية المهددة في الغوطة الشرقية على الجيش السوري أن يسكت عن هذه الهجمات الإرهابية ويتيح لعصابات الإرهاب أن تتمتع بميزة الضرب متى ما شاءت لأن الرد عليها سيفتح مجددا مسلسل التباكي على المدنيين وحصارهم وتجويعهم .
هل يحتاج الضمير الإنساني الى من يذكره بأن السوريين يدفعون ثمن حرب النفط والغاز وأمن " إسرائيل " وأن أميركا التي لا تطمع بالنفط أبدا قد وضعت يدها مباشرة على مناطق إنتاج النفط في سوريا بحجة دعم الأكراد في مواجهة إرهاب داعش وأن الأمر لا علاقة له بإنسانية لو توفرت قليلا لما تم السكوت عن إدانة مرتكب هذه المذبحة بحق الأطفال الفلسطينيين ويراد منها حتى ننتظم في قطيع الإنسانية بحسب التوصيفات المشبوهة أن نصبح أبواقا لهذه الحملة فننادي بإدانة جيش بطل يقدم التضحيات الكبرى في ملحمة أسطورية حقا في مواجهة عدوان خمس وثمانين دولة تصدر الإرهاب خصيصا من أجل أن يتحقق للغرب والصهاينة هدفهم المنشود .