عن مئوية الثورة البلشفية في روسيا : هل تجد ثورة 1917 من يحيي ذكراها؟

الثورة البلشفية

في شباط/فبراير عام 1917، وسط تخبّط روسيا في مستنقع الحرب، تحوّلت تظاهرات بيتروغراد إلى ثورة مسلّحة. تنازل القيصر نيقولا الثاني عن عرشه، وبعد أيام قليلة، سقط النظام الإمبراطوري الروسي. كانت الآمال كبيرة، وسرعان ما احتشد المواطنون لانتخاب الجمعية التأسيسية. ولكن في 25 تشرين الأول/أكتوبر، استولى لينين والبلاشفة على قصر الشتاء وأقاموا نظاما شيوعيا... واليوم، باتت ذكرى ثورتي فبراير وأكتوبر الروسيتين مسألة تثقل كاهل موسكو. فمن لينين إلى بوتين، كيف سيتمّ إحياء الذكرى المئة لثورة 1917؟

تسعة وتسعون سنة تفصل بين احتفال البلاشفة بالذكرى الأولى لثورتهم في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1918 والاحتفال الذي تحضّره روسيا اليوم، مرغمةً، في عهد فلاديمير بوتين.

فالذكرى السنوية الأولى للثورة البلشفية بدت وكأنها معجزة، إذ إن بقاء البلاشفة في السلطة ولو لسنة لم يكن مضموناً لأحد آنذاك. واحتفالاً بانتصار البروليتاريا وببزوغ فجر جديد، سعى منظّمو الاحتفال عام 1918 إلى التعبير عن القطع مع الماضي القيصري ودخول تاريخ الصراع الطبقي العالمي والتطلّع نحو المستقبل.

التربية الوطنية

الآن، عام 2017، لم تعد الذكرى السنوية للثورة تعبّر عن معجزة البقاء، بل عن تناقضات وتحديات. ويقع واجب الاحتفال بهذه الذكرى على عاتق نظام يبني نفسه على أساس القيم المحافظة المتشددة وينادي بالتمسك بالتقاليد القديمة ويرفض المبادئ الكونية وينزع الشرعية عن كل أشكال المعارضة الاجتماعية والسياسية التي يرى فيها خيانة وأيادٍ خارجية.
فكيف يمكن دمج هذا الحدث التاريخي المحرج، المليء بالتمزقات والصراعات، ضمن خطاب عماده الاستمرارية التاريخية والوحدة الوطنية؟ في الحقيقة، سيشكل الاحتفال بالذكرى المئوية هذا العام محاولة لتصفية الحسابات، مرة واحدة وأخيرة، مع ثورة العام 1917 عبر تفريغها من معانيها الخلافية والإبقاء فقط على ما يمكن استخدامه في سردية التربية الوطنية. ولكن للقيام بذلك، ينبغي على المسؤولين الروس الحاليين إيجاد مخرج للتخلي عن العادات السوفياتية التي وُضعت أسُسها عام 1918.
الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى للثورة، الذي نُظّم على خلفية أحداث الحرب الأهلية الروسية و«الإرهاب الأحمر»، كان فرصة للتهديد والتعبئة معاً، ولكنه أيضاً حمل في طيّاته آمالاً وتطلعات: آمال في ثورة عالمية غذّتها ثورة نوفمبر الألمانية التي تزامنت مع الحدث، وتطلعات نظام يحتفل بذكرى تأسيسه سعياً إلى إثبات أنه السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد.

1918: مسيرات واجتماعات

احتفالات السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1918، التي أُريد لها أن تكون هائلة ومبتكرة، كانت في معظم المناطق الروسية متواضعة جداً ومستوحاة من أشكال الاحتفال الموجودة والموروثة من ثقافات عدة. فباستثناء العاصمة وبعض المدن الكبرى، اقتصرت الاحتفالات عموماً على مسيرة متواضعة وتجمّع في الهواء الطلق أو في صالة مزينة ببعض الأعلام الحمراء واللافتات. وقد شكّل دمج فعلَيْ التظاهر والاجتماع، وكلاهما عنصران أساسيان في الثقافة السياسية العمّالية الروسية آنذاك، النمط العام للاحتفال بهذه الذكرى. وقد استمر ذلك، ولو بأشكال متجددة، طوال فترة حكم الاتحاد السوفياتي. ففي العام 1918، سعت معظم المناطق الروسية إلى إحياء المناسبة عبر أشكال الترفيه والاستمتاع المتواضعة، مثل إقامة حفل موسيقي أو مأدبة جماعية. وحدها موسكو وبيتروغراد وبعض المدن الكبرى الأخرى أقامت احتفالات أكثر بذخاً، تضمنت ألعاباً نارية ومسيرات بالشموع ومعارض ومهرجانات، إلى جانب التجمعات التقليدية.


التاريخ هو الحقل المفضّل لدى الكرملين الذي يُبدي رغبة فعلية في وضعه في خدمة التربية الوطنية


وقد ساهم تبني «خطة بروباغندا النصب التذكارية»، الهادفة إلى استبدال الرموز القيصرية، في نيسان/أبريل 1918 في ترسيخ بُعدَيْن لذكرى الثورة: تحطيم الأيقونات من جهة، والبعد التربوي من جهة أخرى. فتدشين نصب تذكارية يوم الاحتفال، كأضرحة الأبطال وتماثيل الثوار من سبارتاكوس وروبسبيار إلى ماركس ولينين، هدف إلى إعطاء صورة عن السردية التاريخية للنظام الجديد وإلى خلق بعد مكاني للاحتفالات في الأذهان، كما في موسكو مثلاً حيث تم تركيب لوحة تذكارية مكرّسة لشهداء الثورة في الساحة الحمراء، أصبحت مركزاً رمزياً للمسيرات والتجمعات المستقبلية. كذلك، شرع النظام الجديد في إضفاء طابع سوفياتي على العمران الحضري، ما زالت آثاره بادية في المدن الروسية حتى اليوم.
كذلك، كان يمكن منذ العام 1918 ملاحظة العناصر الأساسية في نمط الاحتفال السوفياتي، ولكنّ الصيغة النهائية لم تكن محددة ولا موحدة بعد. فرغم طموح القيادة آنذاك بإنتاج صيغة مركزية لإحياء المناسبة، بقيت المبادرات المناطقية منتشرة بكثرة، وبرزت الفروقات الواسعة بين المدن الكبرى وسائر المناطق، كما وبين التصورات المختلفة للاحتفال الثوري، فمنهم من اعتبر أن هذا اليوم يجب أن يكون عملاً فنياً منزّهاً ووقت استراحة، ومنهم من رأى فيه أداة للبروباغندا ومناسبة سنوية للتعبئة.
وانطلاقاً من هذه العناصر، شهد الاحتفال بثورة أكتوبر (يُقام في 7 تشرين الثاني/نوفمبر بحسب التقويم الميلادي، الذي اعتمدته روسيا بدءاً من شباط/فبراير 1918) تحولات عدة قبل أن تُعتمد الصيغة النهائية في أواخر عشرينيات القرن الماضي. وقد اتخذت المناسبة مذذاك شكل المسيرة والعرض العسكري الهائل، تجسيداً للدعم الشعبي ولقوة الدولة السوفياتية.

 

2017: موقف بوتين الحرج

أثبتت التجارب أن تفكيك هذا التراث صعب للغاية، والدليل على ذلك مماطلة السلطات الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لوقت طويل في نزع الطابع الاحتفالي عن ذكرى الثورة، رغم توقفها منذ العام 1991 عن إقامة المسيرات والعروض الكبيرة. ومع أن «ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى» تحولت في العام 1996 إلى «يوم الوفاق والمصالحة»، لم تُنزع صفة «العيد» عن هذا اليوم سوى بدءاً من العام 2005.
أما في روسيا الجديدة بعد العام 2000، التي تبنّت خطاً يجمع بين الليبرالية الاقتصادية والسلطوية السياسية المتزايدة، فالنظام القيصري يمجَّد والكنيسة الأرثوذكسية تستعيد قوتها، والحزب الشيوعي يستلهم من تجربة ستالين أكثر من عهد البلاشفة وغيرهم من الثوار. كذلك، فإن الحنين المنتشر للنظام السوفياتي لا يعدو كونه توق إلى الاستقرار الذي شهدته حقبة بريجنيف. إذاً، يبدو أن روسيا طوت عملياً عهد الثورة.
فهل تمرّ الذكرى المئوية مرور الكرام على الجمهور الروسي وتنحصر في ندوات جامعية وبعض المنشورات العلمية؟ لقد بدأ المسؤولون على أعلى المستويات يتسابقون في الآونة الأخيرة لإصدار التصريحات والقرارات، وصولاً إلى فلاديمير بوتين نفسه الذي «أوصى»، في 19 كانون الأول/ديسمبر 2016، بتشكيل لجنة لتنظيم الاحتفال بالذكرى. وتعكس هذه التدابير، التي أتت متأخرة جداً، حرج السلطات الروسية واستحالة تجاهل هذه المناسبة، في نظرها، وترك المجال مفتوحاً أمام جهات أخرى لملء الفراغ.
وإن عاد هذا التراث المحرج ليتصدّر المشهد الروسي مجدداً، فذلك أن التاريخ هو الحقل المفضّل لدى الكرملين الذي يُبدي منذ بضعة سنوات رغبة فعلية في وضعه في خدمة التربية الوطنية والبروباغندا. وبمساعدة أدوات عدة، منها إقامة الاحتفالات، يسعى الكرملين إلى إنتاج «سردية وطنية» خالية من حقبات التمزق والأحداث المحرجة، تسلّط الضوء على قوة الدولة وولاء الشعب غير المشروط وتكون مصدراً للتفاخر ومثلاً يجب الاحتذاء به. فذكرى الحرب الوطنية الكبرى ضد ألمانيا النازية (في شهر أيار)، التجسيد الأمثل لهذا النوع من الخطاب والتي كان الاعتزاز بها في الحقبة السوفياتية يوازي شعور الافتخار بثورة أكتوبر، تطغى، لا بل تهيمن، على باقي الاحتفالات الوطنية الروسية اليوم، حتى إنها باتت تشكّل قاعدة للإعلاء من شأن عهد ستالين بصورة منهجية إلى حد ما.

درس مأساوي

من الصعب أن تجد ثورة عام 1917 مكاناً لها في هذه النسخة من التاريخ، فهي، بمرحلتيها في فبراير وأكتوبر، تمثّل كل ما تمقته السلطات الروسية: انتفاضة ضدّ الحكم القيصري الذي تعتبره السلطات شرعياً، وتضحية بالاستقرار والازدهار لصالح الحريات الديموقراطية، وتقويض الجهود العسكرية بسبب أنشطة النخب الفكرية الهدّامة، وحرب أهلية، وتفكك وحدة الأراضي، وإضعاف الدولة لأمد طويل... اللائحة تطول، وهي تهدف قبل أي شيء آخر إلى إنتاج «منطق تربوي معاكس» يصوّر الثورة على أنها درس مأساوي ودليل قاطع على أن معارضة السلطة القائمة وانقسام المجتمع لا يؤديان إلا إلى طرق مسدودة الأفق. يدعو هذا الخطاب الصاعد إلى المصالحة، ويعتبرها ضمانة للوحدة الوطنية، ويتحدث عن استمرارية قوة الدولة الروسية التي، بعد أن قوّضتها الثورة، أُعيد بناؤها في حقبة ستالين، ثم بعد اهتزازها إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، أعاد فلاديمير بوتين تثبيتها مجدداً.
من المرجح جداً أن يتم التركيز في الذكرى المئوية، التي يُراد لها أن تكون أداة تربوية، على ما قبل الثورة وما بعدها، وأن توضع حقبة الثورة نفسها في إطار الخطأ المأساوي. لن نشهد إذاً مسيرات وعروضات للاحتفال بالمناسبة، بل أفلاماً ومعارض وتصريحات للمسؤولين يعدّدون فيها العبر التي يجب أخذها من ثورة 1917 ومن مسيرة تجاوزها.
* مؤرخة روسية
(نُشر هذا النص في مجلة L’Histoire عدد شباط 2017)