الإسلام السياسي: خطابُ قوةٍ ام اعلان افلاس ؟!

عارف معروف
اذا افلس التاجرُ عاد الى دفاتره القديمة ،.هكذا يقول المثل الدارج ، وعودة المفلس الى سجلاته القديمة تشي بخلو وفاضه من الجديد وعدم قدرته على المطاولة وتحقيق المكاسب في الحاضر فينكفيء الى البحث في سجلاته القديمة ممنيا النفس بالعثور على اية شاردة او واردة من دين قديم يمكن ان يسعفه في راهنه ويقيم اوده لأيام !

هكذا يبدو امر الإسلام السياسي لدينا ، هذه الأيام ، فثمة بحث في سجلات الخطاب القديم وعودة الى ما يشبه عرض الخدمات في الميدان الذي يظن انه حقق فيه اعلى المكاسب فيما مضى وانه قادرٌ ، مجددا ، على ان يحققها فيه مرة أخرى ، حيث بتنا نقرأ ونسمع الحانا قديمة ، عفى عليها الزمن ، يعود البعض الى عزفها في طنبوره العتيق معتقدا انها قد تزيد في نغماته التي امست متهالكة وغير قادرة على الاقناع والجذب ...

.يستعجل الإسلام السياسي ، اليوم ، العودة الى ميدانه الاثير ومعركته المفضلة ، دائما وابدا ، والتي يحسب انها المعركة الوحيدة التي يمكن ان يحقق فيها نصرا سهلا للغاية ، نصرا لا يتطلب جهدا ولا تضحية ولا التزاما أخلاقي . من خلال شعور لا يمكن مداراته واخفاءه بالاخفاق والهزيمة ، فيعود الى معركته القديمة ، كما اسلفنا ، معركة استثمار الدين ضد الخصوم السياسيين بتكفيرهم او التحريض عليهم باعتبارهم مارقين .وهي معركة كان يمكن ان يكون لها صدى أوسع وميدانا ارحب في بداية القرن العشرين وفي العقود الأولى التي تلته ، حيث كان يمكن لمعركة مثل معركة السفور والحجاب ان تجر الى ميدانها اهتمام قطاعات واسعة من السكان وان تخفي في لجة غبارها الكثير من النوايا والاغراض وكذلك العجز والقصور !
واحدد هنا ، واعيد : الإسلام السياسي ، لانني لا يمكن ان اعني او اخلط بينه وبين الإسلام بصفته دينا وتاريخا وحضارة عظيمة قدمت للبشرية كنوزا من المعرفة والانجاز لا يمكن ان يُعرض عنها او يتجاهلها او يخلط بينها وبين ادعاءات او ممارسة الإسلام السياسي سواء اتخذ شكل جماعات عمياء متطرفة لا تجد في قراءتها للاسلام الاّ التوحش والعنف او الأخرى التي لا ترى فيه الاّ التعلق بالماضي والرجوع الى غياهبه او الثالثة التي تستعيره كعباءة تخفي حقيقة اغراضها السياسية واقنعة تمكّنها من خداع الناس واستثمار عواطفهم ، الاّ دعيّ جاهل .
لقد تجلى الإسلام السياسي ، لدينا في العراق ، متخلفا في الرؤية والممارسة . البرامج والافاق ، بعقود طويلةعن اقرانه في المنطقة ولم يستطع ، لذلك ، تقديم أي شيء يذكر خلال سنين طويلة من وضع الدولة والسلطة والثروة في يده واطلاقها في الممارسة بكل حرية فكانت النتيجة وبالا على السلطة والدولة والثروة والمجتمع ، وإساءة ما بعدها إساءة الى الدين والإسلام . 
قد يعود قدر من ذلك ، بالطبع ، الى الظروف الموضوعية وما تفرزه وتحدده من إمكانات ذاتية متواضعة لا تسم بالقصور قوى الإسلام السياسي فحسب بل ومجمل القوى السياسية الأخرى ، لكن امتلاك مقادير السلطة والتحكم لأكثر من عقد ونصف من السنين والانقياد والاتبّاع من قبل قطاعات واسعة من الناس وضعت فيه ثقتها ومنحته تفويضها ، وتوفر قدر غير مسبوق من الأموال بمئات المليارات من الدولارات رهن قراره وخطته " ان وجدت خطة !" كان يمكن ان ينتج شيئا مختلفا ، ومختلفا جدا ، عما عشناه ونعيشه ، لو وضع في يد قوى أخرى مهما كانت تجربتها السياسية محدودة !...
ان كل ذلك انتج ليس احباطا مريرا لدى الجمهور بل وصعدّ حالة من الشك والاستهانة غير المسبوقة بل والكراهية لهذه القوى حتى ان السخرية منها ووصمها بالجهل واللصوصية والخيانة لم يعد وقفا على خصومها السياسيين بل وامسى في حكم القناعة العامة حتى في اوساطها التي كانت تعّول عليها وجمهورها الذي كانت تراهن عليه ! حتى شهدنا مالم يكن ممكنا تصوره قبل فترة وجيزة فيتداعى رجال في مجلس عشائري الى طرد رجل دين مسيس وسط هتافات تتهمه باللصوصية اكثر من مرة وفي اكثر من مكان . ويهتف مهوال عشائري كان يفترض فيه ان يكيل المديح بغير حساب للحكيم بما لا يسره وتمسي السخرية من ممثلي الإسلام السياسي ومواجهتهم بما لا يحبون وقائع يومية مألوفة ....
ان هذا الامر لم ينتج عن دعاية مضادة ولا نشاط او تأثير او جهد فكري للمدنيين او القوميين او العلمانيين او الشيوعيين الذين تعرف قوى الإسلام السياسي قبل غيرها تواضع امكاناتهم على هذا الصعيد وانما هو نتاج فعلي ومؤكد لفشل الإسلام السياسي في ممارسته للسلطة السياسية وفشله الذريع في معالجة أي من التحديات او المتطلبات الاجتماعية وعقم وضحالة ممارسته على صعيد الاقتصاد واقتران ممارسته بتفشي فساد مافيوي غير مسبوق كان معظم رموزه من رجاله او اعوانهم ! 
ان الادراك المتنامي لقوى الإسلام السياسي لعجزها وفشلها واحساسها بانها خسرت جمهورها وناخبيها ،وغياب او ضآلة تأثير قوى الإرهاب وداعش ، بعد دحرها وهزيمتها ، كقوى مساعدة في اخافة الجمهور وتعبئته خلف هذه القوى ، وكذلك غياب اية فرصة لاستثارة الصراع الطائفي بفعل الوعي الشعبي المتزايد بوحدته ووطنيته إزاء أعداءه الحقيقيين المشتركين . ناهيك عن ان ادعاء مواجهة البعث وتركته لم تعد تجد ادنى تعاطف بين جمهور لم يعد يخاف من اعلان افضلية البعث نفسه على قوى الإسلام السياسي ! 
ان كل ذلك جعل قرب يوم المعركة الانتخابية مختلفا هذه المرة ومنذرا بمخاوف غير مسبوقة من ان المعركة لم تعد سهلة كما كانت في السابق :معركة إعادة اقتسام السلطة والمغانم وإعادة توزيع الأدواربأيسر ما يمكن و دون أي منافس حقيقي... مما جعلها تلجأ الى حيلة قديمة ، حيلة خلق العدو وتوجيه الأنظار والمخاوف والعواطف اليه ..، ان هذا هو ما جعل السيد صباح شبّر او من أعاد نشر الفديو الخاص به ، يلوح بسكينه لذبح الابن الشيوعي العاق . والسيد عامر الكفيشي يصرخ ب" اننا نخسر أولادنا وبناتنا الذين يسرقهم ويستحوذ على قناعاتهم من يعيش بين ظهرانينا من علمانيين ومدنيين وشيوعيين وقوميين " 
ان العلة أيها السادة ليست في هؤلاء ، كما تعلمون علم اليقين ، وبضاعتكم التي تحاولون بيعها ثانية ، اليوم ، هي سلعة بائرة عفى عليها الزمن بالفعل وليس هناك من مشتري متحمس كما كان بالأمس البعيد ، فالشيوعية لا تمثل تهديدا اليوم وكذلك القومية ... ان التهديد الحقيقي هو بحث الناس عن البديل عنكم وتطلعها الى الخلاص منكم باي ثمن . انكم تحتاجون ، بالفعل ، الى معجزة لكي تستعيدوا ما خسرتموه والى الابد من ثقة وتأثير ، بسبب سياساتكم نفسها ، لا بسبب شياطين موهومة !