حياتنا الذهنية

رعد أطياف

يشعرنا الروتين اليومي بالملل، ويصاب الذهن بحالة من النفور إزاء هذا التكرار الممل. نستيقظ في الصباح ونبدأ يومنا بنفس الروتين السابق، وينتهي اليوم بنفس الخاتمة التي ادمنّا عليها منذ سنين. في خضم هذا التكرار اليومي تنشأ عادات تتحكم بمجمل فعالياتنا الذهن- نفسية، ومن ثمّ تحيلنا إلى كائنات روتينية معقّدة وحزينة غارقة في الاستهلاك والثرثرة اليومية كتعويض عن معاناة التكرار.

ثمّة حالة طبيعية تشعرنا بالراحة والامتنان، وهي الحيوية والتغيير التي تظهر فينا حين الشروع بحركة عابرة للروتين اليومي وكسر حاجز الرتابة والتكرار. كل هذا واضح ولا يحتاج إلى مزيد من البرهنة. غير أن الجانب الآخر من الحكاية بحاجة إلى تسليط الضوء عليه، وهو الجانب الداخلي. وبعبارة أخرى: لقد فهمنا الجانب الخارجي من الملل والرتابة، وبقي الشق الثاني والأهم - ربما - وهو الحالة الذهنية الداخلية التي تغلف نفسها بقناع سميك.

فمن هذه الناحية يمارس الذهن نفاقاً واضحاً أو فصلاً حاداً، بين الظواهر الخارجية والظواهر الداخلية؛ في الوقت الذي يحرك قيمه ومعاييره نحو الخارج ويشعر بحالة من النفور تجاه التكرار والملل، لكنه وبذات الوقت يتناسى حالة التكرار المملة والمزعجة التي تحدث في الداخل. آلاف الأفكار والمشاعر والتصورات تكرر نفسها يومياً، دون أن نجد الذهن مستاءً أو يشعر بالنفور من هذا التكرار الذي يحدث في الذاكرة. لامعايير منطقية ولا ثوابت جوهرية يعتمد عليها الذهن في هذه التقييمات المجحفة تماماً.

إن الذهن " كيان" مستلب بواسطة حزم كثيفة من الميول والعادات، التي تساهم في إنشاء صور نفسية مؤلمة في أغلبها وتتحكم في بناء الشخصية. فمن هذه الناحية ينبغي علينا استبعاد مفاهيم من قبيل" الإرادة" و"الحرية"، كونها هي الأخرى مرتبطة فيما بينها بسلسلة طويلة من الميول و العادات. وأحدى العادات الراسخة هي توجه الفكر إلى موضوعاته الخارجية، ذلك لأنه يعتقد بفصل الذات عن موضوعاتها، فمن هنا يركز على الظواهر الخارجية تحديداً دون أن يعتني بالظواهر الداخلية، فتبقى الفعاليات الذهنية وما تسببه من ألم واضطراب نفسي بمعزل عن اهتماماته.

ربما توصلنا إلى خيط رهيف للإجابة على السؤال أعلاه: لماذا يشعر الذهن بالنفور إزاء التكرار في العالم الخارجي ولا يبدي شعوراً مماثلاً إزاء العالم الداخلي؟. لكن فهم السؤال - كما يقال - نصف الجواب، ويبقى النصف الثاني موكولاً للممارسة من خلال ترويض الذهن وعبور حالة التعلق بالموضوعات الخارجية كما لو أنها هي الأساس الجوهري في مجمل معاناتنا. فمن خلال التجارب اليومية يمكننا اكتشاف قوة الظواهر الداخلية وتأثيرها؛ فعلى سبيل المثال، حتى لو كان الجسد مريضاً، حتى لو كان العالم الخارجي كما هو، فإن هذا لا يؤثر على الظواهر الداخلية ومنها حالة السعادة - مثلاً- فهي تبقى مستمرة سواء كان الجسد في كامل فعالياته أم لا، سواء كان العالم الخارجي تغيّر أم لا. بتعبير آخر، نحن نلاحظ حالتنا النفسية تتبدل من حالة الحزن إلى حالة الفرح من غير أن يحدث أي تغيير في العالم الخارجي، مايدلل بشكل عام على أن السعادة في الداخل، حتى أننا نتساءل في بعض الأحيان: من أين جاءت هذه النشوة؟!.

لسنا هنا في معرض الحديث عن السعادة حصراً(وإن كانت هي الشغل الشاغل)، وإنما محاولة لفهم حياتنا الذهنية وكيفية تفاعلها مع الخارج لدرجة نسيان الداخل وتغييبه، لا بل عدم الاعتراف بفاعليته والتركيز على الخارج حصراً، وقد كان جوهر موضوع هذه المقالة القصيرة، هو حالة الشعور بالملل والروتين، لكن مع شديد الأسف ينحصر شعورنا بالروتين اليومي تجاه الخارج، كما لو أن هذا الأخير هو الوحيد الذي يحدد أمر سعادتنا وتعاستنا، أو هو الوحيد الذي يلهمنا!.

 

الجهد النظري في توضيح هذه المواضيع مهم للغاية، إلّا أن الاكتفاء به يعد مضيعة للوقت! ما لم يتوفر على إجراءات عملية. ومن هذه الإجراءات هو من خلال زرع الانطباعات التي تسهم في تنمية عادات إيجابية لاحقاً، وهذه الأخيرة تصبح بمرور الوقت أدوات فاعلة لتوجيه الفكر وتسكينه ليفهم قابلياته بشكل أوسع، وعدم الانزواء في دهاليز العادات القاتلة التي توهم الفكر أنه محكوم بالخارج فقط.

وبعد زرع الانطباعات المستمر يدخل المرء في تجربة أوسع بكثير، حيث سيواجه الفكر وعاداته بشكل أكثر مباشرة من خلال ممارسة التأمل وتطويع الفكر ليكتشف أن الحياة الداخلية أو، بتعبير مكثّف، الذاكرة النفسية وآلامها هي بوابة الألم الكبرى ومن أصغر مشاكلها هو الروتين! وهذا الأخير منبعه في الداخل، أزراره الرئيسية وفواعله المؤثرة هنالك في الأعماق ماوراء غيوم الأفكار حيث تقطن كل أشكال المعاناة فعلينا الدخول هناك، وليس الهروب إلى الخارج!.

العالم الجديد