مؤامرة في الوزارة لخصخصة نفط الجنوب! 

مؤامرة في الوزارة لخصخصة نفط الجنوب! 

صائب خليل
بينما كان الشعب مشغولا بمتابعة فضائح مؤامرة خصخصة الكهرباء، كانت وزارة النفط مشغولة بمشروع خطير، إن مرّ فسوف يرهن نفط الجنوب للقطاع الخاص! 
تحت عنوان "الحذر الحذر من ارتهان نفط الجنوب للاستثمار الخاص" كتب الخبير النفطي المعروف الأستاذ احمد موسى جياد محذراً: "ارتكب مجلس الوزراء خطأ استراتيجي فادح ستترتب عليه نتائج كارثية مهددة للأمن الاقتصادي الوطني"، حيث قرر المجلس قبل أيام، نقل عهدة المرحلة الاولى لمشروع “حقن الماء البحري” من شركة نفط البصرة الى صيغة الاستثمار. (1)
.
ما هو مشروع "حقن الماء"؟ 
بعد استخراج كمية من نفط الحقل النفطي ينخفض الضغط فيه، ويصبح ضخ المزيد من نفطه أكثر صعوبة. ولتعويض ذلك الضغط، يتم ضخ كميات من الماء في الحقل، بدلا من النفط الذي تم سحبه. 
وفي 2010 أقر مجلس الوزراء مشروع عملاق لحقن 12 مليون برميل يوميا من ماء الخليج العربي في حقول غرب القرنة واحد ومجنون والزبير والغراف والحلفاية، وكلف شركة أكسن موبيل بتنفيذه. 
لكن المشروع واجه عقبات عرقلته، كان الهاجس من هيمنة أكسن موبيل على إدارة المشروع من ضمنها، إضافة إلى كلفته، والتفكير بضرورة تخفيض انتاج الذروة. وكانت القشة التي قصمت ظهر المشروع هي توقيع أكسن موبيل عقود مشاركة غير شرعية مع حكومة اقليم كردستان بدون موافقة الحكومة ألاتحادية وتجاهلها لتحذيراتها، مما أدى الى استبعادها من المشروع وتركه، واللجوء إلى حلول مؤقتة. 
.
وفي 2012 كلفت وزارة النفط شركة أخرى بتنفيذ المشروع، إلا انه تعثر بسبب انخفاض أسعار النفط وهجوم داعش، لتعود شركة اكسن موبيل عام 2015 الى الواجهة من جديد. وأخيرا قام الوزير الجديد جبار لعيبي بدعوة الشركات المتخصصة لتقديم عروضها لتنفيذ المشروع. لكنه وبدون سابق إنذار، وقبل ورود نتائج دعوته، قام بالترويج لمشروع مفاجئ وغير مدروس هو "مشروع جنوب العراق المتكامل"، وبدأ بمناقشات مفردة بسرية تامة مع اكسون موبيل لمدة سنة كاملة! 
.
ولم يتم اعلام الشعب والبرلمان بأية تفاصيل سوى تصريحات وصفها الخبير احمد موسى جياد بأنها "غير متزنة" اضعفت الموقف التفاوضي للحكومة أمام اكسون موبيل"، مثل تصريحه بأن "العراق ارتكب خطأ فادحاً عند سحب هذا المشروع من أكسن موبيل في 2012"، وهو خطأ لا يمكن ان يرتكبه أي مبتدئ في المفاوضات. وتبع ذلك بخطأ تفاوضي اشد إمعاناً حين صرح أن المفاوضات "قطعت مرحلة جيدة" مضيفاً "سوف نوقع العقد نهاية العام"، وذلك بعد تناول العشاء مع المدير التنفيذي لشركة اكسن موبيل!
.
الخطأ التفاوضي هو أنك حين تعلن في المراحل الأولى من المفاوضات، أنك ستوقع، فمعنى هذا أنك تكشف استعدادك للتنازل عن جميع النقاط التي مازلت تفاوض عليها، وقبول كل ما تفرضه الشركة! إنه يذكرنا بما صرح به رئيسه العبادي الذي افتتح رئاسته حين افتتحها بالقول بأنه "عازم على انهاء الخلاف مع كردستان"، والذي فهمت منه كردستان أنه سيعطيها كل ما تريد، وكان ذلك بالفعل حيث ذهب الوزير السابق (عادل عبد المهدي) ليوقع اتفاقا كارثيا معها، وقام العبادي بنفسه بإهدائها مليار دولار "لكسب الثقة"، التي لم تدم أكثر من بضعة أشهر!
.
استمرت المفاوضات خلف الأبواب المغلقة وانعدام كامل للشفافية لحين زيارة المدير التنفيذي لشركة أكسن موبيل براد كارسون لبغداد في اواخر 2017 حيث أكد الوزير ان المفاوضات دخلت مراحلها النهائية حول "مشروع الجنوب المتكامل"، والذي هو عبارة عن خليط غير متجانس من المشاريع الاستراتيجية الملحة، والخدمية الاعتيادية. واستمرت التصريحات غير المسؤولة التي تلقي بالوزارة تحت رحمة شركة واحدة، تشعرها بالقوة ولا تشجعها على تقديم عروض مناسبة. 
وبالفعل، يبدو ان ذلك ما حصل، فصرح الوزير في نهاية العام المنصرم أن الاتفاق لم يتم، وانه قد يعرض على شركات أخرى في شباط 2018! وهو ما كان يجب ان يحدث في بداية المشروع، بدلا من وضع كل أوراق العراق في مفاوضات سرية مع شركة واحدة لسنة كاملة، لتنتهي بالفشل.
.
يكتب الأستاذ أحمد موسى جياد: "ولكن المثير للقلق هو ما صرح به مدير عام دائرة العقود في الوزارة عبد المهدي العميدي (في بداية التفاوض.. كان معدل الإنتاج الأولي من الحقلين (نهر عمر والرطاوي) في حدود 40 ألف برميل يوميا لكنه يزيد الآن على 125 ألف وسيؤثر هذا تأثيرا كبيرا ...على حصة الأرباح أو ربح الشركة). 
وهذا يعني أن العقد الذي كان الوزير يناقشه لمدة سنة كاملة، يزيد أجور الشركة مع زيادة كمية الإنتاج. وهذا يعني أن تلك الأجور قد ترتفع بشكل غير مناسب للعراق. كذلك لا يستبعد أن ترافق مثل تلك العقود فقرات تؤثر على سيادة القرار بشأن كمية الانتاج. ولا نستطيع ان ننفي او نؤكد هذا إلا أنه لا يوجد أي سبب في العالم يدفع بالوزارة الى استثناء هذا المشروع من طرق المناقصات المعتادة وطلب العروض من مختلف الشركات والاختيار الأفضل من بينها، بدلا من وضع كل البيض في سلة شركة واحدة. 
.
واخيراً تأتي الطامة الكبرى فتقترح الوزارة، ويوافق مجلس الوزراء على احالة المشروع للاستثمار الخاص!! وهذا يعني، ككل خصخصة أخرى، أن الوزارة لا تقوم بتكليف شركة لتنفيذ المشروع لحسابها لتستعمله كما تشاء، بل أن يقوم مستثمر ما بتنفيذه لحسابه الخاص، فيتحكم في انتاجية تلك الحقول بما يوفره من ماء لها! إنه يعني أن حجم انتاج حقول المحافظات الجنوبية- البصرة وميسان وذي قار"، سيكون تحت رحمة وتحكم المستثمر الخاص بها، سواء كان محليا او اقليميا او دوليا. أي انها نوع من خصخصة للإنتاج النفطي وتحكم خارجي غير مباشر به. 
.
ويبدو أن لعيبي ومجلس وزراء العبادي، العبد المخلص لأوامر الخصخصة، كانوا يعون جيدا حجم التدمير الذي يتسبب به هذا القرار على سيادة العراق على نفطه. فلم ينشر الخبر لا على موقع النت لوزارة النفط، ولا موقع الأمانة العامة لمجلس الوزراء، رغم أهميته الشديدة. وهي سرية تضاف إلى السرية التي تمت بها مفاوضات أكسون موبيل لهذا المشروع.
ويوضح الأستاذ أحمد موسى جياد خطورة الخطوة متهما الوزارة ومجلس الوزراء بـ "فقدان النظرة الاستراتيجية وانعدام افق الأمن الاقتصادي لهذا القرار الكارثة."
.
ما الحل إذا؟ 
لكيلا تسارع الوزارة او مجلس الوزراء إلى التحجج بعدم وجود حل وأموال لازمة كما هي العادة في الخصخصة، يقدم الأستاذ جياد حلاً من نقاط نختصرها بما يلي: 
اولا: الغاء قرار مجلس الوزراء المشار اليه فورا!
ثانيا: تشكيل لجنة فنية عليا من كوادر متقدمة وذات خبرة من ديوان الوزارة وشركات نفط اليصرة وميسان وذي قار وشركة المشاريع النفطية (سكوب) وغيرها، تكون مهمتها دراسة توصيات الشركة الاستشارية CH2M Hill، وتخطيط المراحل العملية لتنفيذ المشروع بالجهد الوطني وباعتماد صيغة EPCعند الضرورة. 
ثالثاً: تنجز اللجنة اعلاه تقريرها خلال أقصر مدة ممكنة (شهرين كمدة قصوى) على ان لا يتدخل الوزير بعمل اللجنة بشكل مباشر او غير مباشر، بل تقدم نتائجها الى هيئة الراي في الوزارة لمناقشتها بحضور الوزير، ثم ترفع الى مجلس الوزراء لإقرارها.
رابعا: يعطي مجلس الوزراء المشروع الأولوية لأهميته الاستراتيجية، ويخصص المبالغ الضرورية لتنفيذه، من العوائد الناجمة عن الفرق بين سعر النفط الفعلي والمعتمد في قانون الميزانية لهذا العام. 
.
وقد حظي تقرير الأستاذ جياد بتقييم خبراء النفط العراقيين مثل الأستاذ فؤاد الأمير والمهندس منير الجلبي، الذي أكد في رسالة له، ان سياسة الخصخصة للوزير لعيبي (من تيار الحكمة) ستكون لها نتائج كارثية على العراق، مؤكداً "ان سياسة خصخصة كل الصناعات الوطنية التي كانت مملوكة للدولة هي جزء اساسي من مخطط الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003". وذكر ان النفط قد استثني منها في حينه، حتى جاءوا بالعبادي كرئيس للوزراء، فكلف بخصخصة جميع الصناعات وثروات وموارد الدولة، كإحدى مهامه الأساسية. 
وذكّر الجلبي أن الوزير السابق في وزارة العبادي، أي عادل عبد المهدي، وهو أيضا من المجلس الأعلى\الحكمة، قد حاول البدء بعمليات الخصخصة من خلال الدعوة والعمل لعقد اتفاقيات مشاركة في الإنتاج" دون ان يوفق في ذلك، فعاد لينكر نيته. ويبدو أن تلك المهمة أوكلت إلى جبار لعيبي للمباشرة بها عبر مشروع "حقن الماء البحري". 
.
وأخيراً يحذر الأستاذ جياد من مضي جبار لعيبي في الخصخصة، وقيامه بـ “الخطوة الاكثر خطورة"، بقبول اتفاقيات "المشاركة في الانتاج" سيئة الصيت، التي عقدتها حكومة اقليم كردستان بشكل غير شرعي مع الشركات. وهي الخطوة التي "ستعبد الطريق للتخصيص المباشر لصناعة الانتاج النفطية في كل اجزاء العراق."
.
يختتم الأستاذ جياد دراسته بتأكيد "أهمية الموضوع وخطورته"، "مما يحتم على الجميع الوقوف بقوة وصرامة ضد توجهات الوزارة ومجلس الوزراء ومن اجل اجبار المجلس على التراجع قبل فوات الأوان!" ومنع احالة هذ المشروع الاستراتيجي الحساس الى استثمار القطاع الخاص، راجياً "تعميم ونشر هذه المساهمة الى اوسع نطاق ممكن"! 
ونحن بدورنا ننشر هذه المقالة مع رابط لدراسة الأستاذ جياد، وندعو قراءنا أيضا إلى نشرها إلى أوسع نطاق ممكن لعلنا نفلح في إفلات البلاد من هذه الكارثة، لعل الحكومة القادمة تكون اقل انصياعا للاحتلال وخططه! 
.

(1) الحذر الحذر من إرتهان نفط الجنوب للاستثمار الخاص// احمد موسى جياد
http://www.tellskuf.com/index.php/mq/73490-mh037.html