لماذا لا تردعونهم؟!

رعد أطياف

معلوم إن المحاولات الرامية لإقناعنا على أن المرجعية لا تتدخل في الشؤون السياسية لا تجد قبولا لدى الرأي العام. بعبارة أخرى، إن القائمين على شؤون المرجعية دائماً ما يصرحون ويحددون دور المرجعية بالنصح والإرشاد فيما يتعلّق بالشأن السياسي.لا نريد الدخول في سجال طويل وعريض حول صحة الادعاءات التي يسوقوها الناطقون بلسان المرجعية، وهل حقاً إن المرجعية تدخلت سابقاً في رسم التحالفات الانتخابية أو الترويج لقائمة بعينها. يمكننا القول على نحو العموم: سواء تدخلت المرجعية بصورة مباشرة أم لا، فيمكننا الخروج بنتيجة ذات صيغة عمومية، وهي أن كلام المرجعية في كلا الحالتين؛ في حال التدخل المباشر أو النصح والإرشاد، سيتم تجاوز إطار المرجعية الذي تم تحديده، أو الانقلاب عليه من قبل الأطراف السياسية أن لم تجد فيه منفعتها الشخصية، وستكون المرجعية حينئذٍ ليست سوى شكل تعبيري يتسم بقوة الإقناع لكسب الأصوات، ومن ثمّ يُهمَل أي دور للمرجعية هذه هي النتيجة العمومية التي يغلب عليها طابع الاحتمال ما إذا كانت المرجعية فعلاً قد تدخلت في الماضي والحاضر في السياسة. قد يحاجج البعض بسؤال مفاده: لماذا يتضمّن الجواب نوعاً من التبرير الذي لا يستند على معلومة حول عدم تدخل المرجعية، أو على الأقل من قال إن " النخب السياسية" لم تأخذ بالنصح والإرشاد أو لم تخضع فعلاً لرسم الخارطة الانتخابية في الماضي القريب على الأقل؟. سنغض الطرف عن هذا السؤال عن طريق الإحالة إلى الواقع تحديداً، فالغاية من هذه المقدمة ليست الكشف عن تدخل المرجعية من عدمه، وإنما هو محاولة لإثبات أن دور المرجعية، أولاً وبالذات، هو شرعي أخلاقي، وعلى ما أظن أن المهتمين بشؤون المرجعية لا يختلفون كثيراً حول هذه الحقيقة. ويمكننا الخروج بخلاصة مفادها: إن المرجعية مهما تدخلت في الشأن السياسي فلن يكون تدخلاً مباشراً ونافذاً، فهو لا يتكرر دائماً على أي حال. إذن، ينبغي لنا أن لا نذهب بعيداً بالتحليل والتخيّل أبعد من ذلك، فمرجعية النجف لا تتدخل في السياسة، وينحصر أمرها عموماً بالنصح والإرشاد. فينبغي علينا أن نتلمّس دوراً آخر للمرجعية في ظاهرة دينية منتشرة بعيدة عن الشأن السياسي. هل ظاهرة كثرة خطباء المنابر سياسية لكي لا تتدخل في إصلاحها وتقويمها؟. بالطبع نحن لا نمتلك سلطة تخولنا لنحدد للمرجعية ماذا تفعل!، وما نمتلكه حصراً هو السؤال والدوافع التي تحركنا نحو الخير للصالح العام. هل يصعب على ممثل المرجعية في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي أن يندد بالظواهر المشينة والمنحرفة لصبيان المنابر؟!. إن هؤلاء الصبيان في أحسن حالاتهم جهلة وأشباه أميين يهرفون بما لا يعرفون، ولقد وصل بهم الحال إلى التفوّه بأساطير تثير الغضب، ويستبسلون بطريقة كفاحية لتجهيل الناس وتغييب وعيها بالخرافات والروايات الخيالية، فلماذا هذا السكوت المطبق عنهم؟. احسبوها قضية مذهبية! وتعاملوا معها على أنها إساءة" للخطوط العريضة" للمذهب، وخصوصاً أن المذهب الشيعي في بدايات تشكّله كانت نقطة الارتكاز التي انطلق منها هي العقل حينما خالف باقي المذاهب الإسلامية بقبول حجية الخبر الواحد، فعلى أي حال، أنتم هنا لا تتدخلون بالسياسة لكي تتجنبون الجدل القائم حول هذه الجزئية، وإنما ما نتطرق إليه هو من صلب اختصاصكم واهتماماتكم. من الضروري جداً أن نفهم وجهتنا أين نحن ذاهبون بالضبط، وكذلك ينبغي علينا أن نفهم هل هذه الظاهرة المشينة تتم بمباركة المراجع أم لا. يروي لنا أحد الخطباء" الظرفاء" أن رائد الفضاء آرمسترونغ سمع صوت آذان في القمر، إلّا أن هذا الشيخ، يصر بطريقة جزمية، على إن صوت الأذان وكلماته شيعية بكل تأكيد!. ويروي كذلك - وهذه المرّة يربط سلسلة الرواية عن طريق السيد الخوئي!- ، أن من يزور مرقد الصحابي الشيعي ميثم التمّار ويمسك بالمكنسة اليدوية تقضى حاجته!، وقد صدق عليه كل المعممين الجالسين في حاشية المجلس. سأكتفي بهذا القدر مراعاة للذوق العام!.

إن إنشاء مؤسسة تعليمية تعنى بشؤون الخطابة والخطباء حتماً ستكون ضابطة مهمة للغاية للحد من تسلق الجهلة وتسميم عقول الناس البسطاء بهذه الخرافات المضحكة. وحينما تقام هذه المؤسسة على أسس أكاديمية، فلن يحدث لأي كان اعتلاء المنبر مالم يمتلك العدة الكاملة التي تؤهله لصعود المنبر. فمن هذه الناحية سيكون لهذه المؤسسة كادر إداري وتعليمي يرتبط بالمؤسسة الدينية يمكنه محاسبة الخطباء فيما لو تفوهوا بهذه الترهات، فهل سنجد من يسمع أصواتنا؟