الناصرية: عاصمة العراق الأسفل

 تفصح لنا قصة "الناصرية" عن فرادة تلامس بقوة اهم القضايا الكبرى المطموسة في السردية الحديثة للتاريخ العراقي او العربي، وبالأخص مايتعلق بقضية الحداثة والنهضة، فاسباب إقامة هذه المدينة على يد الوالي العثماني "الإصلاحي" مدحت باشا عام 1870 )بعد لقائه بشيخ مشايخ المنتفك ناصر السعدون قبلها بسنة لابلاغه نية السلطنه تحويل "المنتفك" الى متصرفية منخرطة في الولاية ونصيحته له بترك حياة البداوة والترحال(، جاء في سياق اضطرار العثمانيين لتغيير شكل سيطرتهم على العراق، فالعثمانيون اعادوا احتلال العراق عام 1831 ،وازالوا حكم المماليك، خشية من عواقب الصراع المحتدم بين مركز الولاية المملوكي والمنتفك، وهو صراع صار يوحي باحتمالات الاستقلال العراقي سواء من اعلى على يد المماليك، او من قبل امارة المنتفك التي تشكل قيادة وطنية قبلية في جنوب العراق. فالمنتفكيون سبق ان اعلنوا رغبتهم في قيام حكم عربي عراقي عام 1787 ابان الثورة الثلاية التي نشبت خلال حكم سليمان باشا الكبير، وقادها ثلاثة من المشايخ الكبار هم: سليمان الشاوي وحمد ال حمود وثويني العبدالله شيخ مشايخ المنتفك، وقد اجتمع لثويني قائد الثورة وقتها مايزيد على 100 الف مقاتل، احتلوا البصرة ورفعوا مضبطة الى الباب العالي العثماني جاء فيها :" لايصلح لكرسي الولاية الا ثويني العبدالله فهو الأسد الذي يؤمن الطرق ويحميها من العجم" ويذكر بعض المؤرخين ان جد ثويني ابدى هو الاخر رغبته في حكم العراق بعد تحرير البصرة على يد المنتفك من الاحتلال الإيراني قبل هذا التاريخ بسنوات، ولم يتوقف الامر عند هذا، فلقد دخلت المنتفك الى بغداد، ونصبت بحرابها سعيد ابن سليمان الكبير واليا على العرق بعد لجوئه اليها، ماحدا بداوود باشا اللاجيء ابان حكم سعيد الى شمال العراق عند ال بابان، لان يبعث برسالة الى الباب العالي يقول فيها نصا: "ان سعيدا حكم العرب اهل الغشامة والجهل"، وحين جاء داود باشا للحكم بعد ان قتل سعيدا ابن خالته، اتجه بفعل التحدي العربي الجنوبي لإقامة جيش هائل يفوق تعداده ال 100 الف، كما اقام الصناعات العسكرية، ماجعل الباحث المصري الدكتور سليمان عبدالعزيز نوار، يعتبره في اطروحته للدكتوراه "محمد على" العراق دون الالتفات الى العوامل والخلفيات المتباينه المحيطة بالحالتين . ومثل هذه التشبيهات معتادة، وهي تنحو الى فرض النموذج المصري في التحديثية العربية الموكولة الى فعل العامل الخارجي الأوربي والانتباه الفكري له، وهو مالاينطبق على حالة العراق، ففي العراق ظهرت تحديثية ذاتية سابقة على الحضور الغربي ومستقلة عنه، وفي جنوب العراق، ومنذ القرن السابع عشر، عادت الاليات الحضارية التاريخية تعمل هنا، متجاوزة حالة الفوضى والاحتراب والاوبئة والفيضانات التي عمت العراق منذ سقوط بغداد عاصمة الإمبراطورية العربية الإسلامية على يد هولاكو عام 1258 ، لتتكرر مرة أخرى ظاهرة "الانقطاع الحضاري" الناجمة في تاريخ العراق عن حساسية البناء الحضاري، وحاجته لشبكة محكمة من النواظم والسدود عالية الاحكام، يفرضها واقع انتاجي يصفه اهم عالم في التاريخ الحضاري القديم " طه باقر" ك "مواجهة مستديمة مع نهرين من اشد انهار الدنيا تطرفا من حيث وقت فيضانهما المخالف للدورة الزراعية مع قوتهما المدمرة"، ما افرز عدة ظواهر منها تلازم العملية الإنتاجية مع المجتمعية والسياسية، وانعكاس ذلك في منطقة "ارض السواد" على شكل المجتمع الإنتاجي الجنوبي الممتد من بغداد الى البصرة، وجعله مجتمعا مشاعيا مساواتيا محاربا لاينتج دولة منفصلة من داخله، بينما جعل الدول تقوم هنا ك"دول مدن" محصنة تحصينا شديدا ومعسكرة بشدة، تمارس حلب الريع الزراعي بالقوة والغزو ،وتظل معزولة داخل مدنها، تحكمها نزعة امبراطورية متجهة للشمال رغبة في التخفف من أسباب التصادم مع المجتمع الأسفل المحارب، المقاوم لاي شكل من اشكال السيطرة البرانية كما الداخلية أصلا، وفي حالات اختلال العلاقة بين المجتمع المنتج والدول المركبة فوقه، واختناق الدول القاهرة بفعل انسداد الأفق الامبراطوري في الغالب،فان أساس البناء الحضاري يصاب بالانهيار المهول بسبب ضعف الرقابة اللازمة على ضفاف النهرين بقوة وباستمرار درءأ للفيضان العاتي وغدر النهرين ، وسطوتهما المدمرة التي لافكاك منهاعلى النواظم والسدود، مايدخل البلاد وضعا من الانهيار العام والفوضى والاوبئة والاحتراب، هبط وقتها بعدد نفوس العراق من 31 مليون نسمة أيام العباسيين حسب تقديرات متواترة، الى مايقارب المليون في القرن السابع عشر حين اخذ طغيان مفاعيل "الانقطاع" تتراجع، وظهر "اتحاد قبائل المنتفك" علامة على بدء الدورة الحضارية الثالثة، بعد الدورة الأولى السومرية البابلية، والدورة الثانية التي حفزها الفتح الاسلامي. ومن بين أجزاء ارض السواد، تتركز الاليات الحضارية تحديدا في الموضع الذي نشأت فيه مدينة "الناصرية"، التي لايمكن النظر اليها بذاتها بل بصفتها "دولة مدينة"، قامت لهذا الغرض، وفي سياق احتواء مشايخها وادراجهم في سلك الحكومة، وهي السياسة التي ظلت متبعة على يد التحديثية البرانية العثمانية والإنكليزية كوسيلة لاختراق المجتمع الأسفل. وليس صدفة ان يكون الوالي مدحت باشا هو من ادخل الكهرباء والترامواي والبريد والبرق، وقام بتكليف المهندس البلجيكي جوليوس تلي (tilly Julius) بتخطيط اول مدينة عراقية على الطراز الغربي الأوربي، بشوارع عريضة متقاطعة، ماتزال تميزها الى اليوم مانحة إياها نكهة مختلفة عن كل مدن العراق الأسفل المنهارة المشوهة، ولم ينس الوالي ان يسبغ اسم الشيخ " ناصر" اول متصرف عراقي على المدينة، التي حلت مكان "دولة المدينة" القبلية السابقة عليها "سوق الشيوخ" لكن اسم ناصر السعدون ظل رمزيا بمقابل اسم "المنتفك" الماخوذ من واقعة عودة التشكل الوطني العراقي الحديث بين ثلاث قبائل كبرى هي ( الاجود، وحميد، و وبنو مالك) منذ اصبح "اتفاقها" اسما لبداية تشكل المجتمع العراقي الجديد. ظلت الناصرية تسمى "المنتفك" أي "الاتفاق"، كذلك فان القرار في المدينة ومجمل شؤونها وحياتها، لم تكن تنبع من داخلها، فقد ظلت مدينة دولة قبلية بثوب حديث، لم يمنحها القدرة على اصطناع دور خاص بها ولذاتها، يزيد على دور العاصمة القبلية السابقة عليها "سوق الشيوخ" التي تحولت الى قضاء الى جانب اقضية " الشطرة والرفاعي والقلعة"، ويثير هذا الوضع عفويا في الاذهان، تواريخ أخرى تعود الى الحضارة السومرية وقبلها " العبيدية" وصولا لأول مدينة في التاريخ "اريدو"، عدا عن "اور" مدينة النبي إبراهيم الخليل صاحب اول واكمل وابقى رؤية كونية توحيدية في التاريخ، و"لكش" وثورة كوراجينا 2355 ق ـ م يوم عرفت في وثيقة مكتوبة، ولأول مرة في التاريخ الإنساني كلمة (حرية / امارجي)، احتوت على كل ماهو معروف اليوم من مباديء حقوق الانسان، او "اوروك" مدينة الاقواس التي ابتدعت القوس في الهندسة والبناء ليبقى ال "ارك/ القوس" يتردد الى اليوم في اغلب لغات العالم، كما قامت هنا الإمبراطورية الاكدية اول امبراطورية في التاريخ، ومؤسسها الامبراطور"سرجون الأكدي"، اول من قال "انا حاكم زوايا الدنيا الأربع" وهنا ظهرت الكتابة .. الخ... وكل هذا يجري تعداده ليولد نزعة خاصة، او وطنية فرعية هي بالأحرى رئيسية لدى اهل هذا المكان، بقدر ما يذكر غيرهم بان هذه البقعة مميزة جدا على صعيد الفعالية الحضارية وسجل المنجزات الكبرى. اقامت المنتفك في العصر الحديث وطنيتان بارزتان، الأولى أيام العثمانيين، قبلية، وتمثلت بالصراع المستمر مع المماليك لاقامة حكم عربي، تدل عليها العشرات من العصيانات والانتفاضات والحروب مع المركز، ووطنية ثانية بعد الاحتلال الإنكليزي وقيام الدولة "الحديثة " عام 1921 ،فالاحتلال الانكليزي لجأ لاقامة "حكم من اهل البلاد" وهي صيغة أولى مبكرة من صيغ "الاستعمار الجديد" الذي سيعرفه العالم في الستينات، اسماه الإنكليز وقتها "الحكم من وراء ستار"، بعد ان كانوا يتبنون النظرية الاستعمارية الهندية المتجبرة وجاءوا ليطبقوها في العراق، لكن ثورة العشرين اجبرتهم على التخلي عنها، والسلاح الامضى الذي استعمله الاحتلال الإنكليزي لتطويع المجتمع الأسفل، هو قانون تسوية الأرض لعام 1932 الذي قلب العلاقات الإنتاجية المساواتية التاريخية، بتحويله المشايخ المشاعيين الى ملاك نهابين للأرض، منفصلين عن أبناء جلدتهم، جاعلا منهم قاعدة اجتماعية للدولة البرانية المركبة من اعلى، تخترق بنية المجتمع الأسفل، وهذه الوسيلة لم يكن العثمانيون قادرين على اللجوء اليها الا في نطاق ضيق جدا، مادفعهم وقتها لما اقدموا عليه في المنتفك بإقامتهم "الناصرية". بمقابل المشروع الإنكليزي عادت المنتفك او "سومر الحديثة " لتضطلع بمهمة انشاء وطنية ثانية، عجزت بغداد وبقية مدن العراق الكبيرة رغم تاثرها بالنهضة الفكرية العربية عن إقامتها، بينما اقام "فهد" يوسف سلمان، وهو مسيحي في مجتمع غالبيته الساحقة مسلمة، مع صديقه غالي زويد الزنجي المتبقي من أيام ثورة الزنج في الزمن العباسي، حزبا شيوعيا صعد من اسفل الى اعلى، ليمثل وطنية مضادة اقتضاها تغير الأحوال بعد الاحتلال، هذا غير تأسيس حزب البعث في المكان نفسه على يد فؤاد الركابي، أي ان الحزبين الايديلوجيين الأكثر تاثيرا في تاريخ العراق الحديث، نشاءا في الناصرية / المنتفك، والحزبان المذكوران وبالأخص الشيوعي، اسهم بقوة في اسقاط النظام الملكي الذي أقيم على نفس أسس الاحتواء عام، بالاجهاز على خاصيات المجتمع الأسفل، ما اثار سخطا هائلا ، كان السبب في سرعة تنامي الوطنية الحزبية الايديلوجية وانتشارها الكاسح، على مستوى العراق ككل وصولا لثورة 14 تموز1958. الناصرية حاليا رابع مدينة عراقية من حيث عدد السكان بعد بغداد والبصرة والموصل بلغ عدد سكانها عام 2013 مليون ومائة وتسعة وثلاثين الف نسمة 1139000وكان تعداد سكانها عام 1920 يصل الى 6523، وهي تقع على الفرات الأسفل على حافة الاهوار، اصبح لها اليوم حزام عشوائي باسماء غريبة تعكس انهييار الحداثة، وهي ماتزال " المنتفك" في خيال أبناء المنطقة، مع ان اسمها الرسمي الحالي تحول الى " ذي قار" ومع حيوية نخبتها واصرارها على التذكير بخصوصية دورها باطلاقها عام 1991 الانتفاضة الشعبانية، كانما ثارا من نظام افلح في قتل خاصياتها بالريع النفطي، وتحويل المجتمع الى الوظيفه، فالمسؤولون في هذه المدينة، قد يكونون الأقل فسادا على مستوى العراق وهي التي اطلقت شعار "باسم الدين باكونا الحرامية" وماتزال شوارعها مستقيمة وواسعة ونظيفة لكن السؤال الحائر الذي يخيم عليها بإلحاح كما على العراق هو : ترى هل ماتتت التحديثية الذاتية مع موت التحديث المستعار،وما ذا تبقى للمستقبل؟ يبقى ان الحديث عن " مدينة دولة"، هي منطلق العراق الحالي في دورته الاخيرة، لن يكتمل من دون تناول مايلاحظة الجميع عادة من تميز المدينة بالشعر والادب، وعناية أبنائها بالثقافة ولفنون، واسهاماتهم المميزة في الغناء، ففي هذا الجانب ثمة حداثة موازية لها سمات مختلفة تقابل الحداثة الأخرى البغدادية المستعارة، وهنا يكمن عالم اخريستحق عناية وبحثا مستفيضان.