السلطة والدين(1). 

باسم صالح
ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه..........الحسين بن منصور الحلاج
البشرية قبل الزراعة كانت تعتمد على الصيد في توفير غذاؤها،وفي منافسة غير متكافئة مع حيوانات اخرى اقوى وأسرع منها،ما أدى الى استلهام الوعي والخيال لمعادلة كفة الحياة والبقاء،وكانت تبتدع ألهتها لإلهامها القوة في قنص طرائدها المفضلة وتوفير الحماية من غضب الطبيعة والضواري. 
ولكن بعد ابتداع الزراعة وتقنياتها قل تطوافه في البرية وازداد اهتمامه ورعايته لأرضه الزراعية،التي باتت اهم مصدر لغذائه وحياته. وقد تغيرت صورة ألهتها واصبحت مرموزاتها تتعلق بالزراعة والخيال المحايث له. وقد شهدت الحضارة السومرية مهد الحضارات البشرية،ولادة اول مركز ديني في زقورة اور التاريخية،يدار من قبل كهنة تابعين للسلطة الحاكمة،ويمثلون فرعامن أرومتها الوارفة،يتغذون منها ويحملون هويتها وطموحاتها. ووتراكم ترسبها في نفوس مريديها جعلها متماهية مع الكامن الذاتي لمحمولها الاجتماعي،لتمثل القوة الناعمة المتغلغلة بين الناس،متجاوزة في بعض الأحيان حدود الرقعة الجغرافية للسلطة. 
وقد لا نجانب الصواب،اذا استطردنا بالقول ان الاديان الابراهيمية الثلاث،كانت تحمل طموحات شعوبها في الولادة بعيدا عن روح الهيمنة التي كانت تفرضها القوى العظمى عهدذاك،وجسدت هذا الامر بأعتمادها اله واحد ومخلص ينقذها ويوحدها تحت كلمة واحدة. وقد يكون الدين الاسلامي الأوضح بينهم في التعبير عن رغبة الشعب الجزيري في امتلاك البضائع التي ينقلونها بين الامم ويكونوا تاجرها الأوحد،ويسوس الامم صاحبة الخيرات لإرادتهم 
وتحقق هذا الامر وشيدوا امبراطورية مترامية الأطراف في ربع قرن،وبدأ مشوارها بنسغين ،وجه السلطة الحاكم بأمراء قساة يزرعون الرهبة والخوف لدى الناس بدلا من العدل والمحبة،والنسغ الاخر يمثل روح التعقل والاعتدال والتسامح تجسد بالأئمة العلويين،وسرعان ماادركت السلطة مخاطر هذه الثنائية وتهديدها لبقاءها فقامت بتصفيتها،لتتوهج اسماء وسير الائمة كشهب سماوية تضئ ليل مريديهم المعتم،وتؤسس لممكن مستقبلي يتجسد بدولة العدل الالهي بثيمة المخلص الالهي. 
مكثت البشرية قرون عديدة وهي معتمدة على الزراعة،بعدهاظهرت الصناعة بشكل بسيط ولكن متصاعد،ليغدو ثورة في اعتماد الالة في جميع مناحي النشاط الانساني،محدثة تغيرات نوعيه في نمط الحياة والمعرفة للمجتمعات وولادة طبقة صناعية تملك المصانع والعاملين،وأفول طبقة الإقطاع،وتغيير الدور الذي تقوم به الكنيسة،لتصبح اكثر انسجام مع نظرية العقد الاجتماعي والدستور،بدلا من الحق الالهي في الحكم المطلق. 
اما في شرقنا المتوسط فكان الامر معقودا لحكم ملوكها وسلاطينها المطلق،ولم تدخل موجة التغيير الا في أعقاب القرن الثامن عشر ،وتشكيل حركة معارضة دينية في القرن التاسع عشر في تحديد صلاحيات الحاكم وإلزامه للعمل بدستور ،تقره لجنة ممثلة للشعب. ومع تطورات المجتمعات المحلية وازدياد المطالبات في التغيير،ازداد ثقل هذه الحركات النهضوية،والتي تسيّدت المشهد في تركيا بعد هزيمتها بالحرب العالمية الاولى وأدت الى صعود فئة حاكمة تستلهم الثقافة الاوربية وتحديث شامل لصناعتهاوزراعتها بقوة،وهذا بدوره اضعف المؤسسة الدينية في تركيا وباقي ممثلياتها في بلداننا العربيةوالداعية وقتها لوحدة المسلمين ضمن دولة الخلافة الاسلامية العثمانية. 
المؤسسة الدينية الشيعية في العراق وايران تتشابهان في الشكل والمنهج ولكن يختلفان في الحاضنة الاجتماعية،مصدر التمويل والهبات بالنسبة لها. فعندنا المرجعية محاطة بحاضنة عربية ،من عشائر وقبائل اتت مع الفتح الاسلامي واستقرت بالعراق وشكلت البنى البشرية لدعائم النظام الأموي والعباسي،مع حبهم لآل البيت ،ولكنهم لايتورعون في رفع سيوفهم ضد كل من يناوئ إمبراطوريتهم الفتية. بينما ايران حدث التشيع فيها في القرن السادس عشر،نتيجة الخلاف السياسي والعسكري مع الدولة العثمانية. وكان بمثابة التشكل لهوية دينية مغايرة للمذهب الحنفي العثماني ،وقد عمل هذا الامر الى التقارب الفقهي بين ايران والعراق بنكهتين،فالايرانيين يؤكدون على افضلية علي بن ابي طالب(ع)وتقزيم مناوئيه والتشنيع عليهم،بينما في العراق حدث تقارب مذهبي بين العرب المسلمين بسبب ضعف الدولة العباسية وافولها في القر الثالث عشر