مجلس النواب يصوت على قانون يتيح لأميركا تجميد ثروات العراق! 

صائب خليل
ولكي يتاح لهم هذا، فقد ابتدعوا "شركة" يرأسها "وزير" ونائبه "وكيل وزير"! ثم اعطوها صلاحيات تزيد عن الوزارة التي يفترض ان تكون الشركة تابعة لها. وأضافوا لها صلاحيات وزارات أخرى، ومنحوها في القضايا الأساسية صلاحيات مجلس الوزراء ذاته، والذي يفترض انها ترتبط به مباشرة. شركة يخالف قانونها الدستور، وتعتبر ثروة النفط العراقية ملكاً لها! هي التي تقوم باستخراجها وإدارتها وتسويقها، ثم تقوم بتوزيع مردوداتها متكرمة على الحكومة وغيرها، وفق ضوابط يضعها قانونها! 
لكن هذا الكائن العملاق الذي يقزم مؤسسات الدولة والشعب أمام قدراته، له نقطة ضعف واحدة: انه باعتباره "شركة"، فهو معرض لأن تحجز أمواله شركات أخرى أو المؤسسات المالية الدولية (التي تسيطر عليها اميركا تماما) من قبل محكمة تجارية دولية (مسيطر عليها أمريكيا أيضا)! وبما ان عوائد النفط ستصبح بعد القانون "عوائد شركة عامة"، فسوف تفقد الحماية السيادية التي تتمتع بها الآن تحت القانون الدولي، وبذلك يتاح لأية شركة أو جهة أن تشتكي على شركة النفط الوطنية، وتحجز "ممتلكاتها"! 
هذا الكلام ليس مني، لكنه محتوى التحذير الخطير الذي أطلقه أكبر خبراء النفط العراقيين: أحمد موسى جياد وفؤاد الأمير وحمزة الجواهري ومنير الجلبي وغيرهم. اسم هذا القانون، بريء تماما، ولا يوحي أبداً بمضمونه. إنه "قانون شركة النفط الوطنية" الذي صوت عليه مجلس النواب العراقي قبل أيام! 
الشركة حسب القانون، "تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري" و "ترتبط بمجلس الوزراء" ومن صلاحياتها "ابرام عقود الاستكشاف والإنتاج والتصدير وفق سياسة الدولة بما لا يتعارض مع احكام الدستور." و "للشركة الاقتراض من أي جهة داخل وخارج العراق لتمويل استثماراتها بموافقة مجلس الوزراء." .. 
ولا تنسى هذه الشركة – الدولة، طبعا القطاع الخاص فخولت "وضع خطط لتشجيع القطاع الخاص العراقي وبرامج لتأهيله وتطويره" (فيما يتعلق بالنفط). 
كل تلك النصوص ملغومة وتتيح من الناحية العملية أكثر مما يبدو، إلا أن أخطر موادها تلك التي تقول: "تتكون الإيرادات المالية للشركة من الإيرادات المتـأتية من بيع النفط الخام والغاز واية منتجات أخرى"! والتي كتب عنها الأستاذ احمد موسى جياد محذرا وداعيا لإلغائها فوراً للاعتبارات التالية:
1. أن الايرادات المتأتية من تصدير وبيع النفط والغاز هي ايرادات سيادية ولا يمكن ان تكون "ايرادات مالية للشركة"، كما جاء في القانون؛ 
2. هذا يشكل مخالفة صارخة للدستور الذي حدد بان النفط والغاز ملك للشعب العراقي وليس عائد مالي لشركة عامة.
3. ان اعتبار عوائد الصادرات النفطية ايرادات مالية لشركة عامة يجرد تلك العوائد من الصفة السيادية التي يوفر لها القانون الدولي الحماية، وبالتالي (فأن هذا القانون) يعرض تلك العوائد لكافة اشكال الحجز والمصادرة تنفيذا لأي اجراء قضائي في اي مكان تتواجد فيه العوائد. وهذا يعرض عوائد صادرات النفط الى مخاطر عديدة.
4. يعطي القانون شركة النفط صلاحيات تمكنها من الناحية الفعلية تحديد حجم الواردات النفطية في الموازنة العامة السنوية وبالتالي تكون قرارات الشركة هي المحدد الاساسي للنشاط الاقتصادي. وهذا يعني ان الشركة تصبح أكثر اهمية من كل من وزارة المالية ومجلس الوزراء في تحديد حجم النفقات العامة!!
ليس في كلام الأستاذ جياد مبالغة رغم غرابته. فقانون الشركة الغريب يكلفها بتوزيع مردود النفط، والذي صار ملكاً لها، بحيث لا تحول أكثر من 90% منها إلى خزينة الدولة. وتوزع الشركة الباقي على "صناديق". خصص أولها لرشوة المواطن ليتقبل هذا الخطر على ثروة بلاده اسمه "صندوق المواطن" (يقدم لكل مواطن، وفق حسابات الأستاذ حمزة الجواهري ما لا يزيد عن 50 دولاراً في العام، (مع إضافة عبارة غريبة في القانون هي: "وحسب الأولوية لشرائح المجتمع")، وصندوق الأجيال وصندوق الإعمار. 
كيف خرج مثل هذا القانون المشبوه إلى النور؟ يجيبنا وزير النفط السابق عادل عبد المهدي، أحد عرابي القانون واشد المتحمسين له، حيث يقول: “ان هذا القانون -بهذه المضامين- ما كان ليرى النور لولا "قوة مجتمعية" من ثلة من الشباب المخلص، الواعي، المثقف، المنتشر في القطاع النفطي، وخارجه.. والذي آلى على نفسه انجاز هذه المهمة. شباب لا ينتمون لحزب، او تيار، او تفكير محدد.. ولا يتلقون توجيهاً من أحد، لكنهم يتصلون بالجميع، ويستمعون لأهل الاختصاص والمعرفة بكل تواضع وحرص.. قيادتهم من أنفسهم.. يتداولون الراي بكل حرية واريحية وديمقراطية عبر المواقع والاتصالات واللقاءات المباشرة.. يمولون أنفسهم بأنفسهم.. ويتمتعون بهمة، وشجاعة ادبية، وحضور ميداني، ومثابرة قل مثيلها”.
أنا لم اسمع قبل اليوم بهذه "القوة المجتمعية" المدهشة رغم متابعتي الكثيفة لما يجري، فهل سمع أي منكم بها؟ وهل سمع أحد يوماً بـ "قوة مجتمعية" لا يعلم بها أحد في المجتمع؟ 
معلقة الغزل أعلاه وأسماء التزويق البديعية، لعادل عبد المهدي، رغم افراطها الإنشائي، لا تجيب عن السؤال المنطقي البسيط: إن كانت هذه "القوة المجتمعية" قد استمعت وتداولت الرأي مع "أهل الاختصاص والمعرفة"، فلماذا نرى "أهل الاختصاص" هؤلاء وقد تفاجأوا وفجعوا بقانون جعلهم يفغرون أفواههم عجبا وخوفاً على بلادهم، ويحذرون منه بشدة ويطالبون بإلغائه فوراً؟ ولماذا لم تنشر النسخة التي تمت الموافقة عليها في مجلس النواب حتى الآن؟ ولماذا تطلب الأمر تسريبها إلى خبراء النفط من خلال علاقاتهم الشخصية بأعضاء من مجلس النواب؟ 
إنها ليست "قوة مجتمعية"، بل عصابة من عصابات "مدرسة شيكاغو" الاقتصادية لتنسيق القوانين لنهب الشعوب في أي بلد تتواجد فيه اليد الأميركية. تماما كما حدث في شيلي بعد انقلاب الجنرال "بينوشيت" الذي أدارته السفارة الامريكية. وتماما كما حدث في روسيا حين أطلق السكير يلتسين حملة خصخصة تديرها عصابة أخرى من "مدرسة شيكاغو" على ثروات بلاده. وليس عادل عبد المهدي بعيدا عن هذه المؤسسات. فقد سبق ان كتبنا عن مؤامرته السابقة التي منيت بالفشل، عندما كان وزيراً للنفط، للعودة بقوانين العراق النفطية نصف قرن الى الوراء إلى زمن الامتيازات وإلغاء قوانين ثورة تموز وما بعدها، بعد ان وصفها بشتى الصفات السيئة.
لم يكن عادل عبد المهدي هو العراب الوحيد لهذه المؤامرة، فباركها وزير النفط الحالي جبار لعيبي (وهو مثل زميله عادل عبد المهدي، من المجلس الأعلى \ تيار الحكمة)، وبلغ من الصلافة أن "يهنئ" الشعب العراقي على هذا "القرار التاريخي"! وقد قاد المؤامرة كما يبدو ثلة من أعضاء اللجنة البرلمانية للطاقة والتي يتم اختيارها بدقة كما يبدو، فلطالما تربصت بقوانين النفط لحساب الشركات، وعلى رأسهم رئيس اللجنة، وهو من "العراقية"، والذي سبق له قبل فترة وجيزة أن سعى بكل جهد إلى تغيير عقود التراخيص من صيغة عقود الخدمة إلى عقود مشاركة مع الشركات وفشل. إنه الشيوعي السابق الساقط إلى الليبرالية وفي حضن الشركات، عدنان الجنابي. 
لقد عرف المتآمرون أن مشروعهم سوف يثير ردود فعل شديدة من خبراء النفط ومن يقف معهم دفاعا عن ثروات بلادهم، لذلك ضمنوا القانون رشوة للمواطن بخمسين دولار سنوياً ليسكت عن رهن ثروة بلاده، ثم سارعوا إلى هجمة إعلامية استباقية لتشويه مقاصد من قد يتجرأ على فضح المؤامرة، ووصفوه مسبقاً بأنه من جهة تريد عرقلة الخير للعراق، الخ. 
من الواضح أنه تم التعجيل في إصدار هذا القانون، خشية تغير الأمور بعد الانتخابات وفقدان اميركا الكثير من ذيولها ومناصبهم. ومن الطبيعي ان ليس كل المصوتين على القانون في مجلس النواب متآمرين على نفط العراق، فأغلب النواب لا يعرفون ما يكفي لاكتشاف الألغام التي تم بثها في القانون من قبل لجنة الطاقة النيابية، ومن يوجه تلك اللجنة. 
سوف نلحق هذه المقالة بمقالة أخرى او أكثر، حول التفاصيل الكثيرة السيئة والمشبوهة في هذا القانون، أما الآن فنختتم بدعوة خبير النفط العراقي أحمد موسى جياد لإسقاط القانون فوراً، حيث يقول: 
1- ادعو السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) بالتحرك الفوري لإيقاف اجراءات ادخال هذا القانون حيز التنفيذ؛
2- قيام مجلس الوزراء بالطلب من مجلس شورى الدولة تدقيق مشروعية القانون؛
3- قيام مجلس الوزراء بالطعن بدستورية القانون امام المحكمة الدستورية العليا. 
ونظرا لأهمية وخطورة الموضوع ارجو توزيعه على اوسع نطاق ممكن – هكذا كتب أحمد موسى جياد. 
ونحن بدورنا نهيب بقرائنا ان يلبوا نداء الأستاذ جياد ويهبوا لنجدة وطنهم من هذه المؤامرة الخسيسة التي قد تكون اخطر مؤامرة مرت على العراق، وفضح السفلة الذين لا يقفون عند حد في تنفيذ أوامر سيدهم، حتى إكمال خطته في تحطيم بلدهم تماما! مازال القانون غير نافذ لأنه لم ينشر بعد، ويجب ان نمنع نفاذه!