السلطة والدين(2)

Submitted on Thu, 03/15/2018 - 21:41

باسم صالح
شهدت العلاقة بين السلطة والدين حالة استثنائية في منطقتنا،وهي ولادة الوهابية وال سعود معا وكانت من تفتقات الذهن الاستعماري البريطاني وإبداعاته في بذر التمرد الديني في مجتمع الجزيرة العربية قبيل نهاية القرن الثامن عشرضد السلطنة العثمانية،وكان استثمارها ناجحا في توفير الارضيّة لنصر مبكّر عليها واستيلاء الانكليز على منطقة الخليج والجزيرة العربية. 
استلمت امريكا ملف المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية،ولكن مع زيادةعائدات النفط وتوظيفها في تحديث المملكة ضعفت الوهابية امام تنامي مؤسسات الدولة الحديثة،ولكن تم أحياؤها في الربع الاخير من القرن العشرين لخدمة مصالح امريكا. واستمرار تبعية السعودية لامريكا مقابل حمايتها واستقرارها،فأننا نتوقع بقاء التوأمة بين الوهابية وعائلة ال سعود،ولن نرى فرصة ولادة نظام سعودي يساهم في استقرار وتعايش دول منطقتنا الا بعد استبدال الوهابية المغلقة بديانة إسلامية منفتحة على المذاهب الاخرى. 
السلطة العثمانية كانت تسعى جاهدة للحفاظ على كينونتها السياسية والجغرافية بهوية قومية اسلامية(على مذهب ابي حنيفة)،مقابل خدماتها لحليفتها بريطانيا ضد روسيا القيصرية،وتخلت عنها بسبب تدخلاتها ضد استقرار مجتمعها المتنوع وتأليبها للاقليات للتمرد والاستقلال. ودخلت في حرب عالمية ضد بريطانيا والتي ادت خسارتها الى تقطيع أشلائها وكادت تصل الى عقر الدار،لولا بروز الاتحاد السوفيتي والحاجة الى دولة تركية قوية تكون منصة عسكريةغربيةضدها. خرجت تركيا من الحرب بهوية مهشمة بلون عنصري شوفيني فاقع،وانحسار الدين،وتغيير الابجدية الى اللاتينية بضرب من التغريب الشامل ونظام جمهوري أتاتوركي علماني. وخلال نصف قرن استطاعت بناء قدرات صناعية وزراعية واعتماد رأسمالية وطنية علمانية انضم اليها بعذاك صناعيين اسلاميين،وكل ذلك جرى تحت مظلة الناتو والحليف الامريكي والتقارب مع اسرائيل. 
القفزة الاقتصادية حدثت في الالفية الثانية ومابعدها،وتسيد حزب العدالة والتنمية على سدة الحكم،وحصول تدفق أموال تجاوز(250)مليار دولارمن البنوك العالمية الى التركية وتسهيل القروض للشركات والافراد ما أدى الى تنمية كبيرة في قطاع الخدمات والسياحة وبناء المجمعات السكنية من قبل شركات بناء محلية،ويبدو ان مقابل هذه السيولة النقدية كان انضمام تركيا لمشروع الربيع العربي بفاعلية إسلامها السياسي المسلح. 
وقد ازداد قلقها وتوترها مع اقتراب حرائق الربيع من فناءها الداخلي،واضطرارها اعادة النظر في تحالفها مع امريكا،في محاولة للتوافق مع الجوار الجغرافي وروسيا،والتخلي عن نسختها الجهادية ويصبح متناغما مع موقفها السياسي الجديد. 
العلاقة بين السلطة والدين في ايران مختلف بعض الشئ،فكما أسلفنا في اعتماد المرجعية في تمويلها على طبقات المجتمع الايراني(التجار،الصناعيين،الإقطاع،المزارعين،،،)منحها الحرية في معارضة السلطة لصالح إنفاذ مصالح الشعب الايراني،وقد دأبت ومنذ القرن الثامن عشر بالوقوف ضد التدخلات الخارجية والاحتلال الاجنبي والدفاع عن مصالح الشعب ضد مصالح الاحتلال ورموزه،وطالبت وقتها بملكية دستورية وحكومة بكامل الصلاحيات،وتمثيل برلماني،واستمرارها بهذا النهج الوطني لقرون ولحد الان،جعلها حاملة لهوية الشعب الايراني في الاستقلال وبناء القدرات الصناعية لكسر التبعية،وخفف هذا الموقف كثيرا من الغلواء الطائفي ومقاربتهم المفتوحة على بقية المذاهب والأديان في ايران،وكان نظام الشاه معتمدا على عوائد النفط في تمويل الاقتصاد الايراني،الا ان سياسة الاستيراد وهوس الاستهلاك للبضائع الأجنبية،اضعف القطاع الصناعي المحلي وتباطؤ النمو الزراعي،لضعف التنافس وقلة الاجور،وتوقف تطور المجتمع الايراني الذي مزقته المخدرات والدعارة،وعملت انخفاض اسعار النفط عالميا،الى إشعال الاحتجاجات والتظاهرات والتي احرقت نظام الشاه،وتأسيس نظام جمهوري اسلامي بقيادة ولي الفقيه(1979)بخصوصية إيرانية تعكس بصورة جلية احباط دول الجنوب العالمي من اختراقات امريكا لانظمتها الوطنية وتحويلها الى حاوية قمامة لشركاته ومنتجاتها،وعلى كل حال فأن النظام الجديد اكتسب مشروعيته من تمسك الايرانيين به،وإعادة انتاج نفسه انتخابيا،ونجح في امتحان الاستقلال والهوية وتموضعه الجيوسياسي اقليميا ودوليا،وقام في بناء قدرات في اكثر من قطاع سمحت له بتجاوز العقوبات،وبلغ حجم الكتلة العمالية اكثر من (27)ملين وهي اكبر كتلة عمالية في الشرق الاوسط وتماثلها حجم الكتلة العمالية التركية،وجلهم يعملون في الصناعات الثقيلة والمؤسسات العامة والقطاعات الإنتاجية التي انشئتها الدولة،وكل هذا تم في ظروف حصار،وهبوط صادرات النفط بأكثر من النصف وحرب نقدية شرسه،ولا يمكننا تخيل حصولها بدون الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري للصين وروسيا لها 
ختاما نقول ان السلطة والدين متلازمة الحكم،ومتواصلة الخلق والتكامل فيما بينهما،ليصبح الدين حامل غايات وطموحات ومرامي السلطة وليس زفرة الانسان المضطهد فحسب