ملاحظات وتساؤلات حول زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى العراق

Submitted on Mon, 03/19/2018 - 00:23
المالكي في السعودية سنة 2012

علاء اللامي

عن الجانب الشكلي في التناول، أتساءل والتساؤلات مفتوحة وغير موجهة إلى أحد أو طرف مخصوص: 1-منذ متى كانت زيارة المسؤولين الأجانب والعرب الرسميين إلى العراق تهم المعارضين لنظام حكم المحاصصة الطائفية التابع للأجنبي كل هذه الأهمية ولها كل هذه الأولوية؟ وإذا كانت تهمنا، وهي تهمنا فعلا ولكن كتفصيل بين تفاصيل كثيرة لا نتوقف عندها بالضرورة، فلماذا لم يحتج الكثيرون ممن يحتجون عليها اليوم، على زيارات مسؤولين أجانب ومحتلين مثل الرئيسين بوش الابن وأوباما ووزراء دفاعهم وخارجيتهم الذين دأبوا على دخول العراق جوا وبرا في زيارات مُهينة واستباحية؟ لماذا لم يسكتوا عليه كما سكتوا على هم أشر منه؟
2-لقد كان هؤلاء الأميركيون وحتى البريطانيون يدخلون العراق دون دعوة رسمية، وحتى دون علم بقدومهم لدى أزلام نظام المحاصصة العراقية، ودون أن يستقبلهم أحد من هؤلاء بل كان بعض هؤلاء الرسميين العراقيين يهرعون كالقرَدة للسلام على "الزائر" الأميركي وكأنه في بلده وهم ضيوف على طريقة النشيد القائل: (يا ضيفنا لو جئتنا ...نحن الضيوف وأنت رب المنزل!) هل تكلم أحد أو علق شاجبا تلك الزيارات وأعني تحديدا أولئك يرفضون زيارة بن سلمان من منطلقات طائفية لا وطنية، وليس كل الرافضين لها من هذا الصنف طبعا؟
3-ألم يحتج بعض العراقيين "من هذا الصنف الطائفي" ضد الحكم السعودي والمحميات الخليجية الغربية الأخرى لأنها (تقاطع تجربة العراق "الجديد والديموقراطي" لأنها طائفية وضد الشيعة وحكمهم)، أي ضد ما يسميه الوطنيون "تجربة نظام حكم المحاصصة الطائفية"؟ ألم يحتج هؤلاء لأن السعودية رفضت تطبيع العلاقات مع الحكم العراقي خلال حكم المالكي الذي توسل إلى السعودية بشكل مخز وصريح وزارها شخصيا فلم يرد عليه أحد زيارته أو بياناته، لماذا يحتجون وقد لبى بن سلمان رغبتهم القديمة؟
4-يُحمِّل البعض الحكم السعودي مسؤولية الجرائم التي ارتكبها تنظيما القاعدة وداعش في العراق، ويرفض زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لأنه يعتبرها (خيانة لدماء الشهداء الذين سقطوا في تلك الجرائم، والبعض يبالغ في التصنيف الطائفي فيقول "دماء الشيعة"). والواقع فلا يمكن تبرئة السعودية كدولة، من المسؤولية عن انتشار الفكر التكفيري وغض الطرف عن التعبئة والتمويل والتكفير بالفتاوى الدينية التي يصدرها شيوخ التكفير السعوديون حتى لو كان كل ذلك غير رسمي للعصابات التكفيرية. ولكن ينبغي أن نكون واضحين ونحدد مسؤولية الدولة وليس المجتمع والشعب الشقيق في المملكة السعودية، وأن نتساءل على سبيل مقاربة الحقيقة والموقف الصحيح: مَن يؤيد القاعدة وداعش في السعودية، هل هو النظام السعودي ككل وفي مقدمته الملك وولي العهد أم أوساط وشخصيات وجهات تكفيرية سعودية على مقربة من الحكم أو حتى على مبعدة منه وربما معارضة له من منطلقات تكفيرية ومصلحية أيضا؟ ألم يستهدف التنظيمان التكفيريان القاعدة وداعش الدولة السعودية ومؤسساتها الأمنية والاقتصادية بعمليات عسكرية عديدة استهدفت مؤسسات وشخصيات مهمة فيه كوزير الداخلية الذي أصيب في أحد هذه الاستهدافات؟ 
5-إذا كان البعض يحمل النظام السعودي مسؤولية جرائم التكفيريين لأن السعودية نظام "تكفيري وهابي" رجعي، فهل أصبح هذا النظام تكفيريا وهابيا رجعيا منذ شهر أو شهرين أو مع بدء نشاط القاعدة وداعش؟ أم أنه كان كذلك منذ قيام الدولة السعودية الثالثة سنة 1902م، هذه الدولة هي التي أبادت الفصائل الوهابية المسلحة بقيادة فيصل الدرويش سنة 1929 دون أن تتخلى عن الفكر الوهابي التكفيري لهذه الفصائل بل تبنته كمذهب رسمي لها منذ قيامها؟ وهل السعودية هي الدولة الدينية الوحيدة في المنطقة؟ ألا ينبغي أن يكون الموقف منها ومن مثيلاتها واحدا على الصعيد النظري على الأقل؟
6-وفي السياق ذاته، لقد اتهمت حكومة المالكي بعد تصاعد تفجيرات القاعدة الحكومة السورية رسميا بالمسؤولية والتواطؤ المباشر مع تكفيريي القاعدة، وبلغ الأمر درجة تقديم شكوى ضد سوريا في الأمم المتحدة، ولكن النظام العراقي اليوم والذي لم يتغير من حيث الجوهر والطبيعة يعتبر من حلفاء الحكومة السورية، فلماذا لم يحتج أحد أو يتحفظ أو يتساءل على هذا الانقلاب؟ 
*خلاصة القول: لست مؤيدا ولا رافضا لهذه الزيارة، لأنني لا أرى نفسي معنيا كفاية بها، لأصدر، من ثمَّ، تعليقا رسميا على كل حدث من هذا القبيل، وحول كل زيارة رسمية من مسؤول عربي أو أجنبي سيء إلى حكام العراق الذين لا يقلون عنه سوءاً. ولا أشعر بأنها حادث خطير ومهم ينبغي اتخاذ موقف من هذا النوع من الزيارات - باستثناء زيارات قد تحدث لمسؤولين صهاينة طبعا - ولكني أعتقد أن الاستقطاب والصراع الطائفي بين السعودية وإيران لا يعنيني، ولا ينبغي للعراق ، لو كان دولة مستقلة وديموقراطية وليس كما هو الآن، أن يكون طرفا فيه. فالعراق بلد تعددي ومتنوع النسيج المجتمعي وفيه شيعة وسنة ومسيحيين وصابئة مندائيين، وعرب وكرد وتركمان وكلدان وآشوريون ومندائيون ويزيديون وشبك، وينبغي أن نحافظ على تنوعنا المجتمعي و على خصوصيتنا التعددية وعلى حيادنا في صراعات طائفية مدمرة كهذه بين أنظمة ودول طائفية شكلا ومضمونا. 
فإذا لم نكن قادرين كعراقيين، وكعراق رسمي على القيام بدور الوسيط الذي يمليه موقع بلادنا الجغراسياسي مع دول الجوار فينبغي على الأقل اتخاذ موقف الحياد التام من صراعات دول الجوار ذات المنحى الطائفي، وأن نتصرف كمواطنين لا كأتباع شيعة لإيران أو كاتباع سُنة للسعودية أو تركيا، والكلام هنا عن حال وجود نظام حكم وطني في عراق مستقل، وشتان بين الحال القائم والحال المرتجى والمأمول. 
أختم بتسجيل الآتي: أعتقد أن أي اتهام لهذا التناول للموضوع بالمساواة بين السعودية وإيران بصدد الموقف من القضايا الأخرى كالقضية الفلسطينية وعدوان الكيان الصهيوني ليس في محله تماما، فقد عبرت دائما عن احترامي للموقف الإيراني الرسمي من هذا الشأن واعتبرت موقف إيران رغم طائفية نظامها أفضل وأكثر إنسانية من موقف القيادة الفلسطينية الرسمية وغالبية الدول العربية وخصوصا موقف السعودية ودول الخليج العربي الأخرى لأنه موقف متماد في الانجراف نحو التطبيع والتنسيق مع هذا الكيان وهذا موضوع آخر له سياقه. 
*الصورة: المالكي يزور السعودية ويلتقي الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز سنة 2012، حين كانت المجازر التي كانت تقوم بها العصابات التكفيرية القاعدة في ذروتها، فهل انتقده أحد على زيارته تلك، أم أن السعودية كانت تختلف عما هي عليه الآن، أم أن المالكي كان يختلف عما هو اليوم؟