محمد بن سلمان واحلام العصافير العراقية !

عارف معروف

بغض النظر عن مدى تأكد وموثوقية خبر زيارة ولي العهد السعودي والملك الحقيقي غير المتوج محمد بن سلمان المرتقبة الى العراق ، والتي اثارت ردود أفعال متناقضة ، مفهومة ومتوقعة ، وتوقعات شديدة السلبية من جانب او فرحة ومستبشرة من جانب آخر ، فأنها ، ان حصلت ، فأنما تحصل في سياق متصل سواء بالنسبة للسعودية او العراق او القوى التي تفوقهما شأنا وتاثيرا بمشروع إقليمي أوسع مدى وتأثيرا وغايات ، ولتقييمها يجب وضعها في هذا السياق او الاطار دون الانسياق وراء مخاوف فريق وتوقعاته السلبية او تفاؤل آخر واستبشاره بآفاق إيجابية .
فمحمد بن سلمان ليس رقما عابرا في سلسلة ملوك وولاة عهد السعودية وانما يراد له ان يكون أداة مشروع سعودي واقليمي ، وهو مشروع امريكي إسرائيلي وخارطة طريق جديدة للمنطقة يضطلع فيها النظام السعودي بدور عملي مهم وقد أُلبس هذا المشروع ثوب " رؤية " شخصية للامير والملك المقبل محمد بن سلمان !
ان هذه " الرؤية " او المشروع له مقدمات ومستلزمات ، من حيث هو إقليمي وواسع المدى والتأثير ، ولذلك فقد وجه الأمير عنايته لترتيب الوضع السعودي الداخلي أولا ، وبما يمّكنه من ان يتصرف بالقدرات والقوّة السعودية دون منافس عائلي او معوقات داخلية مهما كان حجمها ،ودون الخوف من التهديدات المحتملة على هذا الصعيد .خصوصا وان تلك " الرؤية " ومشروعها المرتقب تتجاوز سقف الممكن والمقبول بالنسبة لتاريخ وممارسة النظام السعودي وديماغوجيته الدينية المعتمدة ومنذ تأسيسه. انها رؤية ودور اكثر جرأة واندفاعا مما عهدته السعودية واكثر تحررا من تقاليد ومواضعات المؤسستين : العائلية الحاكمة والدينية الشريكة والساندة .
لذلك فأن محمد بن سلمان والنظام السعودي " الجديد " بحاجة الى فعالية ونجاحات تمهد وتعزز دورا سعوديا إقليميا مقبلا وليس هناك من بطن رخو او في الواقع ظهر يمكن اعتلاءه بأقل جهد وكلفة للإعلان عن " سياسة حكيمة " و" بعد نظر " وقدرات قيادية " للأمير او رؤيته ونظامه مثل الظهر العراقي وصنوه المصري او اللبناني لغرض التسويق للمشروع القادم او اجهاض الأفعال المضادة لشريك الامس وخصم اليوم : تحالف قطر وتركيا والتنظيم الاخواني العالمي ومراكز تأثيره .
وبالنسبة للجار العراقي ، المهّم جدا ، سواءٌ بالنسبة للساحة الإيرانية او السورية واللبنانية ، فان العمل على اختراقه او كسبه ،او تحييده على الأقل ، جار ومستمر وعلى اكثر من صعيد وبوسائل مختلفة منذ البداية وحتى اليوم ، ولكنه في جزر ومّد تبعا لتوازنات الحالة العراقية نفسها وممكناتها وعناصر القوة والتأثير داخلها كمنظومة قلقة وغير مستقرة من جهة ولإمكانيات النظام السعودي الواقعية واهتماماته وتحديده لأولوياته في المنطقة من جهة أخرى ، والاهم من كل ذلك تبعا للرؤية الامريكية وطبيعة ادارتها للصراع الشامل في المنطقة وما تريده من مسارات ومخرجات لهذه العملية الإقليمية وفي ميدانها العراقي تحديدا ، هذا الميدان الذي لم يُسلم قياده ويكون سلسا طيعا منذ 14 عاما وحتى اليوم . لذلك يمكن ان تتقلب الحالة وتتراوح العلاقة ، في هذا الميدان ، من الضغط بسلاح الإرهاب الدموي المسند بالمال والتحريض والفتاوى التكفيرية تارة ، الى المسايسة والملاينه والغزل باسم الاخّوة العربية والجيرة واسناد ذلك بما يتيسر من مال ودعاية ودعم سياسي وانفتاح ، تارة أخرى !
قلنا ان " رؤية " محمد بن سلمان ، هي مشروع امريكي إسرائيلي للمنطقة وليس للسعودية فحسب ، ولذلك فان هذه التحركات وما سيعقبها من صلات وفقرات ، في المنطقة وفي الداخل العراقي قد بدأت قبل هذه الزيارة ومنذ ارسال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ، وبعجالة ولهوجة ودون ان يفهم هو نفسه ما ينبغي عليه ان يقوله الى بغداد .ومجمل هذه التحركات تأتي ضمن برنامج امريكي اشمل للداخل العراقي يبغي تغييره الى الحال التي ينفع فيها لأن يكون جزءا فاعلا وايجابيا ( من وجهة أمريكية ) ضمن خارطة الطريق المطلوبة للمنطقة .
ان تركيبة القوى الفاعلة والمؤثرة في النظام والواقع العراقي القائم ، كما يعلم الجميع ، ليست موحدة بل ولا متجانسة ، وهي اقرب الى وحدة صراعية لأضداد تحاول ان تكون كل منها القّوة المؤثرة والمحددة للمسار والذي غالبا ما تكون فيه القرارات والنتائج اقرب الى محصلة فعل قوى متنافرة ، منه الى سياسة او قرارات او مسار يصدر عن رؤية او سياسة محددة ،.وهو بالنتيجة ميدان لصراع ارادات وامتداد أصابع واذرع محلية وعالمية . ولكي يُحسم امره ، أمريكيا بالكامل ، ينبغي لحلفاء أمريكا ان يقدموا شيئا للنظام العراقي يستطيع به ان يقنع الشعب العراقي بأفضلية خياره وتوجهه واهمية أولئك الحلفاء وبما يمّكن " أصدقاء " أمريكا وعناصرها في تركيبته من ان يحرجوا خصومهم ويجعلون قاعدتهم الشعبية الشابة التي يستندون اليها تتآكل عبر خطاب يستثمر واقع المعاناة العراقية المزمنه وكراهية الدم والحلم بواقع عراقي سوي يمكن للإنسان فيه ان يعيش بسلام وامان . واذا كان بعض المصريين يبدون استيائهم بل واشمئزازهم من شخصية السيسي وهوانه وتملقه الذي لا ينسجم مع تاريخ ودور مصر الذي كان كبيرا ومؤثرا في الغالب فأن بعض القوى والشخصيات المعتمدة من قبل أمريكا لدينا لا تملك عشر معشار " شجاعة " السيسي او " استقلاليته " ! وهي ، وبطانتها الاجتماعية كذلك ، والتي يمثلها قطاع من سراق المال العام ومحدثي النعمة والباحثين عن الفرص ، من الضعف وانعدام الثقة بالنفس بحيث ترقص طربا لأية ايماءة قبول او استحسان من أي نظام خليجي وليس السعودية ، القوة القائدة للخليج .
لقد عُقد قبل اشهر ، في البصرة ، معرضا او " بازارا " بتنظيم وإدارة " بهلوان مصري " وبلهفة وحماسة وطرب من قبل المسؤولين البصريين ووزارة النفط العراقية كذلك ،حول الصناعة النفطية وامكانيات الاستثمار في البصرة .وقد خرج السعوديون ، الذين كانوا ضيف الشرف المحتفى به في ذلك البازار ، بصيد دسم ، سهل ومجاني الى درجة لا تصدق ، من الوعود والعقود والاتفاقات دون ان يقدموا أي شيء بالمقابل عدا الابتسامات وكلمات الاستحسان والتشجيع !
ان هذا الواقع هو مكمن الخطورة وليس زيارة او نشاط دبلوماسي لأي مسؤول سعودي او خليجي ، والتي هي ، بحد ذاتها ، امر مقبول ومطلوب بل ومرحب به في اطار العلاقات المطلوبه بين الدول العربية والإقليمية وكل دول العالم شرط استناده الى استقلالية سياسية ونظرة وتعامل يتأسس على أولوية المصلحة الوطنية المطلقة وارتباطها ، المشروط والضروري ، بالمصالح الحقيقية والجذرية لشعوب المنطقة والعالم .
لقد عرف السعوديون حقيقة ومستوى القيادات العراقية المسيطرة التي ينبغي عليهم التعامل معها ، من خلال تجارب عديدة ، كما خبروا أيضا مستوى وطبيعة المعاناة العراقية الدامية والتي تسببوا ، هم انفسهم ، بقدر هائل منها ، خصوصا لدى الشباب وهم أكثرية السكان وتوقهم الى استعادة فرص الحياة الامنه ومباهجها وعبروا – السعوديون - عن حصافة جديرة بالاعجاب في اختيارهم للهدية المناسبة جدا لأثارة أطفال المضّيف الجار وضمان تعلقهم بالضيف القادم والحماسة له . لقد اختاروا ان يقدموا ، ملعبا لكرة القدم ، وتلقف الاعلام المساند واذرعه المحلية ذلك بتهليل واستبشار منقطع خصوصا مع ما سبق تقديمه " للعراق الشقيق " من عودة ميمونه الى ملاعب الرياضة اثر جهد لرفع الحظر عن ملاعبه من ذات الأطراف الخليجية التي بذلت الوسع في فرضه عليه !
ان " اللوبي " السعودي في العراق ، وهو ليس طائفيا ولا سنيا كما قد يتبادر الى الاذهان ، وانما لوبي بزنز وسياسة واكثريته من شيعة أمريكا يحتفل ويحاول تجييش العواطف مع " العودة الميمونه " للعراق الى حضن الشقيقة السعودية يسانده في ذلك فريق ممن لا شأن كبير لهم مع السعودية ومصالحها ولكنهم يرحبون بذلك باعتباره مقدمة صحيحة " لتوازن" مطلوب وضروري اتجاه سعة نفوذ وتأثير ايران في العراق . وعلى العكس من ذلك ينظر " اللوبي " الإيراني وانصاره الى الخطوات السعودية بشك وريبة بالغين ويخشى من ان الرجل القصير الذي يتعثر بمشيته ويثير العطف ، قد يتكشف عن داهية اريب ويسلم للسعوديين مفاتيح كل شيء في اللحظة المناسبة !
ان ما يجب ادراكه جيدا هو ان زيارة ولي العهد السعودي حتى لو حصلت فهي لا تعني تحولا سعوديا باتجاه العراق وانما هي خطوة صغيرة في اطار خطة اكثر شمولا واهمية . خطة او مشروعا يضع العراق ومصر ولبنان وسوريا ، ناهيك عن محميات الخليج كأهداف لسعي وضغط ، قديم / جديد ، سعودي امريكي إسرائيلي بشأن المنطقة ومصائرها . وان لم تحصل فلن يغير ذلك من واقع الامر شيئا ، لان زيارات لمستويات أخرى في النظام السعودي جرت وتجري على مدار الأيام والساعات ولان التناغم والتعاطي والتخطيط والعمل ، امام الكواليس وخلفها ، جار ومستمر بهذا الاتجاه !