ماذا يقول العراقيون ؟!

عارف معروف
قامت الدنيا في امريكا والغرب ولم تقعد بعد ، ضد شركة فيس بوك ومارك بسبب تسريب معلومات تخص 50 مليون مستخدم الى شركة بريطانية استخدمت المعلومات استخداما سيئا لأغراض سياسية . ورغم ان فيس بوك قد اعترفت بالخطأ ومارك اعتذر عنه لكن القضية ما زالت تتفاعل وقد تنتهي الى المحاكم والغرامات الثقيلة والتعويضات .....
ماذا يقول " أخوة هدلة " ، العراقيون ، ولم يبق منهم فتى ولا فتاة ، ولا شابٌ ولا شابة ، ولا رجلٌ ولا امرأة ، ولا كهلٌ ولا ايجة ، ولا شايب ولا عجوز ، دون ان يفتح له او لها صفحة على الفيس بوك ويتحدث في كل شيء وعن اي شيء ؟!
من الشؤون السياسية حتى الشؤون العائلية . ومن اسرار وقواعد بيانات الوزارات الى التحركات العسكرية ، ومن قرارات المحاكم التحقيقية التي لم تصدر بعد الى آخر ماكنة حلاقة اشتريتها بالأمس . ومن جدول القضايا المطروحة على الاجتماع السري الفلاني الى فصول العشائر وما هتف به المهوال الفلاني بحق الشيخ العلاني ..ومن تطورات اسراراكبر قضية فساد قيد النظر في الهيئة الفلانية الى ماقالته فلانه في ظهر علاّنة خلال عرس فلتان او فاتحة فلتانة ، مما سيتسبب بمعارك عائلية لن تنتهي ، ربما الاّ بسقوط قتلى ، وفصول عشائرية جديدة !
اما الحصيف منهم ومنهُنَّ فيتحدث على الماسنجر ، حاسبا انه "خاص "، وما هو بخاص الاّ فيما بينهم :
" لقد القينا القبض على ثلاثة منهم قبل يومين واعترفوا على فلان وفلان وثالث آخر من المنطقة الفلانية وما زال التحقيق مستمرا ، يبدو ان الشبكة كبيرة ، هذا حديث خاص ، بيني وبينك ، ارجو ان لا تبلغ به أحدا ..." 
او
" نعم اكملنا استحضاراتنا وسنهاجم من المحورين الفلاني والعلاني بعد يومين ... ارجوك ، لقد ابلغونا بعدم الكلام بهذا الشأن اطلاقا .... "
او
" نعم انا اداوم في البناية الزرقاء التي تطل على الساحة الفلانية في الشارع الفلاني .... هاهاها هل صدقت انها شركة خدمات عامة ؟! لا يارجل هذه فقط واجهة لتضليل الإرهابيين ، انها بناية الحاسبة الالكترونية التي تخص الوزارة والتي فيها قاعدة بيانات كل شيء فيها ... هش ارجوك لا يسمعنا احد ! "
وبشأن كاميرات التصوير ، فحدّث ولا حرج ، لقد دخلت الى كل شيء وصّورت كل شيء : الملفات السرية ، والقواعد الحربية ، ومخازن الأسلحة ، وشحنات البضائع ، وسجلات الدوائر ، وانتهت الى الحمامات وغرف النوم العائلية ، وتعرى ( بالمعنى الحقيقي للكلمة ) امامها أناسٌ و " أناسات " من كل صنف ، بما في ذلك شيوخ عشائر ووكلاء وزارات ونواب برلمان !!
كانت الامبراطوريات الغازية القديمة ترسل الجواسيس والعيون لرصد كل ما يمكنهم عن أي مجتمع او دولة وضعت في جدول الاطماع والغزو ، وقد أرسل الإنكليز ، عند مطلع القرن العشرين في إثر رحالة وجواسيس اقل أهمية سبقوها ، المس " جيروترود بيل " في مهمة للاستخبارات البريطانية ترتبط بتطلعات التاج البريطاني في المنطقة عموما والعراق تحديدا ، وبعد جولة لها في ايران ، سكنت هناك وادعت انها "علويّة ". كان ذلك اعدادا وتمهيدا ، لكي تأتي الى العراق قبيل الحملة البريطانية والاحتلال الإنكليزي ، فتصبح " الخاتون " وتقيم علاقات سرية واسعة مع تجار وشيوخ قبائل ورجال دين وموظفين كبار ولتتمكن من دقائق هذا المجتمع في طريق التكون ولتظفر بأسراره وتحدد الأسس التي ينبغي لبريطانيا ان تتعامل معه على أساسها ، وكان هذا الجهد الاستخباراتي والتراكم المعلوماتي والصلات المتشعبة بالناس ودواوينهم والاطلاع على اسرارهم وحقيقة علاقاتهم ، ما مكّن " أبو ناجي " وهو الاسم الذي اطلقه العراقيون على الاستعمار البريطاني من ان يدير الامر بسياساته المعروفة لأطول مدة ممكنة .
لكنني اعتقد اليوم ان من الغباء لأية جهة استخباراتية ان ترسل الجواسيس الى العراق لجمع المعلومات ، فكل أنواع المعلومات معروضة وشائعة وحسبها ان تفّرغ عددا محدودا جدا ممن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي والفيس بوك والماسنجر ، تحديدا ، وبعد تصنيف وغربلة ومقاطعة يمكن له ان يظفر بأية معلومة يريدها . وهذا لا يعني ، طبعا ، ان تلك الجهات قد كفّت عن استخدام الجواسيس وانما يعني انها استعاضت عن جهود جواسيس المعلومات والاسرار بالعملاء التنفيذيين الذين يتمكنون ، من تقديم خدمات عملية واستراتيجية في تنفيذ السياسات وتطبيق القرارات ! اما المعلومات والاسرار فقد اصبح بإمكان دول وأجهزة اقل شأنا بكثير ان تحصل على أطنان منها في أجواء هذا الانفتاح غير المعقول على نشر وتداول كل شيء ، مما يعبر ، بالتأكيد عن مشكلة او ازمة اجتماعية وثقافية وسايكولوجية . وليس غريبا ، والحال هذه ان تكون لدى مخابرات موزمبيق وبوركينا فاسو ملفات ثقيلة تحتوى علي كل شيء عنّا !
حتى الرئيس الأمريكي السابق ، أوباما ، وهو ابن أصول وحمولة ، كما تعلمون ، كان قد نبه ، خلال فترة رئاسته ، جزاه الله خيرا ، الشباب الى خطورة ان ينشروا كل شيء ، فيما يخصهم ويخص غيرهم ، على حبال مواقع التواصل الاجتماعي ، لكن الظن يذهب بي الى ان العراقيين لم يلتفتوا الى نصيحته هذه وعّدوها حسدا منه لنجاح مارك واكتساح الفيس بوك لكل حواجزهم !
اكتب هذا الكلام ، ممنيا النفس ، ان ترعوي هذه الملايين وتتحسب في عرض كل شيء وتناول كل شيء على مواقع التواصل الاجتماعي وان ينتبهوا الى انهم لا يتكلمون او يتبادلون المعلومات في دائرة شخصية مغلقة وانما في دائرة مفتوحة يتابعها أناس في الطرف الاخر من العالم ، كلهم آذان مرهفة وعيون مفتوحة ، يترصدون المعلومة المهمة والسرّ الخفي ليكون محل بيع وشراء وبزنز قائم لا يرعى فيهم الاّ ولا ذمة ، هذا في ابسط الأحوال اما في أحوال أخرى فقد يكون رصاصة توجه الى صدور إخوانهم وابناءهم وقنبلة تخرب جهودهم وما تبقى لديهم !