العيشية المجنحه: عراق الحروب العشرة(2/2)

Submitted on Thu, 03/22/2018 - 16:13

عبد الامير الركابي

قد يكون الأوان قد آن ابتداء من اليوم، للتفريق بين وعيين، او مستويين من النظر والتفكير: تحوّلي"، و "ثباتي"، ولكل منهما أسس ومنطلقات، وحدود مختلفة عن الآخر، تشمل اجمالي النظر للوجود والعالم، وليس المقصود هنا، مقارنة بين صنفين، او موازاة بينهما، بل تعاقب بين طورين وحقبتين من تطور الانسان وحياته، وممارسته العقلية، واذا كانت الثباتية تستقيم مع التمثال الصخري الاغريقي، الباقي على نفس هيئته الى الان، مقابل الالواح الطينية المثلمة، والمدن النائمة تحت اليشن العراقية السومرية، والبيوت التي هي خيم من حصران القصب، والخوص النخلي، ومايمكن ان تنتجه من رؤى سماوية تحولية، فان الإيحاء الذي يمكن للعقل مقاربته، يمكن ان يكون احاديا، او ثنائيا، بناء على افتراق اوجبته حتميات البيئة والطبيعة.
وذلك يعني ان العقل لايمكن ان يكون واحدا، وان الفلسفة ومقابلها "النبوة"، هما خلاصة استجابة لايقاعين مختلفين، وسواء اخترنا الثباتية، او اعتقدنا بان الله هو من أوحى ب"التحولّية" لانبيائة مباشرة، فان الطبيعة والوجود لايستقيمان من دون اعتبار الثنائية، ومعها فرضية التغالبية بين منحيين. فثمة مدن تنتج عالما موازيا، عالما مفارقا أحيانا، يتحول الى الدولة الإلهية المفارقة، أي دولة الله على الأرض، لتصبح دين البشرية جمعاء، ماعدا الصين وقسم من الهند، وهذا الانتماء التوحيدي الكوني، انتجته المدن النائمة تحت التراب، في حين يسمي بورخيس الأمريكي اللاتيني، من بلاد الانكا"الف ليلة وليلة"، كتاب الكتب، ولقد مازج الانسان في سومر والعبيدييين جنوب ارض مابين النهرين، بين مجال الالهه والبشر، وتبادل هؤلاء المواقع باطراد، وبلا توقف، وهو ماكرره احد انبياء الابراهيمية النبوية العراقية المعروف بالمسيح عيسى (النبي/ الاله)، بالضبط كما كان يفعل العراقيون الأول.
والحلاج تاله، فقال يوما: "ماهذا القرآن انا استطيع ان آتي بمثله" وكان وقتها متالها غير نفسه، كما فعل الاسماعيليون، وقد فعل أخيرا، اكثر مما فعل عيسى، وان هو لم يعد من الموت ، فقد نادى وهو على صليبه على صديق له رماه بوردة، قائلا :"قد اذيتني يافلان"، واضطر الجند العباسيون لغزو الكوفة، لقتل الاله المتحدر من حواشي التشيع، بينما استمرت الالوهية الإسماعيلية متناسلة، قبل ان تتغلغل في سوريا والمغرب، وتصل الى مصر، حاكمه ومنكفئة الى الثباتية المصرية الازلية.
كان انسان مجتمع سومر التحولي الأول، لايرى سوى مافوقه، وقبة السماء الزرقاء، كانت طريقه الأوحد، الأرض كانت مجافية، النهران مجافيان، مدمران، يفيضان عكس الدورة الزراعية، ويستوجبان يقظة دائمة لاتنتهي، والا ضاع الجهد، والشمال دائما مصدر غزو من دول تتوطن داخل مدن محصنه اشد تحصين، ومعسكرة، تمارس الغزو الداخلي، مستحلبة الريع الزراعي بالقوة من مجتمع يجافيها، ولاينتجها، "مجتمع لادولة"، اذا حل فيه التمايز والطبقات اختلت العملية الانتاجية التعاونية المشاعية، المستمرة على حافة الفناء، وسط طبيعة مضطربة متقلبة، شتاؤها قاس، مطره يحول الأرض الى سيول ومنزلقات، تشل حركة الانسان في ارض غرينية، والعواصف عاتية، واللهب الصيفي حارق، والحدود الابعد، هي الدائرة الثالثة القاتلة، حيث مصب السلالات والأمم المسلحة، مجتاحة ارضا خصبة، وسط جهات كلها بجبالها وصحاراها جافة، طاردة، باتجاه بورة الاغراء الصعبة الخصيبة/ السوداء، لتزيد العيش فيها صعوبة، تصل بها للاستحالة.
وسط هذا الاحتدام الديناميكي الأقصى، لايجد العقل من نزوع يتلائم مع جموحه المقابل، غير الارتفاع العلوي، خارج الجسد والأرض، والى ماوراء القائم والمعاش، وحيثما الأشياء والمدن، تقوم لكي تدمر وتنهار، ممحية بسبب عنف الطبيعة والانسان ومقاومته، فان إيقاع الكون يصير مناديا في العلن والسر، خلال الغفو والصحو، بان المجتمعية هي اللامجتمعية، وانها موجودة، او وجدت بالاصل لكي تلد مابعدها، انها العتبة الموصلة الى الأعلى، الى الكون ودنيا الالهة.
لسنا في ارض النيل، او أي من الأراضي الثباتية، حيث الأرض سمحاء، والنهر رخي هاديء، ينهض بنصف المهمة المتعين على الانسان المنتج القيام بها، فهو مؤات تماما وحسب المتخيل، يفيض مع الدورة الزراعية، كانه مكلف بمهمة محسوبه من القوى العليا، حيث الالهه هناك مرئية، ليست في الاعالي، تدبر المعيش، وتسويه متسقا هنيئا، وارضيا مجسدا، على راسه اله اسمه الفرعون، خالد هو والأشياء التي تحيط به ، وحي حتى بعد الموت، علوه يقارب ارتفاع الذرى التي يصلها بالنظر، مجسدا حضوره الأعلى، اهرامات من حجر باق، مثل تماثيل الاغريق على ضفة المتوسط الأخرى، تمجد خلوده، وتجعل من العالم الاخر، محطة يربطها بالعالم الاخر طريق مرصوف. فلاموت هنا، ولاشيء تتوقع خسارته، او فقدانه، كل شيء تحت النظر، والاشياء تحد الرؤية، تغطيها، وتمنعها من ان تجازف مخترقة الافاق. هنا الثبات والسكون، حيث لا شيء معاكس، يضطر الانسان، او يغريه بالتحليق الى الافاق العليا، ليبني عوالم، ودنيا من قصص الخليقة والالهة، هنا الالهة تتارضن، بينما في ارض مابين النهرين، الارضين المسكونة تسموا، معتلية ماوراء الأفق.
حتى في حالة التردي الأقصى، تحكي لنا بغداد المتهالكة، المتردية حد الفناء، كما تبقت خربة من قرون الانقطاع الحضاري القاسية، ذهابا الى اللاارضي، وان تكن تناوعاتها وشخوصها متردية هي الأخرى، مثل: خلف بن امين، وجاسم أبو الهزي، وعرب، واحمد بنية، وشيخان العربنجي، وعباس حلاوي(1)، او الأسطورة الحديثة، تكرار انكيدو وكلكامش في الفرات الأوسط ، بشخصيتي حسين الصويح، وحمد ال حمود، وبينهما الراوية الشاعرة العظيمة "فدعة"، او "معيجل"معادل خلف بن امين جنوبا.حامل الأسلحة على تنوعها، من الرمح الى الابرة، مع جبنه الشديد، وادعاءاته، تكرارا، كانما المخيال الحاضر هنا، يحكي جموح سرفانتيز و "دونكي شوت". لانجيب محفوظ، و"سيد السيد" المثقل بالبلادة والعتق القريب من التعفن، او واقعية غائب فرمان، أوفؤاد التكرلي المفتعلة، المركبة من خارج إيقاع الحياة، حيث اغراء قتل الروح، الباقية منذ الازل تحكي قصة ماوراء العيش الأرضي.
مع حضور الغرب بجيوشه ومفاهيمة القاتلة،في العصور الحديثة، التقت حدود الثباتية المهيمنة الطاغية، باللاثباتية القصوى، ومع بداية القرن العشرين، اصبح العراق تحت وطاة " الاستعمار المفهومي" باسم الدولة الحديثة، والبرلمان، والعلم، والبروقراطية، كيان وثقافة، تديرها وترعاها الدول والمؤسسات المستحدثة، ووعي مفبرك للذات، والطبقات المتخيلة، والتاريخ، "عراق مابعد عام 1920"، المقطوع كليا عما قبله، لاوجود لاي زمن يسبقه، لاعراق المنتفك والنجف، ولاعراق العباسيين والقرامطة، او السومريين البابليين، الماضي منقطع اليوم، ينتمي لمكان "اخر"، و"زمن" لم يعد له من حضور: نحن الغرب، وتاريخنا هو الانتقال العجيب من الاقطاع الى الراسمالية، بدلاله غيرنا، الى الالتحاق السحري بالسوق الراسمالية العالمية، والطبقات، هكذا يمكن ان يعلق الحضور الوطني الحديث العراق الفعلي على مشنقة التاريخ الغربي، الثباتي، بحلول "الاستعمار المفهومي" وفعل جيوش المفاهيم المستعارة، والتفسيرات المقحمة، والرؤى الجاهزة.
لم تتوقف حرب الإلغاء الوجودي بعد عام ،1914 مع وصول القوات الإنكليزية الى الفاو، ومعها "وايرلند"، و "لونغريغ"، والضابط المثقف الأول منهما، الملحق بالحملة البريطانية، سيبتكر سردية حديثة لعراق يخلقه، فيتبعه عراقيون، باحثون في العراق الجديد عن مكانهم الذي يختلط على مشارف حدوده المختلقة، ودولته الحلم / الوهم، كان ويرلند هو سيد "العراق الملتحق بالسوق الراسمالية العالمية"، كما ينص "محمد سلمان الحسن" في صدر مؤلفه الضخم المهم عن الاقتصاد العراقي، والذي انبثق عن صلته بالغرب الراسمالي، ليتبعه الحداثيون بالطوابير والاحزاب الايديلوجية، التي تصنع عراقا متخيلا،وتعيش فيه، بالضد من التاريخ والحقيقة العظمى، كما ابتدعها هذا المكان في قلب الوجود.
ومن يومها اشتعل صراع له نكهة وطابع الكونية، بين الثباتية واللاثبات، منذ ان لم تفلح، ولا استطاعت قوة الثباتية والاستعمار المفهومي، إيقاف حضور الأصل الحي، الباقي، المستمر بالحضور رغم الهيمنه المفهومية شبه المطلقة، لنموذج الغرب الحديث في الحياة والدولة والتصورات. ولم يلبث الحضور الانقطاعي، ان بدأ أصلا بالفشل الكلي، الثورة الأولى عند مفتتح العشرين، جعلته يترنح، والدولة التي أقامها كوسيلة أخيرة لضمان بقائه، انهارت وسحقت مسحولة في الطرقات عام 1958 صيفا، والاحتلال الثاني، كما تمثل بسلطة 1968 ، تبعته على التوالي حروب عشرة، استمرت تباعا، لتسجل على التوالي، عجز الغرب، ونهاية قدرته على اقلمة آليات وديناميكية موضع مضاد، نقيض، اعلى منه حضورا وجذرا:
1ـ حرب سيطرة الحزب العقائدي الريعي العائلي 1968 .
2ـ الحرب العراقية الإيرانية 1980 / 1988 .
3 ـ دخول القوات العراقية الكويت وحرب عاصفة الصحراء بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ومشاركة 32 دولة.
4 ـ الحصار الاقتصادي 1991/2003 وهو اقسى حصار فرض على دولة في التاريخ.
5 ـ الغزو الأمريكي والاحتلال عام 2003 .
6 ـ حرب الاجهاز على الدولة، وسحقها وتصفية ركائزها على يد الاحتلال بعد 82 عاما من قيامها مع مااودع فيها من جهود وطاقات واموال عائدة للشعب العراقي لاتعد ولاتحصى.
7ـ حرب التفجيرت والعمليات الانتحارية، وتستمر من 2005 بلغت 60 الف انفجار تساوي مرة ونصف ماشهدته الكرة الأرضية من انفجارات على مدى نصف قرن، وتعادل بحسب الغارديان البريطانية، خسائرها في الأرواح، حجم خسائر حرب بين دولتين، وتفوقت على خسائر الحرب مع ايران.
8 ـ الاقتتال الأهلي الطائفي في السنة السوداء 2006 / 2007 وهي من اشنع وابشع الحروب الاهليه التي عرفت في التاريخ. 
9 ـ حرب داعش 2014/ 2018.
10 ـ حرب المياه وانتقال العراق من "بلاد مابين النهرين"، الى "بلاد مابعد النهرين".
فهل بعد كل هذا من سبيل اخر ارضي، يمكن تخيله، محل العبور الى العالم مافوق الارضي، من نوع مثلا تهافتات "الدولة المدنية"، اخر ماتبقى، وما متداول من ترسانة الاستعمار المفهومي البائد، اغلب الظن ان اللاثباتية، واستعادة الأفق الكوني المطموس، نحو مابعد الثباتية، سيكون هو ماننتظره اليوم، ومن هنا فصاعدا، تجليا عراقو/ كونيا، يعود العراق معه الى ذاته، عابراالمسافة بين العراق المفبرك المقطوع عن وجوده مفهوميا، عراق مابعد 1920 فقط لاغير، وقد تراجع مترديا، هو والخلفية التي تقف وراءه على الضفة المتوسطية الأخرى، حيث ننتظر تجليات زمن "مابعد غرب" الرافيدينية العراقية العظمى، المنبعثة من الآن فصاعدا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من المحرك للخيال ربما نوع مؤلف "بغداد في العشرينات" ل عباس بغدادي/ تقديم عبدالرحمن منيف/ الموسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.