تباشيرانتهاء عصرالراسمالية والاشتراكية؟

عبد الامير الركابي
مايزال العقل الإنساني، بوجه عام، محكوما من حيث المنظومة التفكرية الاشمل، والمهيمنه، لقوة مفعول العقلانية الغربية البرجوازية، منذ تشكلها في القرنين الثامن والتاسع عشر، ولايقصد هنا بالطبع، اشكال التجليات التي من هذا المنحى، كما هي مبثوته في العالم الابراهيمي الناطق بالعربية، باعتبارها مجرد انعكاسات، خارج الفعل العقلي المبدع، ومع ان الإنسانية العقلية، قد غادرت فعليا، مفاعيل الثورة العقلانية البرجوازية الغربية، بعد ان بلغت نهايتها، الا ان شكل وملامح البديل العائد لثورة "مابعد غرب"، ومابعد راسمالية واشتراكية ملازمة لها، وبماهي جزء عضوي منها، ماتزال لم يتسن لها التبلور بعد.
والمؤكد ان خيال كل من : كانت، وديكارت، وهيغل، وماركس، ولنين، لم يزل يملا المساحة التفكرية الإنسانية باثر رجعي، بغض النظر عما اذا كانت سطوته قد أصابها شيء من الاهتزاز، مازال الغرب يعبر عنه بردود أفعال مضمرة، تكاد تصل مستوى التحايل على الأسس المعرفية والعقلية، من قبيل "مابعد حداثة"، او الاشكال المختلفة من تصورات السلطات الخارقة، الافتراضية الجديدة، المتحكمة بالمشهد العولمي، والمتوائمة معه، او الاقتصاد الافتراضي، بما في ذلك "العملة الافتراضية"، والاقراض الوهيم، الدال على استحالة استمرارالممارسة الراسمالية، او محاولة منح التكنولوجيا بعدا "آليا"، يسحبها الى الخلف، نحو زمن راسمالي منته، يناقض طبيعتها، وشكل استخاماتها، التي هي مؤهلة لادائها( هذا مايعمد الصحفي الأمريكي توماس فريدمان، الى محاولة فبركته في كتابه الضخم بلا موجب: "العالم مسطح")*، لابل ووجدت موكولة بنقل الحياة اليها.
وتظل تحايلات الحياة والعقل موطن الفكرة، مؤهلة لان تصل حد الاعجاز، بمعنى تعدي الثابت، والمعتبر نهائيا، او اقرب للملموس والمختبر، وهويفاجيء العقل، كأن مثلا تظهر الاختبارات انفصال تجليات "مابعد غرب" خارج المجال الغربي نفسه، على عكس ماظل يظن لعقود بصورة قاطعة، من ان الغرب من دون أي شك، هو موضع التعاقب الوحيد، حتى اذا جرى التفكير بما بعده، والاشتراكية هنا، او اية اشكال حياتية خاضعه لتحكمات العلم والمخترع، هي التي ستكون حتما الموالي، والوارث البديهي والطبيعي للراسمالية، وسيكون من المذهل والمخالف، بدرجة استثنائية، لو انه قد ظهر، بان تعاقبية مفترضة من هذا القبيل، لن يكون ميدانها الغرب الحالي. مع ان مثل هذه الإشارة، كان مهيئا لها ان توجد أصلا، مع اكتشاف القارة الجديدة، وقيام الإمبراطورية الامريكية، كمثال غير مسبوق للكيان الامبراطوري، المفقس خارج رحم التاريخ.
لكن الجدة والانبثاق الكياني القاري، غير العادي، كمستجد طرا على الوجود الإنساني، قد لايكون مع ذلك، هو المكان الذي يحمل بالفعل بذرة الانتقالة الكبرى، وهو ماقد لايعني عدم احتساب دور الوجود الأمريكي، في انعاش واطالة عمرمايتصل بالغرب، ومنجزه المنحدر، مع اكتساب، او اختطاف تمثيله، انما من دون مايدل على انقلاب، او يوجه النظر اليه كاحتمال، خصوصا من نمط ذلك الذي يمكن ان يكون بحجم ونوعية الانتقال الأعظم. بينما يمكن ان يحصل ذلك، او نفاجأ باننا على وشك العثور عليه، وعلى الياته مودعة في الماضي، لابل وفي الماضي الابعد، للكينونة المجتمعية المعروفة.
ليس هنالك ماهو اكثر خطلا وتعمية على العقل، من المنظور المستقيم للتاريخ، كما أراد الغرب تكريسه بإلحاح، من ضمن حرصه على تثبيت ابديته، وتقدمه عن سواه، ووحدانيته، بعد ان حقق في العصر الحديث، ماقد حققه، وكانه القمة الأعلى، ان مدار التاريخ بالأحرى، يمكن ان يكون تعاقبيا، او حلزونيا، في بعض الأحيان،او حتى رجوعيا، لكنه لم ولن يكون مستقيما، وعلى سبيل المثال وعلى ذكر العوائق الحادة لانطلاقة العقل، فان فريدمان حيث يبلغنا بان تسطح العالم، أتاح للدول الصغيرة، مثلها مثل الضخمة والكبرى، الحضور والمنافسه على الأدوار الأولى، فانه لم يتطرق الى مايمكن ان يتصور من متغيرات محايثة ومواكبة على مستوى المفاهيم، ومنها مفاهيم " الدولة/ الامة"، وهل يمكن للعقل ان يغادر مع الانقلاب الموحي على صعيد طرائق الإنتاج المستجدة، بفعل التكنولوجيا، مفاهيم وسياقات التنظيم المجتمعي الحالي، لصالح أنماط مواكبة، سواء اكانت في طور التشكل باعتبارها صيغا مؤهلة وصاعدة، او بما هي كآليات تتصادم عمليا، مع اشكال التنظيم السياسو/ مجتمعي، كما كانت ابان صعود الراسمالية بالذات، بالاخص في طورها الكلاسيكي.
وليس هذا سوى مثال على كيفية تمسك العقل الغربي، بثوابت راسخة، تناقض طبيعته، ومايمكن ان يذهب لملاحظتة واقتراحه، وهو يمارس نمطا من المكاذبة المعرفية، بقدر مايبيح اطلاق العنان لتغيير الوسائل الإنتاجية، بينما يبقي على التنظيمات الموروثة التي لم تعد صالحة موضوعيا للحياة. وليس مايجري اليوم، ويتراكم تباعا، من نوع المشهد الذي نضطر الى النظر اليه، بموشور يظلله الماضي، او قوة فعالية وديناميات الزمن المنقضي، ويجب ان نكون قادرين على التصديق، بان المتغيرات التاريخية والعقلية، لاحدود لها، وبما في ذلك احتمالات توفرها على مالايمكن تصوره، كان نتوقع مثلا حضورا لمواضع، هي الان على حافة القفز الى الواجهة، بناء على كبنونتها الاصلية، باعتبارها موضعا تأسيسيا للتاريخ المجتمعي، كما هو الحال بما خص الموضع المعروف ببلاد مابين النهرين، حيث تنبثق احتمالية جديدة مطموسة، تضعنا امام ممكنات "تحوليّة"، تغير كليا المنظور الإنساني للوجود، وللحياة والتاريخ، مبدلة الإيقاع، والمعنى المتضمن في العملية التاريخية، بالعودة الى الارتقائية النشوئية، مع تعديل لمقتضياتها، ودلالات مسيرتها. وصولا الى مايبرر الجدوى التاريخية للحقبة الراسمالية، بناء على الوظيفة المفترض بها تأديتها فعليا.
وثمة تفارق ينبيء عنه التطور الجديد، بين الحاضن المجتمعي، والمنجز المادي، فالمجتمع التحولي الرافديني* قد عجز في الطور الحضاري الأول، عن ان يحقق الانتقال الملائم لكينونته، لافتقاره للعامل الأساسي المادي، ابان طور الإنتاج اليدوي،فتأجلت المهمة في حينه، ماقد منح مجتمعات الثباتية، لا التحولية، الفرصة كي تغلب تصورها ومفهومها، ونموذجها الحياتي، على مدى يقرب من سبعة الاف عام.
ولابد ان تأخذ التشوفات العقلية اليوم، بالاعتبار، مسالة التطابق، بين الغرض من الوجود المجتمعي، كما هو متضمن كغائية في قلب الحقيقة الكونية المقررة، والتي اوجدت العملية الحيوىة على كوكب الأرض، وبين الوسائل المطابقة، وموضع اكتمال الصيرورة الوجودية، فالانتاج التكنولوجي العقلي، يوافق انقلابا كليا وشاملا في الدلالات والمعاني، بخصوص ماهو مادي، وماهو فعال تاريخيا ووجوديا، ان طور الراسمالية في التاريخ، لم يعد فعالا ولاممكنا موضوعيا، والانسان مقبل على الانتقال الى التوافق، بين الوسائل الإنتاجية المستجدة، والمجتمع التحولي، بنموذجه التاريخي في ارض الرافدين.
وهذا الافتراض، سيبدو للجميع اليوم، من قبيل التجرؤ، الخارج عن المنطق والعقلانية، وسيلعب رسوخ المفهوم البرجوازي، والاشتراكي المفترض، والسائر للانقراض، دوره بهذه المناسبة، لكنه سيكون هذه المرة، في حالة اختبار وتمحيص، هي من مقتضيات ومستلزمات الانتقال بالعقل الإنساني، الى الطور الحالي، الملح والضروري تاريخيا، من الزمن الراسمالي، الى الزمن التحولي، بكل مايحيط ويلحق به، من انقلابات عظمى، تترافق مع انقلاب حياة الانسان راسا على عقب. *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكتاب لمن هو قادر على تجشم عناء القراءة، موجود بالعربية مترجما ب 511 ص/ صادر عن "دار الكتاب العربي" / بيروت / لبنان ـ بترجمة / عمر الايوبي .
* يبقى مفهوم "المجتمعية التحولية" من الموضوعات الرئيسية، التي سنعمد تباعا لتبيان المقصود منها، وكيف تحققت، واذا ماكانت المجتمعية كظاهرة لاحقة على طور اللقاط والصيد، قد وجدت بالاصل، مشمولة ب "نشوئية عقلية"، لاحقة على نشوئية "دارون" الحيوانية، والتي تنتهي عندالانسان العاقل، ليبدا بعدها طور نشوئي اخر، مختلف نوعيا، وهو ماسنحرص على تبيانه عبر "بيانات التحولية" المتسلسلة، المنوي نشرها في "الحوار المتمدن" تباعا بحسب المقتضيات.
* نعلم ان مانعرضه هنا ابتدائي ويقع خارج دائرة الممكن اعقاله في اللحظة الراهنة، كما نعلم بانها البداية.... وان المعركة الكبرى لم تبدا فعليا بعد.