معاناة بالمجان

رعد أطياف

حينما ننتبه لتجاربنا سنكتشف كم هي مدهشة هذه التجارب لما تحمله من ثراء وخصوبة تمنحنا خبرة استثنائية في الحياة. من ضمن التجارب التي تصادفنا، هي مشاهدة تصرفات ذوي الوجوه الجميلة. لطالما تعتقد هذه الفئة إنها الأوفر حظاً في الحياة من غيرها، لأنها تمتلك ملامح جميلة تجعلها الأكثر إعجاباً وشعبية دون الآخرين. تأتي الخطوات اللاحقة، أي التصرف مع الآخرين، من دافع الشعور بالتميز، وهذا الشعور وحده يكفي للسقوط نحو الهاوية. تتراكم الأخيلة وتتجذر الأساطير ويتعمق الاعتزاز بالذات، ليس لأننا حققنا منفعة للآخرين، أو ساهمنا في رفع معاناتهم، وإنما لأننا مميزون بأشكالنا، فعلى الآخرين أن يهتموا بنا أكثر من اهتمامهم بأنفسهم!.

 كنت أعرف شخصاً جميل المظهر، ودائما ما كان يحاول جذب الآخرين ليحظى باهتمامهم، حتى أنه كان يضطر ليصنع ويستعير من الحركات ونبرات الصوت ما لم يكن له!. كنت أفكر حول جدوى أن يتصنع الرجل الوسيم لأنها صفة للنساء، وجمال التغنّج عند النساء يأتي عفوياً بشكل عام فنستشعر جاذبية الأنوثة ورقّتها.. لكن كنت كما لو إنني في عالم آخر، فالتمركز حول الذات لا دين له. لابأس أن نترك الرجال ونستثنيهم من هذا الموضوع؛ فمهما برزت هذه الحالة فهي قليلة لدى الرجال على اي حال، وإن انتشرت فإنا لله وإنا إليه لراجعون!.

 المهم في الأمر، قد يعترض البعض على جدوى التركيز على هذه الظاهرة لدى النساء(بعد أن استثنينا الرجال )، أليس هذه الصفة محببة عند المرأة. الجواب على هذا الاعتراض كالتالي: إن غنج المرأة - كما أسلفنا قبل قليل- حينما يأتي طبيعياً وعفوياً، فهو يدخل القلب ويثير الإعجاب، كما لو أن أحدنا يشاهد وردة متفتحة في الصباح، ثم يمضي لحال سبيله. كلما كان إظهار الأنوثة تلقائيا، كان أكثر قرباً للنفس، (وعلى ما أظن أن ما أتكلم عنه لا يُسَجل لي كبراءة اختراع!). إذن، ليس المقصود تلك الطراوة المحببة للنفس، والتي هي عنوان الأنثى، بل المقصود ذلك المرض المستفحل الذي يوهم صاحبته بالربوبية، فعلى الآخرين أن يتعذبوا من أجلها. ماذا أريد من هذه المحاولة - التي لا تحظى بإعجاب الكثيرات- ومن هذا اللف والدوران؟.

 ما أريد إيضاحه، أن هناك الكثير من الآلام الذهنية؛ الملل، التذمر، الشعور بالفراغ، التعلق المرضي بالحياة.. الخ، يساهم في تعميقها، هو هذا الشعور السطحي والمضحك. حتى أن المصابين بمرض الشعور المفرط بالتميز بسبب جمال الشكل، قد يتعرضون لنوبات نفسية ضاغطة، ذلك أن كثرة الدلال والغنج المفتعل، ومحاولة جعل الآخرين كما العبيد، يسلب منهم لحظات السلام، ويتحول جمال الشكل إلى محنة على صاحبها، ويبدو أنهم لا يعلمون ماذا يحدث، وإن علموا فلا يستطيعون التخلص من هذه الآلام، لأنهم خائفون وقلقون من عدم تقدير الآخرين لهم لو تصرفوا بشكل طبيعي، فهم أشبه بالمريض الذي يجهل الأطباء علّته. وبالمناسبة، إن هذه الفئة تعلم جيدا أن الأغلبية الساحقة من المعجبين عبارة عن فرائس جائعة، ويعلمون كذلك أن كل هؤلاء لا يمكنهم مساعدتهم من ألامهم ( المفتعلة!!..).

 أصاب بالحيرة في بعض الأحيان؛ إذ لا أصحاب الأشكال الجميلة يشعرون بالسلام، ولا من يعتقدون العكس يشعرون بالسلام، والسبب هو هذا التضخيم الزائد للذات: أنا جميل(ة) فعلى الآخرين أن يسارعوا لتقديم فروض الطاعة والولاء لشكلي .. لماذا أنا قبيح(ة)، ولماذا يحظى الطرف الآخر بكل هذه النعمة فيما احترق أنا في هذا الجحيم.. كل هذه المشاعر المفرطة والمؤلمة تجعلنا على غير حقيقتنا وتمعن في إيلامنا كما لو أننا سنعيش أبد الدهر.

 ثم حقيقة ينبغي أن لا تفوتنا: من يطلع على القشرة الخارجية للجلد البشري، فسوف يكتشف إن كل أنواع الجلود البشرية هي أشكال ميتة في الحقيقة، ومن يطلع بعدسة مكبرة للعين( الخضراء والزرقاء والسوداء وهلم جرا) فسوف يصاب الشعراء بصدمة!، والسبب في ذلك معلوم، وهو أن العين في الصور المكبرة ليست سوى تجاويف مخيفة وأشكال لا تحظى بكل هذه الانطباعات السطحية التي نلفّها بمخيلتنا. مؤكد كلنا مصابون بتقييمات زائفة، ومؤكد أيضاً أن هذا الكلام لا يندرج ضمن التسويق ضد الجمال!، لكن لا يمنع هذا من بعث هذه الرسالة لذوي الأشكال الجميلة، للمشاركة معهم بصدق وبدافع نبيل للتخلص من ألامهم المفتعلة ويطفئوا جمرة غرورهم، فالموت هادم اللذات ومحطم الكبرياء البشري والفاضح الأكبر لأوهامنا المضحكة.