نهرُ الفلسفة بين المسيحيّة والإسلام في القراءات الاستشراقيّة

علاء اللامي*

*لذكرى جورج طرابيشي في ذكرى رحيله الثانية

قبل أيّام حلّت الذكرى الثانية لرحيل الباحث العربيّ السوريّ جورج طرابيشي (تُوفّي في 16 آذار 2016). وفي هذه المناسبة، سأقرأ معكم بشكلٍ نقديّ كتابَه المهمّ، مصائرُ الفلسفة بين المسيحيّة والإسلام، تحيّةً لذكراه ولمنجَزِه العلميّ الكبير والرياديّ.

اخترتُ هذا الكتاب لأنّه في اعتقادي من أهمّ الكتب التي ألّفها طرابيشي. وتنبع أهميّتُه من أنّ الباحثَ الراحل تصدّى فيه لمقولاتٍ ومفاهيمَ متأثّرةٍ، إلى هذه الدرجة أو تلك، أو مشتقّةٍ، مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر، من الفكر الاستشراقيّ الأورومركزيّ، المناوئِ للثقافة والحضارة الشرقيّة عمومًا، وللمنجَزِ العربيِّ الإسلاميّ منها خصوصًا، ولا سيّما في مضمارَي الفلسفة والعلوم.

هنا قراءة في مقدّمة الكتاب وفصله الأوّل.

خلاصةُ المقولة الاستشراقيّة (ونسختِها العربيّة) التي يفكّكها طرابيشي بدراية، وينقدها بشكلٍ جذريّ، هي أنّ الإسلام قد كان السببَ في تأخّرنا، نحن العربَ المسلمين، في ميادين الفكر والعلوم والفلسفة؛ وأنّ المسيحيّة قد كانت السببَ في تقدّم الأمم الأوروبيّة الغربيّة. وقد عبّر عن هذه الخلاصة باحثون غربيّون عديدون، من أبرزهم إرنست رينان؛ وآخرون عربٌ مسلمون، من بينهم محمد عابد الجابري وأحمد أمين وعبد الرحمن بدوي (مع تسجيل طرابيشي تقديرَه العالي لجهودهم الكبيرة في سُوح الفكر والثقافة). ومؤدّى هذه "المتلازمة الثنائيّة" التي مثّلها الجابري أوضحَ تمثيل هو ـــ بكلمات طرابيشي ـــ محاولةُ إقامةِ مقارنةٍ ضدّيّةٍ بين العقل الأوروبيّ المسيحيّ "المتحرّر" والعقل العربيّ الإسلاميّ "المتخلّف" في تعاملهما مع الفلسفة بصفةٍ عامّة، ومع المنظومة الأرسطيّة بصفةٍ خاصّة.

يقتبس طرابيشي الفقرةَ الآتية من كتاب الجابري، تكوين العقل العربيّ، لتوضيح هذه الفكرة:

"أمّا في الثقافة العربيّة، فلم يكن قد تمّ الاعترافُ بالمنظومة الأرسطيّة بنفس الصورة التي اعتُرِف بها في أوروبا المسيحيّة، لأنّ سلطةَ المرجعيّة الدينيّة في الثقافة العربيّة لم تكن بحاجةٍ إليها، لا إلى منطقِها ولا إلى علومِها، كما كانت في حاجةٍ إليها السلطةُ المرجعيّةُ المسيحيّة: الكنسيّة... هذا عن أسباب تخلّف المسلمين. أمّا عن تقدّم غيرهم، وبالضبط عوامل النهضة الأوروبيّة، فترجع بدورها إلى نوعيْن هما: الموروثُ اليونانيّ المسيحيّ من جهة، والموروثُ العربيّ الفلسفيّ والعلميّ من جهةٍ ثانية. أمّا الأول فيتمثّل، بكيفيّةٍ خاصّة، في عنصريْن: نضال الكنيسة ضدّ الغنوص (= العقل المستقيل) نضالًا متواصلًا طوال القرون الأربعة الأولى من ظهور المسيحيّة، ما كانت نتيجتُه إقصاءه بصورةٍ تامّةٍ من حظيرتها. وقد استعانت الكنيسةُ في نضالها ضدّ هذا الغنوص، وكذلك في نضالها ضدّ البِدع الأخرى، وفي المناقشات اللاهوتيّة حول العقيدة المسيحيّة ذاتها، بـ’المعقول العقليّ‘ اليونانيّ، وفي مقدّمته المنطق، ما جعل العقلَ الكونيَّ يبقى حاضرًا باستمرارٍ في الفكر المسيحيّ" (ص 348 ـــ 349).

يصف طرابيشي رؤية الجابري هذه بأنّها مانويّةٌ، لا تقبل إلّا الأبيضَ والأسود؛ وبأنّ صاحبَها يعيد إنتاجَ ذلك الشقِّ من الإيديولوجيا الاستشراقيّة الذي ما فتئ يسعى ـ في سياق المركزية الإثنيّة الأوروبيّة ـ إلى تكريس وعيٍ تاريخيّ كاذب.

لكنْ على الرغم من دقّة العرض الذي يقدّمه طرابيشي لفكرة الجابري، فإنّه قد لا يخلو من الانتقائيّة وتوسعة المضمون بشكلٍ قسريّ؛ فالجابري يتكلّم في الفقرة المقتبسة عن "المنظومة الأرسطيّة،" لا عن السردية الفلسفيّة اليونانيّة ككلّ. غير أنّ تحفّظي عن استنتاجات طرابيشي سيَضْعف بالتأكيد حين نواصل قراءةَ ما كتبه الجابري في هذا الخصوص.

فطرابيشي يقول إنّ فحوى "الوعي التاريخيّ الكاذب" في السرديّة الغربيّة هي أنّ المسيحيّة النازحة غربًا ـــ من فلسطين الشرقيّة ـــ انفتحتْ على ما انغلق دونه الإسلامُ "الآسيويّ،" ومن هنا تقدّمُها وتأخّرُ الإسلام. وهو يرى أنّ رؤيةَ الجابري هذه، المشتقّةَ من الرؤية الاستشراقيّة في اعتقاده، "وعيٌ إيديولوجيٌّ لاواعٍ ولانقديّ،" يصادم الحقيقةَ التاريخيّةَ في مقدّمتيْن يَصْدر عنهما:

1) وجود سلطة دينيّة إسلاميّة عادت الفلسفةَ واستغنت عن الموروث العقليّ اليونانيّ.

2) مقاطعة السلطة المرجعيّة الدينيّة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة للمنظومة الأرسطيّة وللمعقول العقليّ اليونانيّ؛ وهذا ما يزعمه الجابري حين يعرِّف الحضارةَ الإسلاميّةَ بأنّها "حضارةُ فقه."

لكنّ الواقع هو عكسُ ذلك تمامًا؛ فالفقهاء أنفسُهم لم يقاطعوا أو يعادوا كلَّ المعقول العقليّ اليونانيّ. الغزالي في المشرق العربيّ، وابنُ حزم في المغرب، مثلًا، تزعّما مشروعًا مرموقًا لتبيئة المنطق الأرسطيّ إسلاميًّا. ثم إنّ أهمَّ ما يميِّز السلطةَ المرجعيّة الدينيّة في إسلام القرون الأولى هو عدمُ اقتصارها على سلطةِ فقهاءَ معادين لعلوم الأوائل، إذ وُجدتْ إلى جانب هذه السلطة سلطةُ متكلّمين عقلانيّين متحرِّرين سبقوا لاهوتيّي مسيحيّة العصور الوسطى اللاتينيّة إلى توظيف الفلسفة في خدمة اللاهوت (ص 9 وما بعدها من مقدّمة كتاب طرابيشي، مصائر الفلسفة بين المسيحيّة والإسلام).

ويمكن أن نسجِّل هنا أنّ طرابيشي، في نقده لمقولة الجابري عن "حضارة الفقه،" يتقاسم وإيّاه، بشكلٍ لاإراديٍّ تقريبًا، تحسُّسَهما (غيرَ المبرَّر) من "الفقه،" مفردةً ومضمونًا؛ ذلك لأنّ هذه المفردة تقترن عادةً عندهما (وعند غيرهما) بالخطاب الدينيّ السلفيّ المحافظ. غير أنّ هذه المفردة أوسعُ من ذلك بكثير. فالفقه في دول الحضارة العربيّة الإسلاميّة ليس أكثرَ من منظومة القوانين والتشريعات القضائيّة والجنائيّة، بالمعنى الوظيفيّ والمفهوميّ. وهي منظومةٌ متنوّعة إلى درجة التناقض، وهي في حالات موثّقة عديدة تلتفّ على النص الدينيّ وتبتدع طرقَها الخاصّة لتطويعه ــ ــ بل لإخراجه من الجزء المحافظ في المنظومة القانونيّة النافذة. وعليه، فلا جدوى من التحسّس الزائد منها، ولا سيّما أنّها لا تصدر عن مؤسّسةٍ دينيّةٍ رسميّة، وإنّما عن أفرادٍ خاض أغلبُهم في العلوم الأخرى، بما فيها الفلسفة والفلك والتأريخ والاجتماع. فالفيلسوف العقلانيّ ابن رشد، على سبيل المثال، بدأ حياتَه واستمرّ لأعوام عديدة فقيهًا، وتولّى القضاءَ مرّتين في أشبيلية وقرطبة؛ ومثلَه كان عالمُ الاجتماع التاريخيّ ابن خلدون، الذي كان أيضًا فقيهًا وقاضيًا على المذهب المالكيّ في مدينة تلمسان.

وقبل أن ينهي طرابيشي مقدّمةَ كتابه، يدعو قارئه إلى نسيان رؤية الجابري إلى الموضوع، ويبدأ بعمليّة تفكيكٍ دقيقةٍ للعلاقة الثلاثيّة بين المسيحيّة والإسلام والفلسفة في سياقاتها التاريخيّة والمعرفيّة.

                                                                                                                                                                                                                                ***

يبدأ طرابيشي الفصلَ الأول من كتابه، وعنوانُه المعبِّر هو "المركزيّة الأوروبيّة والصراع على تاريخ العقل،" بعرض مقدِّمات المشكلة قيد الدرس، وهي بروزُ المركزيّة الأوروبية العنصريّة "الإثنيّة،" وجعلُها موضوعَ تاريخ الفلسفة العالميّ مركزًا لصراعٍ أنثروبولوجيّ. فالحضارة الأوروبيّة الغربيّة اعتبرتْ نفسَها حضارةً للعقل المطلق، وفي ضوء هذه القراءة النرجسيّة ـــ على ما يضيف طرابيشي ـــ أعاد الأوروبيُّ المركزيُّ قراءةَ هذا التاريخ.

ويرى طرابيشي أنّ نقطةَ البداية المركزيّة في هذه القراءة هي محاولةُ "تغريب" العقل اليونانيّ (والأفضل في رأيي "غربنة،" Occidentalisation، أيْ جعله غربيًّا). ويلتقط طرابيشي أوّلَ مُصادرةٍ في هذه القراءة الأورومركزيّة، وهي محاولةُ فصل "العقل اليونانيّ" عن إطاره التاريخيّ والجغرافيّ، مع أنّه من حيث الهويّة الجغرافيّة شرقيٌّ متوسطيّ. وهكذا جرى فصلُ هذا العقل عن منابعه وروافده، وأُلحق بالغرب الأوروبيّ، علمًا أنّ هذا الأخيرَ لم يُسهم قطُّ في تغذيته بقطرةٍ واحدةٍ كما يقول طرابيشي ــ ــ وهو في ذلك مصيب.

صحيح أنّ نهرَ الفلسفة اليونانيّة صبّ ابتداءً من القرن الثاني عشر الميلاديّ في نهر الفلسفة الأوروبيّة الغربيّة، ولكنّه كان قد مرّ بما يسمّيه طرابيشي "تحويلةً فلسفيّةً شرق أوسطيّة." وهذه التحويلة العربيّة الإسلاميّة بدت خرقًا للاحتكار الغربيّ لامتياز "التفكير بالعقل في العقل وحده." وقد تولّى الاستشراقُ الغربيّ وتوابعُه الشرقيّة إغفالَ تلك "التحويلة" أو تشويهَها أو تقزيمَها.

ثمّ يتوقّف طرابيشي عند مساهمة إرنست رينان (1823 ــــ 1892)، وهو أحدُ روّاد المركزيّة الإثنيّة الأوروبيّة، ومهندسُ أسطورة "تفوّق الجنس الآريّ ودونيّة الجنس الساميّ" في القرن التاسع عشر. وقد أنكر رينان وجودَ فلسفة عربيّة بقوله المشهور:

"من العسف أن نطلقَ اسمَ فلسفة عربيّة على فلسفةٍ لا تعدو أن تكون استدانةً من اليونان، وما كان لها أيُّ جذرٍ في شبه الجزيرة العربيّة... وبدلًا من أن تكون نتاجًا طبيعيًّا للروح الساميّ، فقد مثّلتْ بالأحرى ردَّ فعلٍ من عبقريّة فارس الهندوآريّة على الإسلام الذي هو الإنتاج الأكثر خلوصًا للروح الساميّ" (رينان، التاريخ العامّ والمقارن للّغات الساميّة، ص10).

إنّ قراءةَ رينان هذه، القائمةَ على الركيزة العرقيّة اللغويّة، تحمل تناقضَها الداخليّ كما يلحظ طرابيشي. فهي:

"إذ ترمي الفلسفةَ العربيّةَ بأنّها ’مكتوبةٌ بالعربيّة ليس إلّا،‘ تتجاهل أنّ الفلسفة اليونانيّة نفسَها ما كانت يونانيّةً بالمعنى الإثنيّ للكلمة بقدْرِ ما كانت مكتوبةً باللغة اليونانيّة ... وإذا كان رينان يلاحظ أنّه بين الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنّهم عربٌ ما كان ثمّة وجودٌ تقريبًا إلّا لواحدٍ من أصلٍ عربيٍّ هو الكنديّ، بينما كان سائرُ الآخرين فُرسًا أو ممّا وراء النهر وإسبانًا ومن أهالي بُخارى وسمرقند وأشبيلية، فإنّنا نستطيع أن نلاحظَ بدورنا أنّ أكثرَ الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنّهم يونانيّون ما كانوا يونانيّين ولا من أهالي أثينا وشبهِ جزيرة الأتيكي، وأنّ أثينا نفسَها لم تنجب سوى فيلسوفيْن اثنيْن هما سقراط وأفلاطون، وأنّ معظمَ الفلاسفة الأثنيّين كانوا على حدّ تعبير نيتشه من ’الأغراب‘.  وإذا كان العِرقُ، كما يفترض رينان، مقولةً فلسفيّةً، فكيف يمكنه أن يصنِّف عشراتِ الفلاسفة من ذوي الأصول السوريّة والمصريّة الذين كتبوا فلسفتَهم باليونانيّة في عِداد الجنس الآريّ؟ ولماذا تَحْضر اللغةُ في الحالة اليونانيّة ويغيب العِرق؟ ولماذا تُستذكَرُ لفلاسفة الإسلام أصولُهم الإثنيّة وتُنتسى لفلاسفة اليونان الأصول ذاتها؟"

هذا التناقض الفاضح في الرؤية الرينانيّة لم يَمنعْ دعوى "العدميّة الفلسفيّة الإسلاميّة" ـــ كما يسجِّل طرابيشي ـــ من أن تجدَ لها أنصارًا بين المفكّرين العرب أنفسِهم. ومن هؤلاء، مثلًا، أحمد أمين، الذي لا يتردّد في الجزم بأنّ فلاسفة الحضارة العربيّة الإسلاميّة، من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد، كانوا "كالمفوَّضيّة اليونانيّة في البلاد الإسلاميّة!"((1)

أمّا عبد الرحمن بدوي ـــ على ما يكتب طرابيشي بعد أن قوَّم إيجابيًّا مساهماتِه الفكريّةَ في المشهد الثقافيّ العربيّ ترجمةً وتأليفًا ـــ فقد غالى في دعوى "العدميّة الفلسفية الإسلاميّة" إلى حدّ تحويره حديثًا موضوعًا على لسان الرسول محمّد ليقول "إنّ الفلسفة وُلدتْ في ديار الإسلام غريبةً وماتت غريبةً!" بل إنّ بدوي يُصدر حكمًا قاطعًا بأنّ "الفلسفة منافية لطبيعة الروح الإسلاميّة، لذا لم يقدَّرْ لهذه الروح أن تُنتج فلسفة." (بدوي، التراث اليونانيّ في الحضارة الإسلاميّة، وكالة المطبوعات في الكويت، ط 4، 1980، ص ز).

وأمّا الجابري، بحسب طرابيشي، فإنّه، على الرغم من احتجاجه الصارخ على اللاساميّة الرينانيّة المعمَّمة، يعود إلى تبنّيها "إبستمولوجيًّا،" ويعيد إخراجَها في صورةٍ عنصريّةٍ جغرافيّةٍ خاصّة. فالجابري لا ينْكر أنّ نهرَ الفلسفة اليونانيّة قد قام بتحويلةٍ شرقِ أوسطيّة، ولكنّه يضيف أنّ العقل اليونانيّ البرهانيّ قد تعرفن (نسبةً إلى العرفانيّة)، وتهرمس،(2) بقدْرِ ما تمشرق، ولم يقيَّضْ له أن يستعيدَ عقلانيّتَه إلّا بمقدار تمغربه (من المغرب) بعد طولِ تخبّطٍ في مستنقع "اللاعقلانيّة المشرقيّة،" وبعد أن أعاد تكوينَ نفسه في لحظةِ تأسيسٍ ثانية في المشروع الثقافيّ المغربيّ الأندلسيّ ــ ــ على ما تجسّد في نقديّةِ ابن حزم، وعقلانيّةِ ابن رشد، وأصوليّةِ الشاطبي، وتاريخيّةِ ابن خلدون. الجابري هنا، كما يلاحظ طرابيشي بصواب، يشتقّ نسخةً استشراقيّةً خاصّةً وجهويّةً في رؤيته الإقليميّة العرقيّة عن رؤية رينان: فالإقليم "المغربيّ الأندلسيّ" عند الجابري كالعِرق "الهندوآريّ" عند رينان، وهو مقولةٌ فلسفيّة صالحة (من وجهة نظر الجابري) للتفريق بين "مشرقٍ عربيٍّ لاعقلانيّ ومغربٍ عربيٍّ عقلانيّ." ولكنْ إذا كان المشرقُ قد استعصى على العقلانيّة، كما يزعم الجابري، فإنّ المغرب لم يستعصِ على اللاعقلنة. دع عنك أنّ المشرق والمغرب لم يكونا أكثر من جهتين جغرافيّتين في وحدةٍ حضاريّةٍ شديدةِ التداخل والاندماج؛ ومثلما نجد عقلانيّين في المغرب، فإننا نجد نظراءَ لهم في المشرق، والعكس صحيح. وهو ما يعني أنّ التفريق الذي يأخذ به الجابريّ ملتبس، وقد ينطوي على نوازع قطريّة مغاربيّة أكثر منها نقديّة عقلانيّة. صحيحٌ أنّ رؤية رينان أكثرُ صراحةً في مركزيتها الإثنيّة الأوروبيّة المعادية للشرق وللحضارة العربيّة الإسلاميّة، ولكنّها تقوم على المرتكزات الإيديولوجيّة الإثنيّة ذاتها التي اشتقّ منها الجابري رؤيتَه القُطْريّة والجهويّة.  فرينان يقول مثلًا، بحسب اقتباس طرابيشي، إنّ المسيحيّة:

"هاجرتْ من البداية إلى القارّة المركزيّة للجنس الآريّ: أوروبا. ومن ثم لم تبقَ، كما بدأتْ، ساميّةً خالصة. فقد أخذتْ من الجنس الهنديّ ـــ الأوروبيّ بقدْرِ ما أعطته. وعلى الرغم من عدائها البدئيّ للعقل الفلسفيّ، فقد انتهت إلى أن تكون حاضنتَه. وفي المقابل، فإنّ الإسلام اضطَهد على الدوام العلمَ والفلسفة، وقد انتهى به الأمرُ إلى أن يخنقَهما، بل إنّه قتلهما قتلًا. ولولا الفُرس لما وُجدتْ قطّ فلسفةٌ في الإسلام. فقد عَرفتْ فارس كيف تطالب بحقوقها كأمّةٍ هنديّةٍ أوروبيّة، وكيف تخلق لنفسها في قلب الإسلام فلسفةً وملحمةً وميثولوجيا…" (رينان، محمّد وأصول الحكم، ضمن: الأعمال الكاملة، مجلّد 7، ص 183، اقتبسه طرابيشي في مصائر، ص 19).

هنا يُخرج رينان بلادَ فارس من عالم التخلّف واضطهادِ الفلسفة، الذي وصم العالم العربيّ الإسلاميّ؛ في حين أنّ الجابري يُخرج منه المغربَ والأندلس ويمنحهما نوعًا من الأفضليّة، ذاتِ المذاق الأورومركزيّ، على مقياسٍ جهويّ مغربيّ أصغر.

هناك تنويعاتٌ أخرى بمضمونٍ مماثلٍ لرؤية رينان، يستعرضها طرابيشي في هذا الفصل. ومنها ما نجده عند المستشرق الهنغاريّ غولدزيهر، الذي حشد الكثيرَ من المقتبَسات للتدليل على سلبيّة أهل السنّة القدامى من علوم الأوائل، ومنها الفلسفة. ونجدها أيضًا عند ديلاس أوليري، الذي يرى أنّ المسيحيّة "يهوديّةُ الأصل ولكنّها نمت في جوٍّ من اليهوديّة الهيلينيّة وناسبتْ ميولَ الفكر الهلينيّ مناسبةً تامّةً... وقد جاء المنبعُ الرئيسيّ للمادة العلميّة والفلسفيّة إلى العرب عن طريق النفوذ المسيحيّ والكنيسة المسيحيّة" (مسالك الفلسفة، ص 53 و 54). والواقع أنّ هذا الكلام لا علاقة له بالعقليّة النقديّة العقلانيّة التي يتسلّح بها، في العادة، مؤرِّخُ الفلسفة. ثمّ إنّه لا يصمد أمام أكثر الأسئلة شيوعًا وبدهيّةً من قبيل:

ــ هل كان النفوذُ المسيحيّ والكنسيّ في العالم العربيّ الإسلاميّ هو السبب في بروز الفلسفة العربيّة الإسلاميّة الهاضمة للفلسفة الإغريقيّة، أم العكس؟

ــ أوَليس من حقّ العرب المسلمين أن يُباهوا أوروبا المركزيّة بكونهم سمحوا للمسيحيّة بأن تحوزَ هذا السهمَ الكبيرَ من الفعّاليّة الحضاريّة البنّاءة في مضمار الفلسفة والعلوم ضمن إطار دولةٍ عربيّة إسلاميّة؟

ــ وهل نجت الفلسفةُ اليونانيّة في طورها الوثنيّ من الاضطهاد الدينيّ المسيحيّ بعد تنصّر الإمبراطورية الرومانيّة في عهد قسطنطين؟

ــ وإلى أيّ مدًى يمكن التعويلُ على حفر الخنادق بين العوالم الحضاريّة القديمة، كالعالم العربيّ الإسلاميّ واليونان التي تقع جغرافيًّا في نطاقه؟

ــ وهل صحيحٌ أنّ الإسلام وقف من التراث اليونانيّ، وخصوصًا الفلسفة، موقفًا مغايرًا لموقف المسيحيّة الأولى منه؟ ولو صحّ هذا الزعم، فكيف نجح عالمُ العرب والإسلام في إنتاجِ ما أنتجه من فلسفةٍ وعلوم؟

يمكننا الاتفاق سريعًا مع طرابيشي في قوله إنّ هناك ضبابًا إيديولوجيًّا كثيفًا يلفّ تاريخَ علاقة الفلسفة بكلٍّ من المسيحيّة والإسلام. أمّا حين يتصدّى للإجابة عن هذه التشكيلة من الأسئلة، فهو يَعِد بتفادي الدفاع الإيديولوجيّ عن المساهمة العربيّة الإسلاميّة في نهر الفلسفة، وبتفادي رفض وجود أيّة مساهمةٍ كهذه في الوقت عينه. كما لا يفوته أن يلاحظَ العواملَ الفاعلة في خلفيّة هذه المواقف من علاقة الحضارات والعوالم بالفلسفة والعلوم، ومنها العاملان الدينيّ والنفسيّ. وبصدد العامل النفسيّ يسجّل الباحث:

"أنّ أوروبا، التي هي بلا ماضٍ ماجدٍ، تجد نفسَها ملهوفةً إلى اختراع ماضٍ مثاليّ ’نموذجيّ،‘ مسوقةً إلى ذلك بحاجةٍ نفسيّةٍ ضاغطة لا تقلّ إلحاحًا عن تلك التي تُحيج العربَ والمسلمين، والعالمَ الثالثَ عمومًا، ممّن لا حاضر لهم، إلى التشبّث بوهمِ ماضٍ مثالي." (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، ص 23).

                                                                              ***

ويبقى الإنجازُ الفكريّ والمعرفيّ للراحل جورج طرابيشي، وخصوصًا في ميدان قراءة التراث العربيّ الإسلاميّ، مهمًّا وراهنًا وعميقًا، بمقدارِ ما هو أصيلٌ ومنفتحٌ على التساؤلات، وبمقدار ما يحاول (وبشكل جادّ) النأيَ عن الانحياز المسبّق والقراءات الإيديولوجيّة السائرة على خطى الاستشراق الأورومركزيّ وجوهرِه العنصري المعادي لحضارات الشعوب الأخرى خارج المتروبول الغربيّ.

 

(1) أعتقد، بالمناسبة، أنّ طرابيشي حمَّل مقولةَ أمين أكثرَ ممّا تحتمل من شحنةٍ إيديولوجيّة سلبيّة، في حين أنّها تجري مجرى الوصف الإنشائيّ غير الموفّق.

(2) من الهرمسيّة اليونانيّة التي تؤمن باللاهوت القديم، الذي هو أساس كلّ الديانات وتعتمد التسامحَ والاعتدال.

*كاتب عراقي

مجلة " الآداب" اللبنانية العدد 3 - 28 آذار 2018