الإبراهيمية"العلية" لا المحمدية الموسوعيسوية .. ؟

عبدالاميرالركابي
منذ سقطت بغداد عام 1258، انتهى التلازم بين المشروع التاريخي الحضاري، والعقيدة النبوية الابراهيمة بصيغتها الاخيرة الخاتمة( القرن السابع/ القرن الثالث عشر) ومن يومها انفتح الافق على دعوة جديدة، لاتنتمي لدعوة محمد الجزيرية كما انبثقت في القرن السابع، وضمن اشتراطات كونية، منحتها ب"الفتح"، صفة الظاهرة التي اطلقت الطور الحضاري الثاني على المستوى الكوني، بعد الطور الاول، المبتديء بالمجتمعة السومرية البابلية. ومع فقدان التلازم الشامل بين العقيدة والمشروع، لم يبق ماهو فاعل في المجال الابراهيمي التاريخي سوى "العقيدة" منفردة، وقد تحولت مع الوقت، لتلبية اشتراطات مختلفة، جديدة، بظل انتهاء مفعول الطور النبوي وبدء موجبات طور ابراهيمي اخرمختلف.
ومع ابن تيمية، يتاسس دين جديد مطابق لشروط انهيار المشروع الحضاري، دين استعمال العقيدة لاغراض دنيا، ذاتية، شخصية، او كمشاريع خاصة محدودة، ومحلية( نموذج الحالة العراقية الراهنة المزرية)، في افضل الاحيان، ذلك بينما استمرت الايحاءات تذكر بماضي الاسلام الذي لم يعد له اي اساس، وقد تجاوزته، لامقتضيات التاريخ والواقع فحسب، بل مقتضياته هو نفسه، اذا احلناه ، كظاهرة فرعية ، الى اصله ومنشاه " الابراهيمية". ان نزعات الاستعادة والاستلهام التوهمية، ظلت تمثل ركنا اساسيا ونفعيا، من اركان استمرارية "الايمان"، المجرد، او المصطنع، بالاخص في المجال العملي، او ذلك الذي يمكن ان يؤول الى المتغرات الجزئية التي عرفتها المنطقة، بعد انهيار بغداد، حيث قمة المشروع الكوني الابراهيمي الختامي، خلال ماعرف، او مايسمى زمن الانهيار، او التراجع، وصولا لاستعمال تعبير"الانحطاط".
لم تكن المنطقة الابراهيمة، مهياة لاستعادة الأصل، فضلا عن امكانية التفكير، بالنبوة ،على انها طور منته، ضمن الابراهيمية الاشمل والاوسع، مؤقت، وله نهاية ضمن سيرورة ابعد، اقتضته ظروف بعينها، تطلبت في حينه، نوعا من التبليغ، له طابع العلوية الرسالية الالهامية الاطلاقية، بناء لماكان يتيحه الواقع البشري، عقلا وشروطا. وضمن اشتراطات اخرى، قسرية هي ايضا، اعقبت نهاية النبوية ب "ختمها" على يد النبي محمد، اتسمت بالتراجع، وفقد الحيوية الحضارية والتاريخية، وبالطبع العقلية، تقبّل، او تعايش ابانها الناس مع مفهوم الاستلهام، في حين لم ترد على البال اطلاقا، احتمالية تجاوز المتوفر، والعودة الى الاصل، بعدما يكون قد تعدى متجاوزا اللحظة او المرحلة الالهامية.
تشتمل الابراهيمة على طورين، الاول: نبوي الهامي، والثاني الذي يعقبه، الحالي، او الراهن، "علّي"، لم يتجسد بعد، مع ان الاستلهامية التي تجسدت بداية في الفترات الحديثة، بالوهابية الجزيرية المحلية، بدل الكونية المحمدية الاولى، راكمت خلال العقود الاخيرة، جملة من التجارب والمحاولات، ومختلف اشكال التجلي ظلت قاصرة، ولم ترق كلها لمايرتفع بها، او بنوع النتائج المترتبة عليها، لما يخرج الواقع الحالي، من نطاق التردي المستمر، منذ استنفاد الدعوة المحمدية اغراضها الحضارية الكونية، وتحولها الى عقيدة مجردة، تنتمي للابراهيمية، لا الى النبوية عمليا، وعلى صعيد المستقبل.
ولاينبغي ان نهمل العامل المستجد الغربي، ومفاعيله في القرنين المنصرمين، ومانتج عن حضوره من ردود افعال، منها الوهابية والاصلاحية، او السلفية بوجه عام، وصولا للظاهرة الحزبية الاسلامية، او الخمينية، وكلها مجتمعة لاتنتمي للاسلام، ولا الى شكل تحققه اطلاقا، بقدر ماتؤول لدوافع مغلفة بالعقيدة، ومولودة داخل استحالة تحققية، مشحونه بالاستيهامات التي تخرجها من نطاق وعالم الاصل الذي تتماهى معه، وسواء على سبيل الثاتر بالغرب نفسه، وبوسائله "الحزب" بصيغته الاكثر شهرة، "الاخوان"، المنتقل من الباكستان الى مصر/ من المودودي الى حسن البنا/، وصولا للنزعة الخارجة عن اي منطق، القريبة من " الهلوسة"، كما يجسدها السيد قطب في "معالم على الطريق"، واضعا نفسه وجماعته، ازاء العالم الجاهلي جملة، متماه مع عالم محمد الاول في مكة.
وبما ان " العلّية" ماتزال غائبة، فان الوصل بين الدعوات النبوية، وبين الابراهيمة نفسها بطورها الراهن، والشروط المجتمعية التي انتجتها، يستمر غائبا كليا، مايعزز المقارنات اللاعقلانية، المرافقة اصلا لعالم الاديان، الا ماندر، فقطب، لايعي ان النبي محمد قد اطلق دعوته داخل جزيرة عربية، محاصرة من امبراطوريتين، وان النبي ابن "مجتمع لادولة" ـ طلع لاتحكم ولاتحكم ـ محكوم لاشتراطات اقتصاد الغزو، ومايرافقه حتما من كينونه احترابية، يقتضيها واقع كون الانسان في الجزيرة،"يقتل لياكل"، ويجعل من الحرب، لازمة حياتية قصوى يتشربها الفرد مع الرضاعة، كما يصيّر مهمة توحيد مجتمع من هذا القبيل، بمثابة انتاج " قنبلة نووية"، مقارنة بعصرنا الحالي، لهذا كانت دعوة محمد، المبررة بحكم الاختناق المفرض الاخذ للموت "دوليا" / امبراطوريا ، من الشرق والغرب. قد انقسمت الى شطرين، بداية: شطر عقيدي مكي، والاخر مجتمعي، كان جوهره تحويل المجتمع القبلي، الى مافوق قبلي/ عقيدي، محارب ككتلة على مرحلتين، وهو ماقد نهض به النبي، وهو في المدينة، بحيث اعاد بالغزوات الممزوجه بقوة العقيدة، صياغة المجتمع المحارب، على قواعد متعدية للقبيلة، فهيأ اعتى قوة حربية، يمكن تخيلها في عصرها، استطاعت تحقيق معجزة الفتح، من حدود الصين الى اسبانيا، في قرابة 20 سنة، الامر الذي لامثيل له في التاريخ، خصوصا وانه استتبع قلبا نهائيا، لعقائد الشعوب المفتوحة استمر الى اليوم.
لم يسأل احد من الاسلامويين، ومعهم القوميين الحديثين نفسه، لماذا لم يتجه النبي محمد لاقامة دولة في جزيرة العرب، كما فعل ال سعود، ومحمد بن عبدالوهاب؟ وماالديناميات التي كانت تمنعه، او تمنع الخلفاء الاربعة من بعده، من اقامة "دولة قطرية" تكون كما الحال في السعودية اليوم، دليلا على الاستحالة راهنا، لماتتشبه به وتدعي الانتساب له، كما يمكن ان يحدث لسيد قطب، او محمد مرسي، لو انه حكم مصر اليوم، وخضع مجبرا لاشتراطات الواقع المصري الحالي، ناهيك عن الدولي الذي اودى به الى السجن، وماالاشتراطات الواقعية البنيوية والتاريخية، التي كانت وراء كونية الدعوة المحمدية المحاربة، مع الترابط الوثيق بين عنصري ( العقيدة/ المشروع المجتمعي) كما الحال في المسافة بين مكة والمدينة، واستمرار تجسده اللاحق في الكيان الامبراطوري الكوني في بغداد، الاعلى قدرات والمؤهل بنيويا وتاريخيا من دون بقية مواضع المنطقة، ماعززقوة فعله كعاصمة كونية، كرست كتجربة ومنتج فكري وحياتي، وتبتث، العقيدة، كطور لاحق على الفتح، بين الشعوب والامم المفتوحه ارضها بداية.
لم يكن محمد، ولاموسى، او عبسى، هم من انتجوا الرؤية الكونية الاولى، التوحيدية الابراهيمة، بقدر ماكانوا تلاميذ نابهين، وعباقرة اصحاب قراءات كبرى، ضمن مدرستها، وفي سياق سيرورتها، وممكنات تحققها الاعلى، الا ان الابراهيمة ليست الموسوية، ولا العيسوية، ولا المحمدية، التي هي على التوالي، قراءات، ادت على وفق الاشتراطات التاريخية، التي واكبتها، مهماتها كما هو ممكن زمنيا ومكانيا، مع انه كله، وبمجموعه، مؤقت، ولايلبي المقاصد والاغراض الفعلية النهائية للابراهيمة،غير المنتهية، ولا الموتوقفة عند النبوية، الذاهبة الى ماوراء الدورة الحضارية الثانية، بما في ذلك، ومعها، ماهو متمثل حاليا بالغرب ونهضته وحداثته. 
ان مجال الابراهيمية الحضاري التاريخي، ينتظر اليوم، ومنذ انهيار بغداد في القرن الثالث عشر، زمن الابراهيمية العلية، مابعد النبوية، ومايجري وماتعرفه المنطقة من تجليات واشكال تعبير مؤقت، وتعويضي عن متعذر غائب، سواء اتخذ شكل الاستعارة من الغرب، او الاستعارة من الماضي النبوي، يقع برمته في خانة مايؤول الى الماضي، او الى الحاضر المتوهم اجمالا. يعيش الابراهيميون الى الان، ومنذ الانفصال بين العقيدة والمشروع الحضاري، حالة من الاستيهام التاريخي، الطويل، لكن المؤقت بحسب اليات التاريخ، وتلك التي تؤول الى محركات الرؤية الكونية الاولى العظمى، وممكنات تجددها.
هل ثمة من احتمال، او اي مؤشر، يمكن ان نستدل عليه، باعتباره قد كان، او بدأ يلوح في الافق، مؤشرا على قرب بزوغ "الابراهيمية العلّية"، الطور النهائي الاخير من الابراهيمة، وهل من موضع، سيكون اليوم، هو البؤرة التي ينبثق عندها، ومنها، صوت مابعد النبوية الالهامية، الموسوية، العيسوية، المحمدية؟
دالا ومؤشرا على زمن الابراهيمية العلّية
الجواب : نعم!!!!!!!
والى محطة اخرى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• اجلنا القسم الثاني من مقال ( " فهد" والتشاركية التاريخية العراقية) لاننا وجدنا ان عرض الراي اعلاه عن الابراهيمية العلية، ضروريا للانتقال بما ورد في القسم الاول منه نحو افق يشمل كل تجليات الاستعارة والاستيهام التصوري.