ج2/ تعليقات وتساؤلات على آخر حديث لهادي العامري: ماذا سيحدث بعد الانتخابات؟ كيف نصف الحمار الوحشي؟

علاء اللامي

نواصل رصد وتحليل حديث العامري والتعليق على ما بدا لنا الأهم والكثر تعبيرا عن رؤيته السياسية: 
*وقال العامري (لا توجد قائمة انتخابية ستحقق الأغلبية، فالعراق مبني على مكونات متعددة ولذلك لا يستطيع أي مكون من المكونات أن يحقق حتى لو استطاع، ففي الانتخابات الماضية حصل التحالف الشيعي على أكثر من 180 مقعدا أي النصف زائد واحد، ولكن العراق لن يستقر، إذا لم تكن هناك مشاركة حقيقية لكل المكونات. فالحكومة العراقية القادمة يجب أن يكون فيها الشيعي والسني والكردي والتركماني، في كل المكونات. نعم أنا لا أقول يجب أن يشارك الجميع، ولكن لا يمكن للعراق أن يستقر دون ان تكون كل المكونات ممثلة في الحكومة).
-التعليق: نحن هنا في مواجهة خطاب مكوناتي صريح ومتسق تماما وبالمليمتر مع خطاب دستور بريمر وحلفاء الاحتلال الأكثر وضوحا وشهرة. ولكنه خطاب يحاول أن يستر مضمونه بشعارات سياسية "وطنية ومواطنية" لفظية، كما سنوضح بعد قليل. إن كون المجتمع العراقي مكون من عدة مكونات طائفية وقومية ودينية ليس اكتشافا جديدا للبلبي! فالعراق منذ وجد في العصر الحديث، وأيضا طوال الألف سنة الأخيرة، كان بهذا الشكل المجتمعي التعددي المتنوع. وثانيا، فالعراق ليس البلد الوحيد التعددي والمتنوع طائفيا وقوميا، ولكن ما الجديد الذي يريد الخطاب المكوناتي فرضه على عراق ما بعد 2003؟ إنه يريد حكم هذا البلد بنظام دولة المكونات الذي جاء به الاحتلال الأميركي أو الذي ساعد على قيامه وحماه طوال السنوات الخمسة عشرة الماضية وليس بنظام دولة المواطنة التي ترفض أي تقسيم للمجتمع إلى طوائف بل تنظر إليه كهيئة اجتماعية واحدة مؤلفة من مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات في مجتمع مندمج أو في سيرورة اندماج مجتمعي مستمرة.
إن العامري، وجميع الساسة العراقيين في الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية والقومية الكردية، ينظرون الى المجتمع العراقي كمجموعة طوائف وعرقيات يتقاسم الزاعمون تمثيلها وفق لعبة انتخابات مبرمجة جميع المناصب والثروات وكل شيء وليس كمواطنين عراقيين متساوين هم أصحاب الحق الأول في هذه الثروات. هنا لا جديد في خطاب العامري ولكن الجديد هو انه أكد أمرين : الأول أنه مع تمثيل كافة الطوائف والقوميات في الحكومة والثاني عدم وجوب مشاركة الجميع. وهذه الصيغة هي حل وسط بين من يطالب بتشكيل حكومة أغلبية سياسية صريحة كتحالف المالكي، مع ضمان التمثيل المكوناتي في الحكومة ومؤسسات الدولة، وبين من يطالب بما يسمى "حكومة مشاركة وطنية" يشارك فيها ساسة جميع الطوائف الموجودون في البرلمان. وهذا النوع من الحكومة جرب طوال السنوات الماضية فكانت النتيجة تدمير العراق تدميرا شاملا. إن الصيغة التي اقترحها العامري هنا، قريبة جدا من الصيغة التي طرحها العبادي. هذا الخير قال قبل أسابيع قليلة (إذا كانت حكومة الأغلبية السياسية تهدف الى إقصاء طرف أو مكون معين فنحن ضدها) وهذا يعني أن العبادي لا يرفض حكومة الأغلبية السياسية الطائفية التي يطالب بها المالكي، ولكنه يريدها من دون إقصاء، أي يريدها بتمثيل جميع المكونات. وهذا بالضبط ما قاله العامري. وإذا ما علمنا أن المالكي يرفض إقصاء أي مكون طائفي أو قومي أيضا من حكومته للأغلبية السياسية فهذا يعني أن لا فرق بين التحالفات الثلاثة أو الزعماء الثلاثة العامري والمالكي والعبادي وهذا ما يجعل اجتماعهم بعد الانتخابات في تكتل واحد امرا مؤكدا ولا علاقة له بالمبادئ والأفكار والأخلاقيات والثوابت. وهنا سيتساوى الجميع وينفرز عنهم الطرف المواطني الداعي لتشكيل حكومة مدنية من التكنوقراط كما دعا السيد مقتدى الصدر وحلفاء الحزب الذي يدعمه في تحالف "سائرون"، على صعوبة ذلك وضعف الطرف الداعي إليه. والحقيقة فأن هذا التحالف الهش وذا القيادة المزاجية المتقلبة أي تحالف "سائرون" والمحارَب أو في الأقل غير المرضي عليه خصوصا من قبل واشنطن وطهران التي أوفدت قبل فترة ولايتي ليذكر العراقيين (والصدريين خصوصا) بفتوى محسن الحكيم التكفيرية ضد الشيوعيين؛ إنَّ هذا التحالف ليس من المحتمل أن يحرز نتائج حاسمة تجعله في موقع صانع حكومات. وربما سيكون ممكنا أن يحرز عددا من المقاعد التي تؤهله ليكون بيضة القبان ومن ثم قد يتحول الى مجرد ملحق بحكومة المشاركة الطائفية في نهاية المطاف. هذا في البيانات والكلام الصحافي والإعلامي الرائج أما على أرض الواقع فإن قيادات التحالفات المتنافسة سيخضعون إلى أوامر السفارتين الأميركية والإيرانية ويشكلون حكومة مشاركة تقليدية. أي إننا سنكون بعد الانتخبات القادمة أمام تعريفين مختلفين لفظا للحمار الوحشي ولهما المعنى نفسه، فيقول الأول إن الحمار الوحشي حيوان أبيض مخطط بالأسود ويقول الثاني أنه حيوان أسود مخطط بالأبيض! أما إذا حدثت المعجزة، وتم تشكيل حكومة أغلبية سياسية حقيقية تقابلها بالنتيجة معارضة من ذات الطينة فسنكون أمام مشهد سياسي جديد يمكن وصفه بنظام محاصصة طائفية جزئية يشارك فيه قسم من أحزاب النظام ويُدفع بالجزء الآخر إلى المعارضة الإسمية. أما ولادة معارضة برلمانية نشطة وذات أهداف مواطنية ووطنية أو قريبة من الخط الوطني الاستقلالي فيبدو أنه بعيد نسبيا عن التحقق في هذه الدورة الانتخابية. يتبع قريبا في الجزء الثالث... شكرا لكم على المتابعة والتعليقات الرصينة.