"فهد" والتشاركية العراقية التاريخية (3/3)

عبدالاميرالركابي
كان من المستحيل على "فهد" ان يكون عراقيا، بحيث يضاهي اشكال الماركسيين من نوع لنين وماوتسي تونغ، فهو يعيش وسط واقع يفتقر الى "البرجوازية"، وتبعا لها للطبقة العاملة، اي للبنية التاريخية الطبقية المشابهة لبنية الغرب، او المنتمية لها، المتأخرة عنها، كما حالة روسيا عند مطلع القرن العشرين، ولو انه حاول ذلك ( من قبيل افتراض المستحيل) لما استطاع، لان انحيازا كهذا كان يتطلب نوعا من الوعي والمعرفة، خارج الإفتكارفي حينه بوجه عام، وخارج طاقته الشخصية، ومستوى وعيه واطلاعه، كليا.
كان هو ،وكل الافكار الحداثية الشبيهه في حينه، من مقتضيات اللحظة، تحكمها ضرورات آنية موجبه، قد تكون لازمة، قبل توفر اسباب تبلور ملامح الرؤية التاريخية الوطنية، ماقد جعل منه، ومن الشيوعية، واجمال الحداثة وتعبيراتها الايديلوجية الحزبية، تنتمي الى، ولعبت دورقوى البديل عن ضائع، وكما هو معتاد في التاريخ العراقي الحديث، وماقد ميز سلوك"مجتمع اللادولة"، فقد حضر وقتها تاكتيك استعمال المتوفر من وسائل الحاضر الممكن، بظل تعذر الغائب، وهو ماقد جرت ممارسته حديثا، مع القبلية التغلبية، ووجدت ملامحة حاضرة في تركيب وبنية نظام "اللادولة" الديني التجديدي، النجفي الحديث.
وكما كان العراق، وظل على مر التاريخ، ككيان مزدوج، تحكمه قوانين الصراع الافقي المجتمعي، مقابل العمودي الاوربي الطبقي، تكررت بوضوح اليوم، وفي ظل الشروط التي اوجدتها الحداثة والغرب، الازدواجية بصيغة تعبيرين ومؤسستين، وما ان لجأ الانكليز الى "الدولة" من أعلى، والمؤسسة شكلا على عموميات مفهومهم "الحديث" للدولة، حتى وجد "مجتمع اللادولة" الاسفل نفسه، امام ضرورة مستجدة، صادفت بروز وانتشار الافكار الحديثة، والمناقضة للصيغة الاستعمارية الكولونيالية، الناتج الطبيعي للخاصيات التناقضية الصراعية الغربية، وكما عرفت 1920 الثورة الكبرى لمجتمع اللادولة، ولجوء الانكليز الاضطراري لنهج "الاستعمار الجديد" لاول مرة في التاريخ الاستعماري الامبريالي العالمي، تحت عنون "الحكم من وراء ستار"باقامة حكم من اهل البلاد / صيغة الدولة الحديثة، التمايزية القاهرة، التاريخية التقليدية/ على أمل الحفاظ على بقايا من نفوذ استعماري، بدا شبه مستحيل وقتها، فقد عرفت العشرينات نفسها حتى الثلاثينات، تبلورات مقابلة، بدات تنتج تمثيلا مفارقا ل"دولة اللادولة"، فكان الحزب الشيوعي، والقومية التشاركية، والتيارات الشعبوية الليبرالية، نظام لادولة مضاد، تجلى باعلى صوره في "جبهة الاتحاد الوطني" عام 1955 ،قبيل الانقلاب الاستباقي، الممهد للثورة في 14 تموز1958. وهكذا ومرة اخرى، كان للتكوين الازدواجي العراقي التاريخي، ان يحضر متجليا بصيغة الازدواج المستعار، ابان حضور الغرب، واجمالي تجربته، بالاخص في القرن العشرين، حيث عرف العراق حضور الغرب المباشر، بصيغتيه الاستعمارية الراسمالية، ومعاكسها "الاشتراكي" التحرري، بالاخص بعد ثورة روسيا عام 1917، لتتوزعان على موضعيهما التاريخيين المتعارضين المتناقضين ضمن الكيان المزدوج ثنائي الدولة تاريخيا.
دولتان، كما هي القاعدة التاريخية، حيث وجد العراق وحضارة مايطلق عليه بارض الرافدين، والاصطراع المجتمعي الافقي لاالعمودي الطبقي، وحيث المسارات والاتجاهات مختلفة كليا، فلا"فهد" يوسف سلمان يوسف، ولا فؤاد الركابي، او الجادرجي، ناهيك عن مهدي كبه، بمكنتهم استيعابه، وهو الظاهرة الخفية، في الوجود، وفي الكينونات المجتمعية الانسانية، فالتاريخ البشري عرف منذ بداباته على ارض الرافيدين، ظاهرة متفوقة على المتاح من الطاقة الادراكية العقلية الانسانية، والعراقية بالطبع، وهي ماتزال تحتفظ بمثل هذا التفارق، قبل ان يتهيأ للعراقيين اولا الاقتراب من مفهوم "الكيان المزدوج"، وهو نمط من الكيانات المجتمعية، متفوقة بنية، مقارنة ببقية اشكال المجتمعات الاحادية، "مجتمعات الدولة"، سواء الشرقية منها، كما الحالة المصرية التقليدية، الشرقية السكونية، او الغربية الطبقية، الاعلى دينامية من بين مشابهاتها من المجتمعات الاحادية، هذا من دون نسيان الشكل الآخر الاحادي، كما يمثله نمط "مجتمعات اللادولة" الامريكية، قبل الغزو الغربي، والامريكية اللاتينية/ الانكا والازتيك ..الخ/ ومنها حال استراليا قبل الغزو البريطاني، وبعض افريقيا واسيا، بجانب التكوينات المختلطة. 
واذامااردنا اليوم، وبناء عليه، تقدير مستوى التحدي الذي كان يواجه "فهد"، مع غيره من الحداثيين، فاننا سنجد انفسنا، وقد وضعنا على عاتقه مهمة، تفوق طاقاته المحدودة، والعادية، وفي حين كان هو يتعبد "ماركس" و "لنين"ماخوذا، كان واقعه ينطوي على ثورة في الرؤية، وفي مايعرف بالعلوم المجتمعية، تتعدى ماركس ونظريته، الى ماوراءة ووراء الغرب، المحكوم للاحادية والانغلاق المجتمعي، ومراحله كما هي مبسطة في "المادية التاريخية".
لقد خضعت القوى والاحزاب الايديلوجية العراقية، ليس من حيث التاسيس ومبرراته، والاسباب الموجبه لوجوده، بل ومن حيث الصيرورة، لقوانين واليات الصراع المجتمعي بين الدولتين العراقيتين، وبغض النظر عما كان يعتقده، ويروجه الحداثيون والشيوعيون عن الواقع، وعن مساراته المحتملة، ومعطياته، وقواه، والقوانين المتحكمه به، فقد استمر فعل الصراع المستجد بين الدولتين التاريخيتين بصيغتهما الحالية، خاضعا لاعتبارات ومكرسا مسارات الطور الاخير من التاريخ العراقي، بعد الطورين الاول السومري البابلي، والثاني العباسي القرمطي، بانفتاحه للمرة الاولى على الافق الانتقالي، عبر "فك الازدواج" التاريخي بين المستويين الاساسيين، والمكونين الاصيلين الذين يتشكل منهما العراق ككيان استثنائي، ووفق ايقاع صراعي، جوهره الانتقال الاكبر نحو "مابعد غرب".
واذا قبلنا الحكم على مكان القوى مدار البحث، بما هي كممثل تعويضي مؤقت كبداية وكتأسيس، فالاحرى ان نتوقف ايضا، عند لحظة الافتراق الكبرى، وصولا الى الانقلاب في الادوار والمواقع، وهو ماقد حدث خلال، وبعد ثورة "مجتمع اللادولة" الكبرى الثانية، في تموز 1958، والتي ستشهد بدايات عملية تحويل القوى المذكورة، الى بديل عن الدولة الاولى ( 1921/ 1958)، الامر الذي استغرق جملة من التحويرات، داخل بنى تلك القوى والاحزاب،استغرقت عقدا من الزمن( 1958/1968)، الى ان اكتسبت صفات تطابق مشروع دولة تمايزية، مطابقة للاشتراطات الدولية، في ظل القطبية الدولية. وهو ماقد تحقق خلال ( 1968/2003)، بحيث غادرت قوى الحداثة مجتمعة، موقع تمثيل "دولة اللادولة" التشاركية الذي احتلته بين الثلاثينات والستينات، الى مضادها، والى الموقع النقيض/ مستفيدة من تهافت الوسائل الاخرى، ومنها الانقلابات العسكري، التي هي ابتداع عراقي على مستوى العالم الثالث، دشنه بكر صدقي عام 1936، وثبت قصوره عن ضبط الوضع العراقي بعد ثورة تموز، مما اوجب، ان لم يكن حتم، وسيلة "الحزب العقائدي"/ الريعي العائلي/ وملحقاته المتوفرة( بعض هذه الظواهر كان قد اختفى تلقائيا بعد ثورة 14 تموز، مثل "الحزب الوطني الديمقراطي" ممثل الليبرالية الحداثية، لانتفاء الحاجة له تاريخيا، وسط تجاذبات الوضع العراقي الحادة بين المستويين) بينما الحق "الحزب الشيوعي" بالنظام الجديد، وخرج منه مكرها ومطرودا بعد عام 1977، مع تغير قواعد عمل ونوع انشغالات واولويات النظام، بمواجهة صعود الظاهرة الاسلامية، والثورة الخمينية الايرانية.
وتكتمل قصة خروج مايعرف اليوم ب"الحزب الشيوعي العراقي" كليا، من مجال تحققه، وحيث تأسس، والدوافع الاولى التي جعلته ممكنا، وحاضرا بقوة، بعد اخراجه من "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" ( 1973/ 1977)، ليتحول الى قوة خاضعة لاشتراطات المنطقة الكردية، ولرؤية ومصالح جزء من شعبها بالذات، الامر الذي جرى تكريسه عمليا، بازاحة كافة اعضاء قيادة الحزب، المتحدرين من منطقة الفرات الاوسط، والجنوب العراقي، وبهذا ارتكبت في المؤتمر الرابع للحزب عام 1985، مجزرة داخلية، تذكر بمجازر ستالين، وعراقيا بمجزرة شباط عام 1963، التي اقدم عليها البعث في حينه، هي الجزء الاهم المكمل لها، ليصبح الحزب من يومها، مجرد هيكل فارغ، لادور رئيسي، او هام له، او قاعدة مجتمعية اساسية محركة على مستوى البنية الكيانية، يرتكز لها، ويمكن ان تمنحه قدرا من الذاتية، او الاستقلالية، بما في ذلك المحرك الكردي المتراجع، لدرجة انه يمكن ان ينخرط ضمن مشاريع استعمارية، وانماط حكم يركبها المحتل الامريكي، الذي لانعرف ماكان يمكن ان يكون موقف "فهد" منه، من قبيل الاشتراك المشين في "مجلس حكم بريمر" بعد الاحتلال عام 2003. المؤكد اليوم ان الحزب الذي قام في الثلاثينات، على قاعدة ومحركات وآليات التشاركية البنيوية التاريخية العراقية، واكتسب ملمحه الوطني، بصفته نوعا من تعويض عن متعذر، وان بحدود جزئية، قد اختفى، ولم يعد له من وجود، وان القائم اليوم، هو كيان آخر، ومن نوع مختلف كليا.
واضح ان محاولة اخراج ظاهرة الحزب الشيوعي العراقي، من دائرة القراءة الايديلوجية تاريخيا، تحتاج للكثير من المعالجات، وهو مايلتقي اليوم مع اجمالي الثورة المعرفية الوطنية العراقية المنتظر انبثاقها موضوعيا، بغرض تعديل النظر لمخططها بتخليصها من منظورات "حركة التحرر" الايديلوجية، لصالح سيرورة الصراع الجارية في اطار "مابعد غرب"، ابتداء من ثورة العشرين، ومجمل تاريخ التشكل الوطني الحديث. ان تاريخ العقل البشري، بعلاقته مع الظاهرة المجتمعية، كان دائما دالا على تاخر العقل عن الاحاطة بموضوعه، والانسان ظل حتى القرن التاسع عشر، دون ان يقترب مما صار يعرف اليوم ب "علم الاجتماع"، ومختلف فروع عالم الاناسة، غير ان علم الاجتماع الحديث الاوربي، ومن ضمنه الماركسي، ليس نهائيا، ولا هو بالمؤهل لاماطة اللثام عن كل اشكال ومستهدفات المجتمعية، وهو ماينطبق اولا وقبل اي حالة اخرى، على الظاهرة الكيانية العراقية، باعتبارها صيغة مجتمعية مركبة، متفوقة تكوينا وبنية، على طاقات العقل الادراكية المتاحة الى اليوم، وكما ان الغرب الحديث اكتشف للمجتمعات قوانين ناظمة للسيرورة، منطلقا من طبيعته، وشكل بنيته، فخرج محتجا على تناولات التاريخ القديمة الاسطورية، فان العراق، يقترب اليوم من اكتشاف كينونته، وشكل بنيته، ومترتباتها على مستوى الصيرورة التاريخية. الامر الذي من شانه ان يقلب راسا على عقب، كل ماكان متعارفا عليه من نظرات واحكام، تخص الظواهر التي عرفها العالم، والعراق على مر تاريخيه الطويل .. الاطول.