العراق دولة الرجل المريض

Submitted on Fri, 04/06/2018 - 12:15

طارق طارق

الرجل المريض هو اللقب الذي اشتهرت به الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر، بعد أن استفحلت فيها أمراض الفساد وتكبدت هزائم قاسية في جميع حروبها، ما أدى إلى تفككها وخسارتها للكثير من أراضيها التي كانت تستولي عليها في آسيا وأوربا وشمال إفريقيا حتى جاءت الضربة القاصمة في الحرب العالمية الأولى لتعلن موت الإمبراطورية العثمانية رسميا وولادة دولة صغيرة باسم تركيا الحالية، وجلست الدول الأوربية تتقاسم الترِكة فيما بينها .

كان بإمكان الدول الأوربية أن تنهي حياة الرجل المريض بسهولة لكنها فَضّلت إبقاءه على تلك الحال لتحصل على الكثير من الفوائد والامتيازات بطريقة قانونيــة . وكلما كانت الدولة العثمانية توشك على الموت والانهيار التام تسارع الدول الأوربية إلى إنعاشها بجرعات مالية وصفقات تجارية تمنحها القدرة على البقاء ولو مؤقتاً . وفي تلك الفترة تم عقد الكثير من الاتفاقيات الرسمية مع السلطان العثماني القابع في اسطنبول الذي يعتبر الممثل الشرعي للخلافة الممتدة على مساحات شاسعة من الأراضي .

نفس الأمر يحصل اليوم في العراق الذي دخل مرحلة الرجل المريض منذ بداية الثمانينيات واستفحل مرضه ليبلغ درجات كبيرة من السوء خلال حكم الجماعات الدينية الفاسدة التي جاءت بها أميركا وبريطانيا في عام 2003 بالاشتراك مع دول أخرى . اليوم العراق لا هو حي ولا هو ميت، لكن جميع الدول تعتبر حكومته شرعية وتعقد معها الاتفاقيات الرسمية وتُصدر لها مختلف أنواع السلع والبضائع وتمنحها بعض الدعم . لقد تقلصت مساحة العراق كثيراً والخارطة التي نراها لا تمثل حقيقة الحدود الجغرافية للعراق لأنها خارطة قديــمة . لقد اقتطعت الكويت مساحات كبيرة من الأراضي العراقية بموجب اتفاقيات رسمية، وتمددت الأراضي الإيرانية في عمق الحدود العراقية، ولا ندري كم استقطعت الأردن، أما تركيــا فهي تدخل وتخرج كما تشاء ووقت ما تريد ويبدو أنها بانتظار الضوء الأخضر الأميركي لتنهش قطعة كبيرة من هذا الجسد المرتعش . بينما تمثل كردستان دولة مستقلة بذاتها لا ترتبط بالمركز إلا بخيوط واهية ولا يستطيع جندي عراقي أن يتواجد هناك حتى ولو كان مجردا من السلاح ! .

لقد أعلن الرئيس الأميركي ترامب خلال حملته الانتخابية وبكل وضوح بأنه يريد ان يستولي على نفط العراق ويتقاسمه مع بقية الحلفاء، وعندما سأله الصحفي كيف يتم ذلك؟ أجاب: نرسل قوات عسكرية تحتل منابع النفط، لان العراق دولة بلا سيادة وان قادته مجرد لصوص منهمكون في السرقة . لكن بعد فوزه بالرئاسة عدل فكرته التي لا تتوائم مع القوانين والأعراف الدولية، وفَضّل فكرة الرجل المريض ليأخذ بالقانون والاتفاقيات أكثر مما لو انه أرسل دباباته وجنوده .

اتفاقيات سياسية واقتصادية مريبة تعقدها الجماعات الدينية الحاكمة في العراق مع الدول الأخرى، وقوانين مشبوهة لا تعود بالنفع على المواطنين بقدر ما تتيح اكبر قدر ممكن لهذه الجماعات ان تستنزف أموال العراق بغطاء قانوني، وكل المؤشرات تدل على أن جميع دول الجوار فضلا عن أميركا وحلفاءها تريـــد أن يبقى العراق كما هو عليه اليوم الدولة الحية _ الميتة أو دولة الرجل المريض بالتعاون مع سياسيو الصدفة الذين أرهقوا البلاد بالديـــون والأزمات والفساد والظواهر الاجتماعية الخطيرة تمهيدا لإعلان موت العراق نهائيا وتقاسم تركتـــه من قبل الورثـة !، وسيجد العراقي يوما ما أن دولته تقلصت كثيرا وأصبحت بمساحة محافظة من المحافظات الحاليـــة، ولكم في تأريخ الأمم والشعوب عبرة يا أولي الألباب .

صفحة المثقف