لقاء مع الشاعر العراقي عبدالاله الياسري: لم أجد غير المنفى ملاذاً وملجأ لذاتي المحاصرة

عبد الإله الياسري

الشاعر العراقي عبدالاله الياسري:لم أجد غير المنفى ملاذاً وملجأ لذاتي المحاصرة بقمع السلطة الإستبداديّة ببغداد عام 1979

وجود الأوطان لا يقاس إلا بمقدار الكرامة الإنسانيّة، والحريّة الشخصيّة اللتين تمنحهما الحكومات لمواطنيها.

جعلتني الحريّة الفكريّة في المنفى أَعي كمال

وجودي الإنسانيّ مستأنساً بالرؤية السقراطيّة

التي ترى الإنسان الحقّ من يأكل ليعيش,لا من يعيش ليأكل.

لولا الوعي الوطنيّ العميق الذي كان يربط الشاعر العراقيّ  بوطنه

,لما عرف المنفى؛لأنّ الإرتباط بالعراق ـ الوطن هو ماأوصله وأمثاله

من العراقيّين الوطنيّين إليه

  • المنفَى إذا كان ديمقرطيّاً مثل كندا تتحقّق فيه ماهيّة الشاعر معنويّاً ويتأكّد فيه وجوده إنسانيّاً رغم اغترابه العميق حيث لامعنَى لماهيّتة,ولا إنسانيّة لوجوده في وطن يستعبده ويقمعه ويلغيه حدّ الموت,وإنْ كان ذلك الوطن يُسمّى وطنه.

كندا تظهر في شعري على صورتَيْ اتّصال وانفصال.فهي إمّا أن تأتي متّصلة بصورة العراق الجريح الحزين ؛ فتغطّي غزارة دمائه ودموعه بهاء صورتها حدّ التعتيم والتشويه.وإمّا أن تأتي بهيّة منفصلة عن صورته المأساويّة

كتب المحرر الثقافي

لايحتاج الشاعر عبدالإله الياسري الى مقدمة طويلة للتعريف به فهو واحد من الرموز الشعرية العراقية الشامخة ، ولد الياسري في مدينة النجف، مدينة الثقافة والشعر والادب وفي اجوائها الروحية ترعرع  وكبر معه حلمه بوطن تسوده الحرية والعدالة والمساواة ، رحل الى بغداد في نهاية الستينات للدراسة في كلية الاداب ، وعاش محنة العراق مع الدكتاتورية ، واختار المنفى ليحافظ على قيمه الثقافية والشعرية بعيدا عن سياسة (التدجين الثقافي) التي مارستها الدكتاتورية ، وكانت كندا آخر المنافي حيث استقر به المقام في العاصمة اوتاوا

(البلاد) حاورت الشاعر حول الغربة والمنفى  واثرهما على المثقف والشاعر ..

كيف واجهت المنفى لاول مرة ؟

* واجهت المنفى لأوّل مرّة مواجهة مزدوجة:عاطفيّة وفكريّة.أمّا المواجهة العاطفيّة فهي تكمن في شعوري أني قد حقّقت وجودي الذاتيّ،بعد أن خرجت قسراً من بلادي إلى المغرب الأقصى ثمّ إلى كندا؛حيث لم أجد غير المنفى آنذاك ملاذاً وملجأ لذاتي المحاصرة بقمع السلطة الإستبداديّة ببغداد عام 1979م.أقول:(خرجت قسراً),لأنّ الفاعل الحقيقيّ لست أنا,وإنّما سلطة الدولة. فلو ضمنت تلك السلطة لكلّ مواطن عراقيّ  الحدّ الأدنى,من سلامة ذاته وسلامة نوعه أيضاً,تحقيقاً لحبّ البقاء الذاتيّ   والنوعيّ في الحياة؛لما وجدنا عراقيّاً واحداً مقذوفاً في أرض غير أرض العراق.فمهما اختلفت بواعث خروج العراقيّين من وطنهم،فهي في كلّ الحالات ردّ فعل لفعل قسريّ مباشر او غير مباشر. فأنا من حيث هذا المفهوم العاطفيّ السطحيّ للمنفى ,كنت مثل كلّ إخواني العراقيّين المنفيّين في ذلك الزمن الأشأم. كابدت ماكابدوه من صعوبة السفر والتكيّف لمكان ومجتمع مختلفين من وجوه عديدة,وعانيت ماعانوه من لوعة فراق وضياع مستقبل وضيق صدر مشوب بانشراح نسبيّ,يأتي من شعورنا أنّنا نجونا من غرق سفينة,على ألواح محطّمة يتقاذفها الموج وسط عواصف البحر.ولم أكد أتميّزعنهم نفسيّاً إلا بالدرجة ؛إذ كنت حينئذٍ أُحسّ أنّي أقلّ عبئاً من الذين صحبَتْهم أُسَرُهم إلى المنفى,فزادتهم همّاً على همّ ؛حيث كنت أعزب خفيف العبء,لكنّي كنت أُحسّ في نفس  الوقت أنّي أكثرهم قلقاً من عيون قد دسّتها السلطة بيننا سرّاً,وأكثرهم حزناً على حيوات رفاق وأصدقاء وأهل تركناهم وراءنا,في قبضة مخالب سلطة دمويّة متوحّشة لاترحم .وأمّا المواجهة الفكريّة ,فهي تكمن في إدراكي أنّي قد حقّقت وجودي الفكريّ المستقلّ,بعد أن اكتشفت إنسانيّتي بحريّتي الشخصيّة التي كانت مقيّدة بأغلال العبوديّة,وقمعها في عراق الرأي الواحد سياسيّاً ودينيّاً واجتماعيّاً.وشتّان بين الوجود الذاتيّ والوجود الفكريّ؛إذ وجود الذات أي الجسد لايميّزالكائن البشريّ عن سواه من الكائنات الأخرى التي تشاركه في نفس الصفة الجسديّة الفانية.إنّ مايميّزه وجوديّاً هو الفكر الذي تتجوهر فيه قيمته الإنسانيّة وبقاؤه الحضاريّ.فالإنسان هو كائن مفكّر.ومن دون الفكر لاقيمة لذاته فرداً ولا لنوعه جماعة. ماهو من دون الفكر إلا شبح, يدبّ مع الأشباح على الأرض.غير أنّ هذا الفكر لن يتمّ مؤثِّراً إلا إذا توفّرت له حريّة تامّة.لهذا جعلتني الحريّة الفكريّة في المنفى أَعي كمال وجودي الإنسانيّ مستأنساً بالرؤية السقراطيّة التي ترى الإنسان الحقّ من يأكل ليعيش,لا من يعيش ليأكل.وبهذا المفهوم الفكريّ العميق للمنفَى أمسيت مختلفاً عن غيري ممّن يعيشون ليأكلوا.فانا مثلهم لكنّي لست مثلهم.

ـــ مالذي يعنيه المنفى بالنسبة للشاعر الذي هو اكثر ارتباطا بالوطن من الانسان العادي ؟

  • إنّ الإجابة المختصرة لاتستوفي حقّ هذا السؤال المهمّ وهو في إطار صيغته العامّة الواسعة؛لأنّ المنافي تختلف سياسيّا واجتماعيّاً,كما أنّ الشعراء يختلفون من حيث درجة وعيهم ومواقفهم الوطنيّة؛لذا أَستأذن جريدة "البلاد" الغرّاء في أن أقصر الإجابة على المنفى الديمقراطيّ وعلى الشاعر العراقيّ الوطنيّ تحديداً دون غيرهما لاستنباط المفهوم الذي"يعنيه المنفَى بالنسبة للشاعر" من خلال العلاقة الجدليّة بينهما..ماهو بديهيّ جدّاً أنّ ارتباط المواطن بوطنه لايدعوه إلى أن يهاجر منه إلى وطن آخر خصوصاً اذا كان هذا المواطن ذا وعي وطنيّ عميق.فهذا المنطق,من حيث المنطلق النظريّ,هو صحيح؛لكنّه لايكاد ينطبق على حالة مثل حالة الشاعرالعراقيّ الوطنيّ ,ولا على وطن استثنائيّ الظروف مثل العراق.ولهذا يصحّ أن نعكس هذا القول البديهيّ،فنقول:لولا الوعي الوطنيّ العميق الذي كان يربط الشاعر العراقيّ  بوطنه,لما عرف المنفى؛لأنّ الإرتباط بالعراق ـ الوطن هو ماأوصله وأمثاله من العراقيّين الوطنيّين إليه،أو كان سبباً في نفيهما انطلاقاً من معطيات التجربة الشعريّة الخاصّة للشاعر.غيرأنّ هذا الزعم المخالف لبداهة العلاقة العامّة بين المواطنة والنفي,لايمكن فهمه على وجهه الصحيح,من دون إبانة بواعث نفي الشاعر.ومن أهمّها طبيعة الرؤية المعرفيّة لسلطة الدولة الحاكمة في العراق سابقاً وحاليّاً..إنّ الرؤية المعرفيّة السائدة ،للسلطة العراقيّة منذ1968م تحديداً،مبنيّةعلى جذور دينيّة ــ عشائريّة ذات صبغة مدنيّة.تقوم أساساً على مبدأ"الإجماع" الذي ينفي من يخالفه في الرأي ويدينه ويتهمه توازياً مع مبدأي التقديس والتكفير الدينيّين؛وإنْ تظاهرت سلطة الحزب الواحد  بغير ذلك من المبادئ.ولهذا حين تعارضت رؤية الشاعرالوطنيّ المنادي بالحريّة والمساواة والعدل،مع رؤية السلطة الحاكمة المستبدّة،خصوصاً في السبعينيات،أدانته واتهمته سياسيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً.فالشاعر نتيجة هذا التعارض أصبح بالضرورة بين خيارين:إما أن يتخلّى عن وطنيّته وشعبه,ويرتبط بالسلطة عبداً ثقافياً خاضعاً لما تأمره به,وتنهاه عنه مقابل مكافآة أوامتياز وظيفيّ.وأما أن يتمسك بوطنيّته وشعبه, ويتحدّى السلطة  منفيّاً. فالمنفى بالنسبة للشاعر الوطنيّ الكريم الحرّ هو اسم آخر للوطنيّة,واسم آخر للكرامة والحريّة؛إذ وجود الأوطان لا يقاس إلا بمقدار الكرامة الإنسانيّة والحريّة الشخصيّة اللتين تمنحهما الحكومات لمواطنيها.وانطلاقا من هذا المقياس,فإنّ المنفَى إذا كان ديمقرطيّاً مثل كندا تتحقّق فيه ماهيّة الشاعر معنويّاً ويتأكّد فيه وجوده إنسانيّاً رغم اغترابه العميق حيث لامعنَى لماهيّتة,ولا إنسانيّة لوجوده في وطن يستعبده ويقمعه ويلغيه حدّ الموت,وإنْ كان ذلك الوطن يُسمّى وطنه.

ـ كيف وجدت المنفى الكندي ؟ هل كتبت شيئا لكندا وماهو ؟

  • ما يتعلّق بالجزء الأول من السؤال,هو أنّ كيفيّة وجود المنفَى لدى الإنسان المنفيّ تتوقّف على قوّة إدراكه إيّاها معرفيّاً.ومهما يكنْ,فإنّي وجدت المنفَى الكنديّ ــ حسيّاً ــ هو الوطن المتحقّق في الواقع الموضوعيّ,والمعوَّل عليه مقابل الوطن الوهميّ والخرافيّ؛لأنّ العراق الظاهريّ لم يعد وطناً واقعيّاً بل هو شبح لوطن جميل موجود في عالم المثل الإفلاطونيّ..ووجدته ــ أخلاقيّاً ــ هو المبدأ الذي ينشده طموح الإنسان,وتقتضيه سيرته العمليّة من حيث الحريّة والمساواة والعدالة الإجتماعيّة..

ووجدته ــ جماليّاً ــ هو المثل الأعلى الموجود في الذهن نظريّاً؛لكن يصعب عمليّاً أن يتحقّق كمال المُثل العليا دائماً،رغم عمل النقد الذهنيّ لها في العالم الخارجيّ.وهذا التنويه الصريح بقيمة المنفَى الكنديّ لايعني أنّي بدأت أَتنحَّى وطنيّاً عن العراق ــ الوطن.إنَّ الشجرة التي تتنحَّى عن جذرها  تضيع وتموت.وهيهات منّي الضياع والموت.اقصد موت الفكر لا البدن.أنا إنسان وجدت طريقي إلى لباب الحقيقة الإنسانيّة من بين زحام القشور,وفضّلت أن اموت جوعاً وكمداً وانا حرّعزيز في المنافي على ان اموت ذلّاً وهواناً وانا عبد أسير في وطني.ما أنا بضائع ولا بميّت.إنّما الضائعون والميّتون هم العبيد السياسيّون والثقافيّون والدينيّون الذين أخرجوني وأمثالي من الوطن,كي ينفردوا بكنوز النفط ولذائذ الجسد وبالشهرة والطغيان.لا.من قال أنّي رحلت عن العراق ــ الوطن؟أنا لم أرحل عنه البتّة.ولله درّ أبي الطيّب المتنبي،حين قال:

"إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدَروا*** أنْ لا تفارقهم فالراحلون همُ".

إنني لم افارقه.إنّ جذوري  مابرحت ممتدّة في ترابه.وإنّ ترابه مابرح محتضناً جذوري .أنا فيه وهو فيّ أبداً.أنا لا ابحث عن صورته الداخليّة المشرقة في اعماقي ؛بل ابحث عن صورته الخارجية التي تشوّهت مسخاً بين طيش الإستبداد وطمع الإحتلال وعبث الفساد.إنّي أبحث عن جمالها الحضاريّ  القديم أملاً في أن يتجدّد ويعود ثانية.ولمّا أزل أبحث عنه حالماً غير يائس.وأمّا مايتعلّق بالجزء الآخر من السؤال,فالجواب عليه: نعم.إنّ كندا تظهر في شعري على صورتَيْ اتّصال وانفصال.فهي إمّا أن تأتي متّصلة بصورة العراق الجريح الحزين ؛ فتغطّي غزارة دمائه ودموعه بهاء صورتها حدّ التعتيم والتشويه.وإمّا أن تأتي بهيّة منفصلة عن صورته المأساويّة .ومما يدلّ على الصورة الأولى كتابتي ــ من الشعر العموديّ ــ قصيدة أيّها اللصوص من مجموعة رغم الثلج والرماد.ومنها هذه الأبيات:

"أَصدُّ الثلـــجَ مغترباً بكفٍّ *** وبالأُخرَى أَصدّ لظَى اشـتياقي

فلا للكأسِ في كنـــدا نديــمٌ *** ولا للكـأسِ في بغــــدادَ سـاقي

أُعاني في المكانينِ اغتراباً *** تسـاوَى البينُ عندي والتلاقي"

ـ ـ ـ

وكتابتي ــ من شعر التفعيلة ــ قصيدة برازخ النار من مجموعة جرح ومنفَى أيضاً.ومنها هذا المقطع:

"كلّما قلتُ:أُعزِّي النفسَ يوماً.

أَتناسَى الماءَ أو أبني بديلاً من خيوط الشَّبَكهْ.

وأُسمِّي سِكَّة(المِتْرُو) فراتاً,وأُسمِّي دجلةً هذا النَّفَقْ.

جاءني الماءُ وأَلقَى موجةً تحت قميصي ناشراً روحي لنهرٍ سَمَكهْ.

ثمَّ حَطَّتْ فوق شبَّاكي عصافيرُالجليدْ:

لايُواسيكَ بما أَنتَ مُصابٌ نهرُ لورنسَ,ولا السروُ,ولاسربُ النوارسْ.

عبثاً تهربُ من عمقِ الجذورْ.

عبثاً تدفعُ في الثلجِ وحيداًعجلاتٍ لاتدورْ.

صحتُ:آهٍ من بلادينِ.بلادٍ لم تَعدْ ليْ،وبلادٍ لستُ منها."

ـ ـ ـ

ومما يدلّ على الصورة الأخرى كتابتي قصيدة موسم الثلج(ونتر لود) من نفس المجموعة المذكورة آنفاً.وهي:

"حين يَمضي نَـوْرَسُ الماءِ,ويُبْـقـيني وحيداً؛                        يَسْـقط الثلجُ،ويَكْسُو لِـمَّـةَ الأشجارِ شيبُ العمرِ.                          ها نحن تَسـاويْـنا بميزانِ الشتاءْ.                                          يَـصنعُ الغربُ من الثلجِ تماثيلَ:خيولاً.عَـرَباتٍ.أُمَراءْ.                   ثمَّ يَأتيْ السَّاحة َالسِـيَّاحُ ساعاتٍ.ولمَّـا  تـَـطلعُ الشمسُ بأيَّارَ,          تـُذيبُ الثلجَ عن وجْهِ المرايا.تُسْـقِطُ الخيلَ جميعاً,وجميعَ الأُمَراءْ.     آنَ للنورسِ أنْ يُـلقيَ عِبْءَ العَـرَباتْ.                                    آنَ للنورسِ أنْ يَرجعَ للخضرةِ،والماءِ الجديدْ.                         لستُ بالنورسِ وحدي ."                                                    ـ ـ ـ

هل تقارن مع نفسك بين واقع المثقف هنا في  وطنك كندا وواقعه في وطنك الام العراق ؟

نعم.وماهذه المقارنة  الثقافيّة بالشئ الجديد.إنّما هي جزء خاصّ من مقارنة كليّة عامّة.أثارها المصلحون التنويريّون في البلاد العربيّة,قبل قرن من الزمن,وكادوا يصلون إلى الأجوبة الصحيحة على أسئلتهم التنويريّة التي كانت تقارن بين الواقع العربيّ المتخلّف والواقع الأوربيّ المتقدّم ؛غيرأنّ الحركات الأصوليّة السياسيّة التي مَوَّنَتْها بعض دول النفط العربيّ وشَجَّعتْها بعض دول الغرب أَفشلت  مشروعهم الإصلاحيّ زعماً أنّ تطبيق الشريعة كفيل بالتقدّم,وأَنْ لا حاجة للتعرّف إلى الإنجازات العلميّة الحضاريّة الحديثة,أو التفكير فيها,إِذ الله هو العالم والمدبّر أمر عباده.وماعلى عبده إلا الإيمان به وبعلمه،وتفسير نصوصه المقدّسة الأزليّة.وهكذا ارتبط الذهن العربيّ بمفاهيم ثابتة مغلقة ظنّاً أنّها صالحة لكلّ زمان ومكان.ونتج عن هذا الإرتباط الذهنيّ الخضوع المطلق  للقيم التقليديّة الماضية,وتغييب مناقشة الحاضر ونقده،وسيادة أخلاق التسلّط  والعبوديّة,ومحاصرة ثقافة التنوير والتوعية بين سلطة الدولة القمعيّة من جهة وسلطة الأمر والنهي المتمثّلة بالمؤسّسة الدينيّة وغيرها من جهة أخرى.لاأودّ  التفصيل في أسباب التخلّف؛لأنّ الإجابة على السؤال تقتضي التركيز والإختصار.لذا أقول: إنّ الواقع العراقيّ الخاصّ لم يكن يختلف بالكيف عن الواقع العربيّ العامّ الذي أشرت إليه,وانّما بالدرجة.فهو واقع هابط إذا قورن بالواقع الكنديّ .إذ ترى فيه سلطة الدولة العراقيّة المواطن خادماً لها,وليست هي خادماً  له كما ترى سلطة الدولة الكنديّة على سبيل المثال.وعموماً فإنّ الواقع الثقافيّ في العراق يمثّل الإندماج بالسلطات السياسية والدينيّة والإجتماعيّة,لا الإندماج بالإنسان وقيمته الفكريّة والنفسيّة وحتى البدنيّة.وفي هذا الواقع يجب أن يكون المثقّف جزءاً من تلك السلطات القمعيّة؛فيتروّض حصاناً لجرّعرباتها,ويتحوّل بوقاً لإحياء مهرجاناتها,أي أن يخضع لإرادتها التي هي فوق إرادة الإنسان وطموحه خضوعاً  تامّاً,أو أن يقبل بالقمع والنفي والإلغاء.إنّه واقع الطاعة الأبويّة, لاواقع النقد الفرديّ والحريّة الشخصيّة.وواقع التبعيّة الثقافيّة والأجوبة الجاهزة على ماهو مسموح به من الأسئلة السائدة المتكرّرة؛لا واقع الإستقلاليّة الثقافيّة الباحثة عن كلّ مايريد أن يعرفه الإنسان,حيث لا سؤال محرَّم لديها مثل ما يتعلّق بالله وبالجنس وغيرهما من الإسئلة التي لا يسمح بطرحها الواقع العراقيّ.ومهما يكن فانّ المثقّف في العراق،لاقيمة لمواهبه ولا لحياته.وكيف تكون له قيمة وهو الضعيف الذي لايمتلك من دنياه غيرالحرف؟.إنّما القيمة في العراق للإقوياء من ذوي السلاح وذوي المال.وإذا لم تكن هناك قيمة لوجوده الثقافيّ والإنسانيّ؛فهل ستكون هناك عناية بمؤلّفاته ؟إنّها آخر مايمكن أن تعنَى به وزارة الثقافة العراقيّة إلا إذا كان االمولِّف مثقَّفاً مدجّناً سياسيّاً.يخدم في مؤلّفاته سلطة الدولة ؛ولايكتب إلا بشروطها وتعليماتها.هذا الواقع العراقيّ  الذي يذلّ مثقفيه ويزدريهم هوعلى العكس تماماً من واقع المثقّف الكنديّ الذي يجلّ مثقّفيه ويعنَى بهم ماديّاً ومعنويّاً.ولابدّ لي من قول أخير:هو انّ سبب هبوط الثقافة العراقيّة اليوم,لايرجع إلى قلّة المثقّفين أو قلّة النشاطات الثقافيّة؛وانّما يرجع إلى كثرة المثقّفين الذين تدجّنوا سياسيّاً ودينيّا واجتماعيّاً،وإلى كثرة نشاطاتهم الثقافيّة التي يرفضون فيها أن يتغيّر الواقع  مقاومين كلّ مايمكن أن يغيّره،وكلّ ماهو خارج عن توصيات أسيادهم المحلّيّين والإقليميّين.إنّهم يخافون كلّ ثقافيّ جديد مختلف يهدّد مصالحهم الشخصيّة ..

عن البلاد