صعود صدام إلى الرئاسة ومقدماته 1و2

Submitted on Sun, 04/08/2018 - 23:24
محاولة اغتيال طارق عزيز

نصير المهدي

من هنا بدأت الكارثة وهذا الشهر هو أبو المصائب التالية جميعها والى عقود قادمة ولكن الناس تنسى والتاريخ يبدا عندها من الآثار والنتائج وليس من الأسباب . 
كان صدام يخطط لكل شئ وصعوده الى سدة الرئاسة سيكون الكارثة الكبرى التي لحقت بالعراق وإن غطتها لاحقا العصبيات الطائفية التي دافعت عن صدام رغم سجله الحافل بالإجرام إن كان بحق العراقيين أو العراق وحتى العرب الذين أعمتهم المظاهر السطحية عن رؤيةالوقائع الحقيقية كما أن تسلط هذه الحثالة وهي كذلك بالمعنى الحرفي للكلمة وخاصة عبر آليات الإحتلال قد خلط الأوراق وأحل رؤية ضبابية للوقائع خاصة لأجيال جديدة لم تعايش تلك الحقبة ولم تر هولها .
كان صدام يخطط أو يدبر له وينفذ هل كان يمتلك قراره ويوظف التخادم لغابة في نفسه أو أنه عميل زرعته يد الإختراق الدولي في تلك التجربة لا نملك ولا غيرنا دليلا قاطعا حول هذا وذاك ولكن ما قام به صدام قدم خدمة كبرى لمشاريع الغرب وللصهيونية ومخططاتها وقد صعد الى السلطة وفي أولوياته تدمير ميثاق الوحدة مع سوريا وشن الحرب على إيران لمصلحة الغرب وحكام الخليج كما إعترف هو بنفسه بعد سنوات قليلة من نهاية قادسيته المشؤومة لقد تحول العراق على يد صدام من بلد قائد في المنطقة الى بندقية للإيجار للدفاع عما أسماه يومذاك البوابة الشرقية والمضحك المبكي أن الحارس المستأجر لم يتلق حتى أتعاب حراسته فقد أنكر حكام الخليج بعد حين علاقتهم بحربه وتركوه والعراق معه يواجه نتائج حرب مدمرة لقد كان العبقري الذي أهداه التاريخ للعراق وأهداه العراق للأمة العربية كما وصفه ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث مجرد غبي أرعن وأضحوكة تافهة مع أن غباء الطبقة السياسية وتفاهتها أعاد إنتاجه بطلا إعلاميا في نظر الكثيرين . 
بصراحة لا أكتب عن تلك الأحداث بعين المراقب من بعيد أو بطريقة من سمع ولم ير فقد كنت في قلبها وأعرف الكثير من تفاصيلها ومجرياتها الخاصة فضلا عن الأوضاع العامة المعروفة لكل من عاش تلك الفترة وتابع أحداثها . 
أمر وحيد أردت الكتابة عنه من قبل " أعني حادثة المستنصرية 80 " وفي حياة الشخص المعني بالأمر وهو طارق عزيز ولكن شغلتني أمور طارئة في كل مرة فأرغمتني على صرف النية عن هذا الشأن وفي هذا الموضوع هناك تخادم حقيقي وواضح بين سلطة البعث ونظيرتها سلطة الدعوة في طمس الحقائق والتعمية عليها والعمل على تأكيد الأكاذيب والإدعاءات فإثبات مزاعم صدام سيخدم خلفاءه بل هو مطلب أساسي لهم وتأكيد إدعاءات هؤلاء هو مما يطلبه صدام ويسعى اليه ليبرر جرائمه ولو كان في العراق قضاء نزيه مستقل ومراكز أبحاث تمتلك قرارها وحريتها لكانت أولى المهمات الجليلة لها هي إثبات حقيقة أكبر كذبة في التاريخ السياسي العراقي التي أطلقها صدام وبنى عليها جرائمه اللاحقة وهي كذبة " حزب الدعوة الإسلامية " وأعني الحزب والتنظيم والعمل السياسي لا أن تكون الفكرة قد مرت يوما في بال أحد أو تباحث مجموعة من الناس في وقت غابر من تاريخ العراق المعاصر في نية إقامة حزب إنما تحديدا وفي نيسان المشؤوم عام 80 حينما أطلق صدام كذبة الدعوة لم يكن هنالك قط حزب اسمه الدعوة ولو إجتمع الجن والإنس على إثبات هذه الكذبة بدليل حقيقي لا بكلام مرسل لما إستطاعوا وإثبات بطلان هذه الكذبة سيكشف حقيقة صدام الإجرامية حيث قام بتصفية آلاف العراقيين بدون ذنب وبسبب وحيد هو الشك في ولائهم والخوف من نشاطهم حتى لو كان إفتراضيا ولو أنصف هؤلاء الشهداء والضحايا الذين لم يرتكبوا جرما يستحق إعتقالهم أسبوعا واحدا فكيف بتصفيتهم وحتى بدون محاكمات وقد كانت عبارة مختصرة واحدة وهي " معادي للحزب والثورة " أو " ذو توجهات طائفية " تكفي لإرسال العراقي الى الموت وما إجراءات المحاكمة لاحقا سوى مجرد غطاء قانوني مهلهل لجرائم التصفية الجماعية تلك وفي كثير من تلك المحاكمات لم يكن المشهد أكثر من توقيع رئيس المحكمة على قرار بالإعدام قد تم تنفيذه . 
عند سقوط الشاه شكل صدام لجنة من ثلاثة أشخاص هم : سعدون شاكر وفاضل البراك وبرزان التكريتي " إدعى حسن العلوي لاحقا وفي حديث أمام الشاعر الجواهري بأنه كان عضوا في اللجنة ويعرف أسرارها " وسماها لجنة السلامة الوطنية لوضع دراسة وتوصيات عن أسباب الثورة على الشاه وطريقة معالجة تطوراتها والدروس المستفادة منها وكيفية التعامل مع حدث مماثل في العراق وفي تلك اللجنة تم تصنيف المشكوك في ولائهم " للحزب والثورة " على أربع فئات : معارض ومعارض محتمل وجمهور معارض وجمهور معارض محتمل والمعارض المحتمل هو ما يمكن أن يتحول الى المعارضة عندما تحل الفرصة المناسبة وكان القرار تصفية هذه الفئات الأربعة وبالجملة لتبدأ في نيسان 80 أكبر عملية تصفية في تاريخ العراق السياسي وكان التهمة التي جهزها النظام هي الإنتماء الى حزب الدعوة وأصدر من أجل ذلك قرارا من مجلس قيادة الثورة وبأثر رجعي يطال أي شخص يراد تصفيته في تلك المجزرة الجماعية 

الجزء الثاني 

( 2 ) 

أثناء محاكمة صدام وفي سياق الدفاع عنه قدم طارق عزيز شهادة ليثبت بأن محاولة إغتيال صدام المزعومة في الدجيل كما محاولة إغتياله الملفقة هي الأخرى في المستنصرية من صناعة إيران ليبرر بذلك الجرائم التي إرتكبها النظام الذي خدم فيه ضد آلاف العراقيين وعوائلهم وحرب الإبادة بالجملة لكل من يشك بولائه والحرب المشؤومة على إيران وفي الأثناء تباكى طارق عزيز ليقول والى الآن فالجروح في ظهري ولأن المحكمة بهيئتها وإدعائها العام على درجة مخجلة من الغباء وهي تنظر في تلك القضية العظمى في تاريخ العراق كما أثبتت بكثير من الدلالات والوقائع بحيث أن صدام ورفاقه أستطاعوا بكل بساطة أن يحولوها الى مهزلة ويعيدون تقديم أنفسهم أبطالا أمام المواطن المراقب بل وحتى في عين التاريخ أو لأنها لا تريد أن تفتح ملفات تلك الحوادث لما فيها من فضح للطرف الآخر المتهم بتدبيرها وهو برئ منها لأنه ببساطة لم يكن قد ولد بعد فلم تسأل المحكمة طارق عزيز عن ملابسات الحادثة و تطلب عرضه على لجنة طبية للتأكد مما يدعيه . 
ثم تهيأت فرصة لواحد من أعضاء الطبقة الحاكمة بأن يلتقي مع عزيز ويسجل معه لقاء يؤكد فيه غباء المستجوب الذي أجرى اللقاء لصالح قناة سعودية " علي الدباغ والعربية " فلم يتطرق الى تفاصيل تلك الحادثة الا عرضا ولم ينتهز الفرصة كي يحرج طارق عزيز بحقيقة الكذبة المزعومة ويتم عرضه أيضا على الكشف الطبي ليثبت بكل بساطة أن طارق عزيز لم يجرح في تلك الحادثة المدبرة ولم يقع له أي شئ . 
كان طارق عزيز في طريقه الى قاعة الجامعة المستنصرية لحضور مؤتمر طلابي عالمي تنظمه منظمة السلطة الطلابية " الاتحاد الوطني لطلبة العراق " وفجأة فور نزوله من سيارته ترمى عليه قنبلة يركلها حارسه وطارق عزيز يمضي في طريقه ليلقي خطابه في المؤتمر بينما ينطلق الرصاص عشوائيا من رجال الأمن المتواجدين في المكان ليصيب في مقتل طالبا وطالبة " أعتقد أن اسميهما طه ووفريال أو نوال " ويجرح الكثيرون والسؤال هنا ما هو التصرف الاعتيادي في مثل هذه الظروف .. ينسحب طارق عزيز ويلغى المؤتمر ويصرف الطلاب من الجامعة وتبدأ الإجراءات الأمنية الصارمة على الأقل خوفا واحترازا من هجوم ثانِ .
والمهم في هذا الموضوع هو الشخص الذي قيل بأنه حاول إغتيال طارق عزيز والمدعو " سمير نور علي " والمعروف في التداول العراقي هو الاسم الثلاثي لأي شخص واللقب ممنوع بقانون من " مجلس قيادة الثورة " للتغطية على قاعدة السلطة في ظل حكم آل المجيد ولكنهم أذاعوا الاسم بصيغة " سمير نور مير غلام " للإيحاء بأصل إيراني للشخص المعني . 
هل قتل سمير غلام في موقع الحادث برصاص رجال الأمن العشوائي ثم اكتشفوا اسمه ودلالته فاستغلوا الأمر لما يريدون هل ألقي القبض عليه بعد إختياره لهذا الغرض المشؤوم واستدرج الى مكان الحادث بحجة استقبال طارق عزيز كونه من المنتمين لحزب البعث وبدرجة نصير متقدم ولا يدري ما دبر له مع أنهم لو إعتقلوه لقدموا إعترافات تلفزيونية له كعادتهم في مثل هذه الحوادث سواء بنزع الاعترافات من الشخص المعني أو بتلقينه مجبرا على إعترافات يعدونها بحسب حاجتهم أو أنه قتل في مكان الحادث ولكن بتدبير مسبق ومحكم بعد أن وقع عليه الإختيار بسبب اسمه وكونه من الأكراد الفيلية المحسوبين على أنهم من " التابعية الايرانية " ومن ثم فهو الشخص المثالي لمخططات أجهزة صدام الأمنية الشيطانية . 
وربما من الإحتمالات التي تحضر حول هذا الأمر أن الشخص جرى إستغلاله سواء باسم معارضة النظام تعمل بتوجيه أجهزة الأمن العراقية خاصة وأن مجموعات كثيرة في تلك الفترة تشكلت على عجل بوحي إنتصار الثورة الايرانية ولما لنظام صدام من كراهية واسعة لدى الناس أو بحسب انتمائه الحزبي لرمي القنبلة الفارغة من الحشوة على طارق عزيز وهو إحتمال بعيد خاصة وأن الطالب لم يكن من ذوي الميول الدينية وقد يكون إقناعه بتلك المهمة عسيرا ومستحيلا .
لم يتوقف الأمر عند هذه الحادثة التي كانت محل تشكيك في حينها فلا بد إذا من تكملة تراجيدية تثير الحزن والإنفعال وتفعل فعلها في عواطف الناس فقد تم تنظيم تشييع للضحيتين وجمع للتشييع طلاب المدارس الإبتدائية والثانوية حتى إذا وصل التشييع عند المدرسة الايرانية في الوزيرية وهي مدرسة مغلقة مهجورة حتى انطلقت القنابل الحية هذه المرة والرصاص الحي على أطفال المدارس ليسقط العشرات منهم بين قتيل وجريح وبينما يتفقد صدام الجرحى في مستشفى مدينة الطب في ساعة متأخرة من الليل يسمع من الأطفال والاهالي المطالبة بالانتقام وشتم إيران والخميني وهو يهدئ الجميع بإصطناع هيئة الحكيم العاقل . 
أي غبي يمكن أن يطلق النار من مدرسة إيرانية ليثبت بأن إيران وراء تلك الحادثة فضلا عن أن المدرسة مكان محدد يمكن تطويقه بسهولة والقاء القبض على الفاعلين ومع ذلك بدأت الدعاية تفعل فعلها . 
ثم بعد ذلك يبدا تنفيذ الخطوات اللاحقة من المخطط المرسوم بعد أن زار صدام الجامعة المستنصرية وأقسم فيها : " والله.. والله.. والله.. وبحق كل ذرة في تراب الرافدين الدماء الطاهرة التي سالت في المستنصرية لن تذهب سدى. " فبر بقسمه وختم عامه الأول بأكبر حملات الإبادة التي تعرضت لها أجيال في تاريخ العراق ثم يبدأ عامه الثاني بحربه المشؤومة التي أحرقت الأخضر واليابس ولتقديم نموذج عن تلك الإبادة فقد وجه صدام رسالة الى العراقيين من خلا خبر نشرته الصحف العراقية وأذاعته أجهزة الإعلام يقول الخبر بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام بأبي سمير المتهم بحادثة المستنصرية وأخوته الثلاثة وأختيه وزوج أخته والرسالة واضحة المعنى والدلالة وصارت منهاجا لأجهزة الأمن ومنظمات الحزب ومليشيات النظام المسماة بالجيش الشعبي ومن يتحرك ضد النظام تباد عائلته معه والعالم الذي يقرأ تلك الأخبار مصاب بالعمى والصمم بل وحتى العراقيون الذين لا يزالون يدافعون عن نظام صدام ويبررون جرائمه . 
وللكلام بقية 
---------------------------------------------------------

الصورة التي تظهر القنبلة على الأرض والوضع العادي للظاهرين فيها جميعهم بما في ذلك طارق عزيز ومحمد دبدب رئيس المنظمة الطلابية لحزب البعث والصورة مأخوذة من كتاب القسوة لدى صدام حسين لمحمد مجيد . وفضيحة الصورة نشرت قبل ذلك في كتاب حميدة نعنع " طارق عزيز .. رجل وقضية " دون الإنتباه الى القنبلة الفارغة على الأرض .