صعود صدام إلى الرئاسة ومقدماته3 و4

نصير المهدي

( 3 ) وصلتني عبر الايميل قبل أيام من مجموعة تبدو " بعثية " منشقة عن عزة الدوري وتميل الى تعظيم " الشهيد " صدام حسين " وفي المقالة الطويلة التي تحاول تبرئة نظام صدام من الاسافين الطائفية التي دقها في نسيج المجتمع العراقي وترميها على عاتق عزة الدوري إذ ترى أن صدام لا يميز بين معارضيه من الشيعة وبين أقرب الناس اليه وتضرب مثلا بعدنان خير الله أو الأخوين حسين وصدام كامل . 
وسبق في هذه الصفحة أن تناولت في عدد من المنشورات المبثوثة في هذه الصفحة إشكالية بين البعث كحزب يفترض أنه علماني وبين سلوك صدام العشائري الطائفي المناطقي والخلاصة أن صدام ضيع فرصة من الفرص الكثيرة التي ضيعها وهي أن يكون ممثلا لتيار عراقي عابر لهذه المحددات ويسعى نحو مشروع وطني ولكن العرق دساس فطلق في واقع الحال حتى حزب البعث الذي تحول الى خرقة وممسحة لجرائمه من قبل ومن بعد وأقام قاعدته الاجتماعية السياسية على القواعد الثلاث المنوه عنها أعلاه .
وعلى أية حال ما يهمني في هذه المقالة أنها تتحدث عن حادثة تاريخية كتبت عنها وتوقفت عند حد معين على أمل استئناف الموضوع عند توفر الفرصة لأسلط الضوء على واحدة من أخطر العمليات الإجرامية التي نفذها صدام وجهاز مخابراته مقدمة للجريمة الأكبر وهي تحويل العراق الى بندقية للإيجار وثم شن الحرب على إيران أو مع إيران لإستنزاف العراق والعرب في تحقيق أغراض قلبت المنطقة رأسا على عقب وأضاعت الأهداف القومية بين أرجل التطاحن الطائفي وأغرقت البلاد العربية بهذا الطوفان الذي يشبه طوفان نوح وقد يحتاج الى عقود أو قرون حتى تبلع الأرض ماءها ويغيض الماء ويقضى الأمر .
هذه الحلقة هي هامش إضافي على الحلقتين السابقتين اللتين تسلطان الضوء على تلك الحقبة الخطيرة حتى تتاح لي الفرصة قريبا إن شاء الله لاستكمال الحديث عن تلك الجريمة البشعة . 
وكنت قد تحدثت عن الشاب الذي راح ضحية لعبة المخابرات تلك وهو سمير نور علي غلام وأوضحت ملابسات الموضوع الذي انتهى بعملية إبادة لعائلة الشهيد ذهب ضحيتها الأبوان والأخوة والاخوات والأصهار وأبناؤهم ولم يكن الأمر ليجري في السر بل نشرته الصحف العراقية يومذاك كي تصل الرسالة الى كل العراقيين : من يعارض السلطة أو يشك في ولائه لها فسينال العقاب الجماعي من نظام تقول قوانينه بالعقوبة حتى الدرجة الخامسة وقد تم تطبيق هذه العقوبة في أماكن وحوادث كثيرة ومنها على سبيل المثال ما جرى في بلد والدجيل حيث تمت إبادة عوائل كاملة بدءا من الجد وأولاده وأحفاده بما في ذلك أطفال رضع وهذا يدحض ما تذهب اليه المقالة من تبرئة لنظام صدام من لوثاته الطائفية العميقة إذ أن هذه العقوبة الجماعية كانت تقتصر على شريحة إجتماعية دون سواها بل وعلى العكس من ذلك عند الشرائح الاجتماعية الأخرى كان صدام يعاقب من يخرج على طاعته بشخصه ثم يبذل قصارى الجهد من أجل إرضاء أهله وعشيرته .
صاحب الرواية كما هو واضح يبرئ صدام ونظامه ومخابراته من إفتعال هذه الحادثة لتحقيق مآربه ويستند في ذلك الى القول بأنه يعرف الشخص الذي من المفترض بحسب رواية الدعاية الصدامية أنه قام بالعملية أي سمير نور ثم يضع الادعاء هذا في إطار رواية محبوكة تنسب الى شخصه بطولات ومزاعم في واقع الحال لا أساس لها كلها من الصحة وأقول هذا لأني معني بهذه الرواية حيث اني المقصود بهذه النسبة أحد الأقرباء وهناك تفاصيل ركبها مؤلف الرواية من حقيقة أننا كنا في مجموعة ثورية في ذلك الزمن من أواسط السبعينات جمعتنا قضية فلسطين والأوضاع العربية عامة والعراقية بشكل خاص والسبعينات هي ربيع اليسار في أوساط الشباب العراقي ونحن ثمانية من الأصدقاء الذين التقينا تحت سقف القضية الفلسطينية ومثلنا بالمناسبة عشرات بل ربما مئات المجموعات التي تنتشر في العراق في ذلك الوقت وهي محبطة من تجربة الجبهة الوطنية بين البعث والشيوعي وتتخذ من المنظمات الفلسطينية غطاء لتحركها خاصة وأن النظام كان يزايد بالدفاع عن قضية فلسطين فلهذا كانت عينه كليلة عن رؤية ما يجري داخل أروقة مكاتب المنظمات في العراق بينما كانت هذه توفر للعراقيين المعارضين وسائل الأمان وحتى تنقلهم عند الضرورة خارج العراق وهذه الصفحة المجيدة من مناقب الفلسطينين لا يذكرها هؤلاء الذين يشنعون اليوم على فلسطين وقضيتها بحجة حكاية الالف انتحاري فلسطيني المزعومة أو لأن نفرات منهم رفعوا صور صدام في مكان ما من فلسطين . 
صاحب هذه الرواية وبعض شذراتها مسموعة مني يخلط بين شخصين هما سمير نور ضحية عملية المستنصرية وبين سمير إبراهيم أدهم وكان واحدا من مجموعتنا المنوه عنها والتي كانت تحمل اسم " منظمة العمل الثوري " وهي تسمية أكبر من حجمنا المحدود جدا وكنا نسميها تمويها " زنوبة " وهي مجموعة شباب تروتسكي حيث كان لتروتسكي وقتذاك شعبية طاغية بين الشباب اليساري في العراق ربما نكاية بمواقف الحزب الشيوعي العراقي وكانت هذه المجموعة تنسق العمل مع مجموعة أخرى يقودها عمار الملاح ابن الكاتب اليساري المعروف عبد الغني الملاح صاحب الكتاب التراثي المشهور " المتنبي يسترد أباه " وقد قضى عمار في حادثة سيارة قيل أنها مدبرة وجرى الربط بين الحادثة وبين بضع مقالات كتبها عامر عبد الله في جريدة طريق الشعب يحذر فيها السلطة من نشاط هذه المجموعات ويفتح عيونها عليها .
وبقيت المجموعة تستظل بالجبهة الشعبية - القيادة العامة حتى بعد أشهر من انشقاق أبو العباس وتاسيس جبهة التحرير الفلسطينية حيث تبعثرت بسبب الخشية من العلاقة الحميمة بين هذا والنظام العراقي وسفر إثنين من أعضاء المجموعة خارج العراق وترك إثنين آخرين لها بسبب الضغوط الأمنية وبقينا نحن نواصل السعي في هذا الطريق حتى خروجي من العراق عام 80 ولأني في الخارج سمعت بخبر إستشهاد الأخ العزيز سمير أدهم فقد اتخذت من أسمه اسما مستعارا أكتب به في صحف ومجلات عدة من بينها مجلة الثقافة الجديدة التي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي ومجلة النهج والحمد لله الذي ستر عليه إذ اكتشفت بعد الاحتلال أنه حي يرزق . 
ما أريد قوله من هذا السرد حتى لا يصبح الادعاء رواية تاريخية أن صاحب هذا المرفق " الذي في التعليق الأول " يخلط بين شخصين في روايته ثم يحاول تقديم الرواية في الإطار الذي يبرئ ضمنا جريمة صدام في إفتعال تلك المشكلة ولصقها بأحد الأبرياء من جهة وإنتحال دور بطولة ونسب أمور لشخصه وعلى أية حال فسمير هذا ليس سمير ذاك وليس لكليهما علاقة بالشخص صاحب الرواية من قريب أو بعيد ولم تطلب المجموعة منه ومن غيره التدريب على السلاح ولا الوضع العراقي يسمح بالتدريب على السلاح كما أن وجود المجموعة في إطار الجبهة الشعبية - القيادة العامة يغنيها عن هذا الطلب من أي شخص ولم تكن المجموعة تفكر بأي عمل عسكري ضد النظام ثم أن الأخ العزيز سمير أدهم كان يدرس في كلية الإدارة والإقتصاد في الجامعة المستنصرية أي أن تواجده في الجامعة معتادا بخلاف ما ترويه القصة وكنت في نفس الكلية ولكن في جامعة بغداد أما سمير نور فهو في كلية العلوم في الجامعة المستنصرية - قسم الفيزياء ولم يكن سميرنا من الكرد الفيلية ولا كان أبوه تاجرا في الشورجة وهذا فضلا عن ذلك فإنه ليس شيعيا كما تقدمه الرواية كي يتأثر بما حصل في الأربعينية لعام 77 وهو لا يعرف أي شخص من هذا الوسط الإسلامي ولولا أني لا أريد إزعاجه بتسليط الضوء عليه لوضعت إشارة الى صفحته على الفيس بوك . 
وحشره في هذه الرواية الزائفة ربما سببه اني كنت أستذكره دائما في أيام سوريا حيث كل الظن بحسب ما سمعت من أخبار في حينه أنه قد أعتقل وأعدم وربما جئت على ذكر نشاط المجموعات الكثيرة في العراق في ذلك العهد وأعتقد بأن كثيرين ممن واكبوا تلك المرحلة يعرفون ظروفها وقد إرتبطوا بشكل وآخر بمثل هذه المجموعات التي إزدهرت في العراق وقد ألقي القبض على بعضها وحكم على أفرادها بالموت . 
على أية حال حتى لا يجري تزوير التاريخ وتركيبه وفقا للدوافع العديدة السياسية والأيديولوجية أو إدعاء البطولات والمآثر في تلك الفترة المظلمة وقد رأينا كثيرين ممن كانوا يتقافزون في مجالات عديدة لإثبات ولائهم لنظام البعث وخاصة في فترة حكم آل المجيد ثم لبسوا درع البطولة وسطروا المزاعم عن بطولاتهم وأدوارهم في ذلك العهد المشؤوم . 

 

( 4 ) 
أعتقد جازما بأن هذه الذكرى الأليمة التي بني عليها الخراب الكبير اللاحق لم تمر في خاطر أي شخص من هذه الطبقة السياسية التي تستحوذ على مصير العراقيين وثروتهم ومستقبل أجيالهم والسبب بسيط ومختصر وهو أن هذه الطبقة السياسية بمختلف أطيافها وأطرافها كانت خارج التاريخ السياسي العراقي مع أنها وحدها من قطف ثمار التضحيات والدماء والخراب الشامل الذي أصاب العراق منذ ذلك اليوم .
الحمد لله أن هؤلاء صاروا في السلطة اليوم وتحت الأضواء حتى يرى الناس بأن هؤلاء العاجزين والقاصرين فكرا وسلوكا وفهما وعلما هل كانوا قبل ثمانية وثلاثين عاما بحجم الضجة التي أقامها صدام وإعلامه وتناغم معه الإعلام العربي والدولي الذي كان يستشعر خطر الثورة الإيرانية فتضافر على مواجهتها وعلى الأرض العراقية وبدماء العراقيين وثرواتهم في ظل حاكم غبي أحمق وربما أيضا عميل . 
قدم نظام صدام عملية المستنصرية على أنها من صناعة حزب الدعوة وهو عندنا لم يكن قد رأى النور بعد بل تأسس بعد ذلك بأشهر في مؤتمر طهران في أيلول 80 وحينما وجه إعلام صدام اتهامه لحزب الدعوة فإنه لم يلق في المقابل أي ردة فعل من المتهم بتلك العملية من قبيل النفي أو التأكيد أو الحديث عن ممارسات نظام صدام وغاياته من تلك العملية الإجرامية . 
ما كان يسمعه الناس في تلك الأيام هو أن منظمة العمل الإسلامي التي كانت تسيطر على الإعلام العربي الموجه من طهران هي التي تبنت العملية في بيان صدر لها في طهران بعد إعلان السلطات العراقية عن العملية وتفاصيلها والهجوم بعد ذلك على موكب تشجيع ضحايا تلك العملية من المدرسة الإيرانية المهجورة كما بينا في الحلقات السابقة ورغم إعلان منظمة العمل الإسلامي فقد تمسك النظام بروايته عن دور حزب الدعوة ولأنه على ما يبدو قد قرر العملية على عجل ربما بمناسبة المؤتمر الطلابي العالمي المنعقد في المستنصرية لم يعد لها بطريقة متماسكة بحيث يهيئ الوثائق والمستمسكات التي تثبت علاقة المتهم بتنفيذ العملية فقدمت صحف النظام كتابا مشهورا ومنتشرا في المكتبات العراقية اسمه " العلم يدعو الى الإيمان " للكاتب الأميركي كريسي موريسون والكناب قد طبع عشرات الطبعات ومتوفر في الأسواق وليس فيه شأن سياسي وقالت بأنها وجدته في بيت المتهم ولم تقدم حتى كتابا دينيا يمكن أن يكون دليلا على توجه المتهم السياسي كما هو حال كتابات سيد قطب أو محمد قطب أو محمد الغزالي بل وحتى السيد محمد باقر الصدر نفسه . 
ومنظمة العمل الإسلامي وهي تنظيم الجماعة الشيرازية التي كانت تقيم في إيران بعد أن انتصار الثورة وانتقال مرجعها محمد مهدي الشيرازي الى إيران من الكويت التي أبعد اليها عام 70 من القرن الماضي في عداد تسفير الجالية الإيرانية المقيمة في العراق في سياق الخلافات المتصاعدة بين نظامي البعث في العراق والشاه في إيران وأولئك المسفرون يختلفون عن المهجرين العراقيين الذين تم اسقاط الجنسية العراقية عنهم وتهجيرهم عام 80 بعد عملية المستنصرية بحجة أنهم من التبعية الإيرانية بعد مصادرة أموالهم وأملاكهم واحتجاز أبنائهم الذين كانوا في الخدمة العسكرية أو في وظائف حساسة وتصفيتهم لاحقا في واحدة من أخس وأكبر جرائم نظام آل المجيد والمسفرون الإيرانيون منحوا مهلة لتصفية أمورهم وغادروا العراق بطريقة طبيعية ومنهم من عاد الى إيران وتوجه المعارضون لنظام الشاه الى دول أخرى كسوريا والكويت ولبنان وغيرها . 
ومرجعية الشيرازي حركية ونشطة وتجيد التنظيم وكان لها في الكويت تنظيم صغير سمته " حركة المرجعية المجاهدة " يضم الإيرانيين المسفرين من العراق عام 70 وقد حولته بعد ثورة إيران الى منظمة العمل الإسلامي التي تأسست بعد الثورة مع أنها أيضا تدعي لها تاريخا أبعد من ذلك ولكن الحقيقة أن هناك من أراد تصدير الثورة الإيرانية وأسس لذلك منظمات كالجبهة الإسلامية لتحرير البحرين التي تولى قيادتها ابن اخت المرجع الشيرازي هادي المدرسي ومنظمة الثورة في الجزيرة العربية التي تولاها حسن الصفار الذي عاد وتصالح مع حكومة بلاده واندرست منظمته بعد ذلك ومنظمة العمل الإسلامي في العراقي التي تولاها ابن الأخت الآخر للمرجع الشيرازي محمد تقي المدرسي وهذه المنظمات ارتبطت جميعا بالشخصية الإيرانية التي كانت تمتلك نفوذا كبيرا يومذاك مهدي هاشمي الذي أعدم لاحقا بتهمة التجسس فهل كانت لارتباطاته التي أعدم بسببها دور في تقديم الذرائع والحجج للتمهيد للحرب العراقية الإيرانية ؟ .
هناك حوادث وتفاصيل مهما كانت بسيطة وتافهة وربما بدت بريئة أو تورط فيها أصحابها دون قصد سئ ولكنها في النهاية تحقق الغايات التي تسعى اليها أطراف تعمل في السر والخفاء وتتظاهر بالحياد والبراءة . 
منظمة العمل الإسلامي الشيرازية لعبت دورا كبيرا في خدمة ما كان صدام يريد تهيئة العقل العراقي والذهن العربي لشن الحرب على إيران هذه الحرب التي فتحت الباب واسعا أمام تدمير المنطقة الذي نعيشه ونشاهده الآن .
ولن يختلف منصفان في طبيعة السلوك الاجرامي لنظام صدام خاصة بعد أن صار نظام العشيرة بدلا من نظام الحزب ولم يعد صدام يراعي حتى الشكليات التي كان يمارسها في العقد الذي سبق صعوده الى سد الرئاسة في العراق ولكن مهما كانت الملابسات التي رافقت صعوده ذاك والمهمات التي سيتولاها وفي مقدمها تدمير مشروع الوحدة مع سوريا وشن الحرب على إيران الثورة فإن كان بحاجة الى أعذار ومبررات ودعاية يستطيع بها إقناع العراقيين بمشروعه الدموي القادم ومعهم العرب والعالم الذي كان مأخوذا بالانتصار الشعبي على نظام الشاه فقد حاول هو أن يصطنع بعض الأسباب رغم سذاجتها فقد أحدثت أكثر من الأثر المطلوب لأن منظمة العمل الإسلامي الشيرازية التي كانت تسيطر على الاعلام الموجه الى العراق والعرب عبر الحدود كانت تكمل المهمة .