كتاب مروة: بحثا عن طريق آخر/ملحق 

Submitted on Fri, 04/13/2018 - 16:52

عبدالامير الركابي...لاينبغي ان ننسى بان السيد "كريم مروة"، يستحق بعد هذا كله الشكر، على الاقل لانه منحنا فرصة تستحق التوقف، وقد تكون نادرة، كي نؤرخ لنوع، او لنمط من الافكار، اصبح بحكم الماضي، بحيث يصبح لدينا نوع من التفكير، موشك على مغادرة مجال الحضور، ناهيك عن الفعالية، ضمن مجال الفعل الحي الراهن، في المنطقة التي نحن منها، او مايمكن ان نطلق عليه طور الفكر المنقول يالصندوق المقفل، مع خلفيته المجتمعية، مقابل الغاء الواقع المعاش، لصالح المقطع الاجتماعي الغربي المتماهى معه، وهو طور مضى عليه مايزيد على القرن ونصف القرن، من تاريخ مايعرف ب " الحداثة" العربية، حيث الفعل جار خارج الاختبارات والتدقيقات، الفكرية والعملية التاريخية، المستخلصة من معاينة الاشتراطات المعاشة.
ومايمتاز به السيد "مروة" كايديلوجي مخضرم، انه شديد الانفعال بالمتغيرات العالمية والمحلية، على طريقته، شديد الحرص على التماشي معها، بغرض اعادة انتاج نوع من الافكار، اراد لها ان تحظى بمكان، اوان تلعب دورا ما في الوقت الضائع، برغم تبدل، لابل معاكسة الظروف، وانقلاب الاشتراطات، الامر الذي لم يكن الا ليفرض على اي كان في حالته، ومن نوعه، اتباع نمط من التلفيق، ومحاولة التشاطر، خارج الواقع المفعم، اليوم بالتفجر، والانحدار الكارثي المريع.
تغير العالم، وتغيرت المنطقة الابراهيمية الناطقه بالعربية، فما عاد يالامكان معاملة المستعار، المستهلك اختبارا، وبالتجريب، على انه مما يمكن ان ينتمي للحقيقة، او حتى ان يعتاش افتراضيا، بناء على الايمان العقيدي، بالاخص في منطقة تلعب العقيدية فيها دوراحاسما، بالتماهي مع الشروط المستعارة، كما كان عليه الحال عند بدايات القرن الماضي، حيث النخبة متدنية المستوى اعدادا، واقرب الى الايمانية الفطرية، او التقليدية الموروثة، والى قبول منجز الاخر، والتسليم به، على انه قمة القمم، غير الخاضعة للمحاكمة، او لاي نوع من اعادة التوطين، من موقع ادراك الحدود والفوارق بين الموضعين، الماخوذه منه، وعنه، الافكار والآليات التفكيرية الحديثة،قياسا على البنية التاريخية للمكان، المراد الاخذ به من الماضي، نحو حاضر الآخرين، الحداثي.
يعدد "مروة"، اكثر من 20 مهمة يضعها كبرنامج عمل، لاشيئ فيها جديد، او يستحق التوقف، غرف هو مستغلا تعوده على سهونا المتكررعن امثاله، من الخمر القديم، ووضعه في دنان مزوقة تتشبه بالجدة، لاشيء غير الشعارات التي لايمكن القول بشانها، الا انها تكريسات مركزة، لمهام متخيلة، مادام الوصول اليها مستحيل وكارثي، كما سبق واثبتت المحاولات عبر العقود، مايدل على ان السياقات المفترضة، المستعارة فكرا وعملا، لاتناسب ممكنات الذهاب اليها، واقعا، ماصار يوجب ان يزال عنها اي معنى حيوي فعال، ليجعل مما عدده من قبيل اعادة لوك للعلكة نفسها، بعدما شل الفكان وهما يحاولان طحنها دون جدوى، والشيء المؤكد الذي لايقبل الجدل، ان عمل "مروة الاخير"* غير ضروري، ولالازم، الا باعتبار دلالته على تعاسة وبؤس نهاية حقبة من الممارسة والتفكير، ولت، ولم يعد لها اي مبرر.
ليست التسميات، او الهياكل بذاتها، هي ماينبغي، او يجب ان تكون المقصودة في اي توجه يتماشى مع نبض الحقيقة والتاريخ في منطقتنا، ليست الاحزاب، ونوع الممارسات، واشكال التنظيم، مايجب الانطلاق منه، بقدر ماينبغي الاحتكام الى الواقع ودروسه، وتعاليمه الكبرى، واول ما تقوله هذه على مانعتقد اليوم : ان المنطقة العربية يجب ان تتهيأ للطور الثاني من التاريخ الحداثي، بعد تهاوي وتهافت، وتراكم شرور الطور الاول البدائي، هو ومن اضطلعوا به، وبنهاياته الكارثية، ان تاريخ تجربة الحداثة في المنطقة الابراهيمة الناطقة بالعربية، قد انتهى الى مصير مرعب، من اكبر الدلالات على بلادة الحس، وتعبد صنمية التجربة، والافكار، واعتبارها غاية بذاتها، بقاء المسؤولين عنها، مع كونهم من سكان هذا المكان من العالم، مصرين على الايغال فيها.
ان اول ماعلى قوى الحيوية والتحرر، المفكرة، والمسؤولة عن بلورة الخيارات الاساسية في منطقتنا، ان تذهب اليه، وتعلنه كمهمة كبرى اساسية، قد يكون يتفق مع مايلي:
ـ اعتبار الطور المنصرم من تاريخ الحداثية العربية، كطور منته، فقد صلاحية الادوات التي ارتكز اليها، بالتجربة والاختبار، بعد اخذه المنطقة الى عكس المقصود منه.
ـ نبذ التركيز على الخصوصية المطلقة، والنهائية لمنظور الغرب ونموذجه الحديث، مع محو اي حضور المميزات التاريخية وفعلها، ومايترتب على نهج من هذا القبيل، من استسهال تاجيل، او رفض البحث في الخاصيات التاريخية، او وضعها بين المهام الاساسية، بدعوى العالمية الاحادية الخضوعية، واعتبار ماقد حدث على هذا الصعيد، من قبيل القصور الاساسي في اقل تقدير، استمراره من هنا فصاعدا، يدخل في باب الخيانه المعرفية، ليست المحلية او القومية، بل خيانه العملية التاريخية الحضارية الانسانية.
ـ ان تقديس العقلانية الاحادي، واعتبار العقلانية الغربية بمثابة الهة العقل، ونهاية ممكنات المعرفة، ليس سوى نوع السقوط الى مادون العقل، والتفكير العقلي، لايؤهل القائلين به للتصدي لاية مهمة، ان التبادلية الشرعية/ العقلية، بين ضفتي المتوسط، هي ماينطوي على جماع تجربة الانسان التفكرية العقلية، وقد خضع الغرب نفسه لقرون طويلة، لقوة مفعول الرؤية الكونية التوحيدية الاولى، الصادرة عن هذه المنطقة، على مستوى الكوكب ( الابراهيمية بقراءاتها الكبرى)، ومازال من الممكن ل "مكرون"، الرئيس الفرنسي اليوم، ان يبدي قبل ايام، تملقه للرؤية الابراهيمة الكنسية، بحيث يثير غضب الصحافة، وهزئها منه، بعدما اطلقت عليه اسم "الراهب ماكرون"، متهمة اياه، بالخروج على اسس العلمانية. ان قمة حضور العقلانية في الانسانية الحية، لاتتوقف عند التوحيدية الابراهيمة النبوية، ولا تحت اقدام العقلانية الفلسفية الاغريقية الاوربية الاحادية الحديثة، بل هي تنتظر العليّة السببيه التوحيدية، مابعد النبوية، كما هي مطروحة اليوم على العقل، بانتظار عودة تجليها في معقل الرؤية الكونية الاولى، ان العقل المؤسس على تحري اسباب الوحي بالعلة، والمبرر المجتمعي، هو ماينتظر البشرية من هنا فصاعدا، قبل ان تحقق وثبتها الكبرى المنتظرة الاعظم.
ـ ان تجربة الغرب الحديث، بدات مغلقة، وهي الجزء الاخير زمنيا من الطور الحضاري الانساني الثاني، وكل ماحققته جزئي، مايزال ينتظر الاستكمال، الامر الذي لايمكن تحقيقه في الغرب نفسه، بعدما اثبت احاديته المجتمعية التفكرية، وبعد ان اظهر عبر القرن الماضي، استحالته، وانغلاق الافق دونه، مع انقلاب العقلانية الاولى للقرن الثامن عشر، الى الايديلوجيات الجمعية القاتلة، الفاشية، والاشتراكية الوهمية، والحروب والابادات الكبرى، ان تاريخ العالم الراهن، الذي يتزايد احتقانا، ومخاطر داهمة، رهيبة، يمكن ان تعرض البشرية للفناء، سببه ومبعثه بنية الغرب اللاعقلانية، المفعمة بجنون الجشع، والمفتقدة للتوازن، بين التقدم، والضرورة الانسانية، وماهو حاصل من انتكاسات في الافكار، والانتماءات، والظواهر العنيفة على مستوى العالم،هو بالاصل نتاج فشل الغرب وتجربته التاريخية، وقرب نهايتها الحتمية، كما هو حاصل على الصعيد الموضوعي، ان الارهاب الذي يصرخ الغرب ليل نهار مدعيا محاربته، هو النتاج الطبيعي للظاهرة الغربية الحديثة، وهو دليل على فشل المشروع الغربي انسانيا وكونيا.
ـ انتهى من سجل الحياة والعالم، زمن الانتقال من عملية الانتاج اليدوي، الى الالي، ومايعيشه الغرب والعالم اليوم، ومن هنا وصاعدا، هو تاريخ الانتقال الى "الانتاج المعرفي التكنولوجي"، مالايتلائم مع بنية الغرب المجتمعية الاحادية، ومانشهده منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، هو بالاحرى عملية انهيار موحدة شاملة، لتجربة الغرب الحديث التاريخية، آخرها لحظة ترسخ العولمية الراسمالية المازومة، المفتتة لللبنى الكيانية، والمطلقة لكل اشكال الفوضى، وشيوع مالايحصى من اشكال قتل الوجود الاولي الانساني، لصالح هياكل وبنى واليات لم تعد صالحة، ولاقابلة للحياة، ان مايدعونا اليه "مروة" هو التحاق باليات تدميرية شاملة، تحت طائلة التمسك بالوسائل، وتعبدها، بغض النظر عن كونها خرجت من التاريخ كليا، ولم تعد صالحة للحياة، حتى بشكلها الايهامي الاول.
ـ ماهو ملح اليوم ومطلوب من القوى الحية، بغض النظر عن انتماءاتها الحزبية، او العقيدية، وباعتبارها الاقرب للتماس مع المستجدات، ان تبادر الى نزع ركام الماضي، والتمسك به، للانخراط ضمن تيار الثورة المعرفية العملية، المتزايدة الحضور والالحاح، على المنطقة والعالم برمته، ان اشكالا من التنادي، او التلاقي المفتوح، بين هذا النوع من القوى، والاكثر حساسية وطليعية وابداعا، ممايتوقع ظهورة بفعل قوة الضرورة اليوم، محوره إعادة قراءة الموجبات الضرورية، على طريق الثورة المعرفية الكبرى، بما يضع التجربة المنصرمة على طاولة التشريح، فقط من باب الاستفادة من بعض جوانبها القابلة للاستعادة. لم يعد هنالك مايمكن ان يؤخرمثل هذا التوجه، سوى نفس المرض وبقاياه،تلك التي جعلت الاستعارة، والتوهم، والتماهي مع الاخر، خارج الواقع والتاريخ الحي المعاش، ممكنة على مدى يقارب القرنين من الزمن.
ان من احتفوا بكتاب "مروة"، كان عليهم ان يشعروا بالخجل امام الحقيقة التاريخية الراهنة، وامام موجبات واقعهم، ومصير شعوبهم، مع ان هؤلاء انفسهم، هم من يمكن ان يستمعوا لنداء الثورة، بدل التسلي بنصوص الفهلوة، وادعاء محاولة الاستجابه لمقتضيات اللحظة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الحديث جار عن كتاب "كريم مروة"الاخير" نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" الصادر عن / دار الساقي.