ج2/ مع أسامة النجيفي في حديثه الأخير: الرئاسات وقصة رأس السمكة!

علاء اللامي
4- ويقول النجيفي (لا بد أولا من إعطاء هيبة لرئاسة الجمهورية؛ لأن هيبة الرئاسة مفقودة الآن للأسف، مع أنه وفقا للدستور رئاسة الجمهورية هي الركن الآخر للسلطة التنفيذية. عند ذاك يمكن أن يجري التفكير بأن يكون المنصب من حصة السنة. صحيح أن هناك قيادات سنية طالبت بالفعل بأن يكون هذا المنصب من حصة السنة؛ لكن ما نفع منصب بلا صلاحيات! بينما توجد صلاحيات واسعة لدى رئاسة الجمهورية لكنها لم تطبق.)
*يفضل النجيفي رئاسة البرلمان على رئاسة الجمهورية، وهذا أمر لو تم للمرة الثالثة فسيكرس طائفية الرئاسات، ولكنه من ناحية أخرى ومن وجهة نظر طائفية ومصلحية بحتة كلام "محق جدا" أما من وجهة نظر وطنية فهو مجرد هراء لا يقدم بل يؤخر. فمن الواضح من خلال التجربة أن رئاسة البرلمان التي دأب المتحاصصون في العراق عليها منذ انتخابات سنة 2005 وتعيين محمود المشهداني رئيسا له في نيسان 2006، أن رئاسة المجلس أفضل من حيث التأثير والكسب السياسي والفعالية التشريعية من رئاسة الجمهورية. ومن الأفضل لزاعمي تمثيل العرب السنة الاحتفاظ بهذا المنصب ليبقى منصب رئاسة الجمهوري بيد زاعمي تمثيل الكرد وتبقى رئاسة السلطة التنفيذية "الحكومة" ومعها منصب القائد العام للقوات المسلحة بيد زاعمي تمثيل الطائفة الشيعية ولكن هذا الإجراء سيعني تكريس الطائفية السياسية والمحاصصة المقيتة في العراق لتتحول المحاصصة بقوة العرف الى قانون أو ما يشبه القانون الذي لا يمكن المساس به لاحقا ليكون توزيع الرئاسات طائفيا بحتا كما هي الحال في لبنان. وهذا يعني أن النجيفي يدرك أن السمكة جائفة من رأسهما، ولا ينفع معها إي إنعاش، وطالما بقي الأمر هكذا فليتمسك كل طرف بحصته ولا يغامر بإنقاصها بحجج زائفة تتعلق بهيبة الدولة وعروبة العراق إلخ إلخ!
ومع ذلك فالمتحدث يترك الباب مواربا، ويطرح مطلبا فرعيا هو تفعيل صلاحيات رئيس الجمهورية وربما إضافة المزيد منها كما طالب الطالباني من قبل، أي أنه في تعامله مع شركائه زاعمي تمثيل الشيعة والكرد يبحث عن مصلحة طائفته اسما ومصلحة قائمته فعلا كسائر الأطراف، ولسان حاله يقول: نحن نتمسك الآن برئاسة البرلمان لأن فيه صلاحيات جيدة وإمكانية تمرير وتعطيل القوانين "السمينة"، ولكن إذا فعَّلتم صلاحيات رئاسة الجمهورية وأنعشتم رأس السمكة فسنأخذها ونترك لكم رئاسة البرلمان. بمعنى أن الصلاحيات وما وراءها هو المطلوب وليس هيبة الدولة ودولة المؤسسات كما يقول.
5-يضيف النجيفي (الدولة الآن هي رئاسة الوزراء فقط. كما أن رئاسة الوزراء هي القيادة العامة للقوات المسلحة. صحيح أن التسمية هي رئيس مجلس وزراء لا رئيس وزراء، وهو ما يعني أنه يملك صوتاً واحداً مثل باقي الوزراء؛ لكنه يحكم من خلال الصلاحيات المطلقة للقيادة العامة للقوات المسلحة. لننظر مثلاً إلى الأوامر الديوانية التي تصدر وفيها تفرد من قبل رئيس الوزراء، ومن جملتها التعيينات بالوكالة. الدولة الآن تدار بالوكالة. هذه الأمور يجب أن تحدد. لا يمكن للدولة أن تكون رئيس الوزراء فقط.) 
*هنا أيضا، ينجح المتحدث في تلخيص المشهد السياسي بدقة ولكنها دقة ناقصة فالدولة هي رئاسة الوزراء وهي هكذا كانت منذ حكومة علاوي المؤقتة، واستمرت على هذا المنوال حتى اليوم، ولكنها أيضا حكومة مقيدة بحكم الواقع المحاصصاتي ولا يستطيع رئيسها الحكم لأنه محكوم بالتوافقات الحزبية ومهدد بتمرد وزرائه عليه وهذا ما حدث مع المالكي الذي اعترف أكثر من مرة أنه لا يستطيع الحكم بسبب اشتراطات وضغوطات الأحزاب المتحاصصة، وهو ما يؤكده النجيفي في قوله (إن رئيس الوزراء لا يتدخل في عمل الوزراء، وبالتالي فإن الوزير حر في وزارته، وداخل المجلس لا تطرح إلا الأمور المهمة، ولا يمكن لرئيس الوزراء محاسبة الوزراء) فأين الجديد الذي يدعو اليه النجيفي؟ 
الجديد هو في أن المتحدث أدرك واقع الدكتاتورية الطائفية" الشيعية" التي كان شريكا لها في الحكم مع زملائه منذ قيامها، ولكنه يفكر الآن بتغيير هذا الواقع وإنهاء التفرد وأن يكون لرئيس مجلس الوزراء صوتاً واحداً كأي وزير دون أن يطرح أية خطة عملية أو شعارات مناسبة تمس بجوهر النظام. إنه، بعد ان تخلى هو وزملاؤه الذين سبقوه وخصوصا طارق الهاشمي عن سلاح مقاطعة نظام الحكم الذي غرسه الاحتلال ومحاصرته في سنوات نشأته، وقد تم ذلك بأوامر أميركية ونصائح من السعودية وتركيا بلزوم المشاركة فيه، يريد الآن أن يستمر في اللعبة مع محاولة تغيير قواعدها وهذا عبث لا طائل تحته. عن التفسير العقلاني لكل هذا الشواش والتخبط داخل شرنقة حكم المحاصصة لا تفسير له سوى فقدان الإرادة السياسية على الفعل المستقل والوطني والانحياز الى البديل الديموقراطي الرافض للنظام ولكي يأخذ العراقيون في المنطقة الغربية وصلاح الدين ونينوى مكانهم الحقيقي كجزء من طليعة الحركة الوطنية المرتجاة والتي تقاطع نظام المحاصصة اللصوصي وتمتشق سلاح الكفاح السلمي، والسلمي فقط، ضده حتى إنهائه وقيام نظام وطني وليكن الرؤساء الثلاثة للجمهورية والبرلمان والوزراء حاملين لصفتهم كمواطنين عراقيين فقط دون النظر لأية طائفة أو قومية ينتمون حتى لو جاؤوا من مكون واحد! 
ولهذا السبب المصلحي الطائفي يصر النجيفي على تشكيل ما يسمونها حكومة المشاركة الوطنية التي يشارك فيها الجميع، واسمها في القاموس السياسي الحديث (حكومة مُمركَزة Centralized government) وليس (حكومة مركزية Central government) وهي من حيث المشاركة فيها واحدة من خمسة أنواع من الحكومات البرلمانية أي يشكلها البرلمان ويقصيها بسحب الثقة إن أراد، والأنواع الأربعة الأخرى هي: 
1-الحكومة الفريدة ذات الحزب البرلماني الواحد الحائز على الأغلبية.
2-حكومة الأغلبية.
3-حكومة أقلية مدعومة من أحزاب من خارجها.
4-وحكومة ائتلافية تشكل من تحالف أغلبية برلمانية. 
والفرق طفيف أحيانا بين هذه الأنواع، وخصوصا بين النوع الثاني والرابع، ومعروف أن النوع الخامس أي الحكومة " المُمركَزة" هو الذي تشارك فيه جميع الأحزاب أو ممثلو المكونات، ويرجعه بعض الباحثين الى العهد الفرعوني في مصر، وهو نادر الوجود وليس له مثال آخر في العالم المعاصر غير العراق، وهو من أضعف أنواع الحكومات وأكثرها فسادا وإفسادا. إن هذا الإصرار من قبل النجيفي والعبادي والبارزاني يعكس رغبة دفينة لديهم ولدى السفارة الأميركية باستمرار بقاء حكم المحاصصة الطائفية الرجعي رغم كل الشعارات " الوطنية" التي يرفعها هو وغيره. والدليل العملي على ذلك هو موقفهم الواحد والمعادي للاعتصام البرلماني سنة 2016 والذي استهدف الإطاحة بالرئاسات الثلاث ورفض المحاصصة الطائفية فيها وقد أفشل الاعتصام لأسباب داخلية وأخرى خارجية لعب فيها السفيران الإيراني والأميركي دور قطب الرحى فيها. و #لاحل_إلابحلها
يتبع قريبا .