غزو العراق 2003 في ذكراه الـ15: حرب من أجل النفط "3"

Submitted on Sat, 04/14/2018 - 00:06

نادية عدنان عاكف

حرب من اجل النفط -4-: حرب مبنية على الكذب
في الجزء الرابع من ملف (حرب من اجل النفط) الذي عرضته الديلي ستار بمناسبة الذكرى الخامسة عشر يقول كل من انعام احمد وشكاوات ليتون ان جورج بوش وتوني بلير عملا لأشهر وسنوات على بناء اسطورة مفادها ان العراق قوة شريرة تمتلك اسلحة دمار شامل، ولا خلاص للعالم بدون القضاء على نظام صدام حسين.
بعد انتهاء الحرب، التي حولت العراق الى انقاض، تم تشكيل عدة لجان للتحقيق في صحة المعلومات التي روجت لها الولايات المتحدة وبريطانيا، واتخذتها اساسا لإعلان الحرب. خلصت تلك اللجان الى نتيجة ان العراق كان خال من اسلحة الدمار الشامل، وان بوش وبلير كذبا على شعبيهما وعلى العالم، واستخدما طرق مختلفة للوصول الى غاياتهما منها الكذب المباشر، والضغط على المحققين، والتلاعب بالوثائق والتحقيقات 
يعرض المقال جملة من الحقائق المستقاة من تحقيقات وشهادات حول الموضوع، ومن اهمها:
1 . بعد انتهاء الحرب قامت لجنة النزاهة The Center for Public Integrity المختارة من قبل مجلس النواب في حزيران 2003 بمراجعة للمعلومات الاستخباراتية التي كانت بحوزة الولايات المتحدة عن اسلحة الدمار الشامل لدى العراق، علاقته بالجماعات الإرهابية، وتهديد صدام للاستقرار في المنطقة. درست اللجنة اكثر من 65,000 صفحة من تقارير المخابرات عن اسلحة الدمار الشامل، واستجوبت اكثر من 200 شخص من ضمنهم، قادة مهمون في الاستخبارات المركزية وفي وزارة الدفاع، ودبلماسيون، ومحققون سابقون لدى الأمم المتحدة. خلصت التحقيقات الى ان ادعاءات امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، في غالبيتها كانت غير حقيقية، اما تم المبالغة في حجمها، او انها غير صحيحة بالمرة ولا تدعمها المعلومات المتوفرة. النتيجة ذاتها تم استخلاصها بالنسبة لملف الأسلحة الكيمايوية.

نائب رئيس اللجنة، السيناتور جي روكفيلر، صرح بعد عام (نحن في الكونغرس ما كنا لنعطي الإذن بالمضي قدما في هذه الحرب، ما كنا سنصادق عليها ب75 صوتا لوكنا علمنا ما نعرفه اليوم). فيما صرح رئيس اللجنة بات روبرتس عام 2004 (في النهاية ما اعتمد عليه الرئيس والكونغرس من معلومات لإرسال البلاد نحو الحرب، قدمت اليهم من الاستخبارات الأمريكية، وتلك المعلومات لم تكن صحيحة. اليوم نعرف انها لم تكن صحيحة).

2 . من اهم لجان التحقيق كانت لجنة Chilcot التي اختصت بمراجعة كل الوثائق المتوفرة، وال ISG وهو التحقيق الذي قامت به السي اي اي، حيث ارسل اكثر من 1200 محقق الى العراق. كلا التحقيقين خلصا الى ان جورج بوش وتوني بلير خدعا مواطنيهما بأكذوبة ان صدام حسين كان يمتلك اسلحة دمار شامل

3. مركز النزاهة العامة، وهو منظمة صحفية مستقلة، قامت بدراسة احصائية عن طريق برنامج كمبيوتر، حسبت من خلاله عدد المرات التي كذب خلالها بوش ورجال ادارته بشأن اسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة. خلصت من خلالها الى ان بوش، رامسفيلد، تشيني ورايس استخدموا اكثر من 935 عبارة كاذبة خلال السنتين اللتين اعقبتا احداث الحادي عشر من سبتمبر، سائرين (على حد تعبير الديلي ستار) على مبدأ الزعيم النازي جوزيف غوبلز صاحب نظرية: اذا استمريت بتكرار كذبة ما، في النهاية ستترسخ تلك الكذبة في اذهان الناس على انها حقيقة. لقد عملت ادارة بوش على زرع فكرة امتلاك صدام لاسلحة الدمار الشامل لدى الشعب الأمريكي كي يخلصوا الى الحصول على موافقة الكونغرس ومجلس النواب على المضي في الحرب.
سكوت ماكلين سكرتير الإعلام في البيت الأبيض كتب في مذكراته عام 2008 (بوش والبيت الأبيض كانا جزءا من مخطط وضع بدقة لخداع الرأي العام وتوجيهه لمصلحتنا)

4 . في بريطانيا تم نشر ما عرف ب(ملف ال45 دقيقة) في شهر سبتمبر من عام 2002، بعد شهر واحد في نوفمبر من نفس العام نشرت السي اي اي ملفها المعنون (الأرواق البيضاء عن اسلحة الدمار الشامل في العراق)، الملفان استخدما للتأثير على الرأي العام وتوجيهه نحو القبول بالحرب. وهو ما عده ارشيف الأمن القومي في امريكا " تنسيقا بين الحكومتين البريطانية والأمريكية لتحضير الرأي العام في البلدين، وجمع الدعم للحرب قبل اشهر مما كنا نعتقد سابقا". 
الوثائق التي تم الإفراج عنها من قبل البنتاغون لاحقا تشير الى ان التقريرين تم التلاعب بهما وتغييرهما لصالح السياسات المعلن عنها لدى وزارة الدفاع الأمريكية، نفس الأمر الذي حدث في بريطانيا. وهو ما اكده جورج تنت رئيس السي اي اي لاحقا، قائلا ان الوكالة كانت تحت ضغط شديد من قبل ادارة بوش لتغيير التقرير.
لكن لاري جونسون، وهو موظف في السي اي اي، ذكر في لقاء مع CNN عام 2007، ان جورج تنت وافق على المضي مع خطة بشأن الاعلان عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل رغم علمه بعدم توفر هكذا معلومات، ورغم تأكيد احد المسؤولين العراقيين السابقين المنشقين عن نظام صدام (ناجي صبري) على ذلك، واضاف جونسون (ان يدي جورج تنت ملطختان بالدماء، مثل جميع اعضاء هذه الإدارة لمشاركته في الكذب من اجل اعداد الناس لهذه الحرب).
قام جونسون في نفس العام الى جانب خمسة من المسؤولين الرفيعين في CIA بكتابة رسالة مفتوحة سجلوا فيها ان "ان العاملين الميدانيين في جهاز الاستخبارات الأمريكية حضروا ملفا بدلائل قوية بعدم وجود اي اسلحة للدمار الشامل في العراق". تم تجاهل تلك الرسالة، فيما قام جورج بوش بتكريم جورج تنت بالميدالية الرئاسية للحرية جزاء له على تعاونه وكذبه من اجل البيت الأبيض حسب تعبير الديلي ستار.

5 . ارشيف الأمن القومي يؤكد انه كان هناك نوعان من المعلومات عن اسلحة الدمار الشامل في العراق تصل الى مكتب CIA. معلومات موثوقة من علماء عراقيين ومسؤولين سابقين مثل وزير الخارجية الأسبق الذي عمل كجاسوس لصالح السي اي اي، اكدت خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل، والنوع الثاني هو معلومات مصادرها غير موثوقة، ووثائق مزورة تحدثت عن تعاقد العراق مع النيجر لشراء اليورانيوم لاستخدامه في برنامجه النووي. وقد اعتمدت CIA روايات المصادر غير الموثوقة وتبنت الرواية القائلة ان صدام قد اخفى اسلحته ولذلك ليس بالإمكان رؤيتها ولكنها موجودة. وقد كانت السي اي اي تحت ضغط شديد من قبل البيت الأبيض، لدفعها الى تبني فكرة ارتباط نظام صدام بالقاعدة وحيازته على اسلحة الدمار الشامل. ومن مظاهر ذلك الزيارات المتكررة لديك تشيني لمركز المخابرات، بصحبة بعض اهم مسؤولي ادارة بوش. وذكر ارشيف الأمن القومي انه بعد مراجعة الوثائق المفرج عنها عام 2008 يمكننا ان نرى ان ديك تشيني كان على اتصال مستمر بالسي اي اي، وانه زار مكاتبها ليس اقل من 12مرة قام خلالها باستجواب ضباط السي اي اي بعنف، وانه كان يفقد اعصابه حينما يرفض هؤلاء تقارير عن لقاءات بين صدام وعناصر القاعدة مثلا.
كما يذكر ارشيف الأمن القومي في تقريره ان وزارة الدفاع بقيادة دونالد رامسفيلد عملت الى جانب مكتب نائب الرئيس ديك تشيني على تأسيس ما سمي (وحدة سياسات مكافحة الإرهاب) PCTEG والتي كان دورها الحقيقي حسب تقييم ارشيف الأمن القومي زيادة الضغط على السي اي اي لتبني ما كان تشيني ورامسفيلد يطمحان اليه من ربط صدام حسين بأسلحة الدمار الشامل والقاعدة.

يمضي كاتبا المقال بالقول بأن كل ما سبق يشكل تحايلا وتلاعبا بالحقائق بشكل مباشر ومرئي. لكن الى جانب ذلك كان هناك العديد من العمليات التي تدبر خلف الكواليس لتفصيل سيناريو يتلاءم وطموحات البيت الأبيض، فقد تم طرد موظفين في جهاز الاستخبارات مثلا رفضوا القبول بخطابات لسياسيين تضمنت اتهامات صريحة لبعض الدول لا تدعمها الأدلة. ويتهم الكاتبان البيت الأبيض باتباع نفس المنهج اثناء غزو العراق في التعامل مع الجهات الرسمية المسؤولة عن الاستخبارات في العراق كمكتب الاستخبارات والبحوث في وزارة الخارجية الأمريكية، ومكتب الاستخبارات الوطنية، ومركز مخابرات السلاح والحد من التسلح في السي اي اي WINPAC
"لا يمكن لوم المحققين الذين عملوا على تحليل المعلومات الواردة عن العراق، فقد شعروا ان وظائفهم في خطر في حال ما قدموا معلومات ونتائج مختلفة عما كانت ادارة بوش تريد سماعه". هذا كان استنتاج ارشيف الأمن القومي الأمريكي.