الإسقاط التاريخي عند محمد باقر الصدر ودارسيه (1-2)

علي المدن

لقد وضعت كلمة (فكر) بين قوسين لأنني أعرف أن الاهتمام بالصدر له أشكال عديدة، وأن البعض يستذكره ك"رمز" سياسي أو طائفي أو عائلي أكثر من استذكاره ك"مفكر" ومصلح اجتماعي. شخصيا لست رافضا لاستذكاره كقائد سياسي وطني، وقد كان كذلك فعلا، ولكنني أَجِد نفسي مهتما به كمفكر ومصلح أكثر من أي عنوان آخر؛ والسبب في ذلك هو اعتقادي أن الصدر يمثل أشد العقول المفكرة لدينا مقاومة لموجة الحداثة الفكرية، وأوسعها تمردا على إكراهات تلك الحداثة. وأنا أتعاطى مع الصدر ليس من أجل أن أجد فيما كتبه جوابا على ما أفكر به، بل لأتفحص الأسئلة التي انشغل بها، واكتشف البديهيات التي أقام أجوبته عليها. ولو كنت أتبنى أسئلته، وأجيب بأجوبته، لحكمت على نفسي بأن أعيش في زمنه، وفِي أفقه الفكري، وفِي إطار احتياجاته هو. وهذا ما لا أَجِد نفسي مرغما على فعله أو الالتزام به. على العكس، أرى مهمتي هي بيان الخلفيات التي انطلق منها محمد باقر الصدر، وبيان الحدود التي وقف عندها. حين نحدّ الصدر بتلك الحدود يمكننا عندئذ تحقيق عدة أغراض دفعة واحد: (1) معرفة تجربته، (2) وتمييزها عن مجايليه، (3) وبالتالي يسهل علينا الحكم على تركته العلمية ومناقشتها.

هذا التحديد المنهجي هو المدخل لكل ما كتبته عنه حتى الآن.

نقطتان

يتصور البعض أن أزمة الإسقاط التاريخي في قراءاتنا الفكرية مقتصرة على دراسة وتحليل التراث، من يدقق في الكثير مما كُتب عن فكر محمد باقر الصدر سيجد أن قضية "المعاصرة" لا تمنع حدوث هذا الإسقاط أيضا، وأن عدم دربتنا على تنمية الحس التاريخي هو السبب وراء هذا الإسقاط، سواء كان الموضوع المدروس قديما او حديثا. نحن نبحث عما نريده بمعزل أن التدقيق في وجوده أو عدم وجوده في الموضوع المدروس!!، وما لا نجده لا نتردد في اصطناعه إذا لزم الأمر!! وهذه النقطة تعيدنا إلى ما ابتدأنا به في التحديد المنهجي أعلاه.

سأحاول في الفقرات القادمة الحديث عن نقطتين تمثلان خرقا للتحديد المنهجي المتقدم. النقطة الأولى تتعلق بالمجال الفلسفي / المنطقي. والنقطة الثانية تتعلق بالمجال الفقهي / الأصولي. وإليكم التفصيل:

هل فكر الصدر بالإشكالية الهيومية؟

واجه حقل الأخلاقيات في الفكر الغربي أشكالاً عديدة من النقاشات المعمقة، يعاد في كل مرحلة تفكيك ونقد التصورات السابقة، ومن بين تلك المراحل:

- مرحلة تنامي القلق الديني في نهاية العصور الوسطى الذي أفضى إلى الإصلاح البروتستانتي.

- مرحلة تنامي الشعور بالكرامة الانسانية في عصر النهضة الذي أفضى الى تأسيس مفهوم الشخص.

- مرحلة تنامي الثقة بالعقل في القرن السابع عشر الذي أفضى الى اخلاقيات الكرم والحريّة.

- مرحلة تنامي الشكوك المنهجية النقدية في القرن الثامن عشر التي كرست اخلاقيات السعادة أو الواجب.

- مرحلة تنامي الارتياب بالوعي التي امتدت من هيكل إلى فرويد، مرورا بماركس ونيتشه، والتي كرست أخلاقيات ما وراء الخير والشر.

وأخيرا نشهد مرحلة العودة للسؤال الأخلاقي بعد تفكيك كل اليقينيات والإطاحة بكل المرجعيات، والدعوة لأخلاقيات المسؤولية القائمة على التواصل الإنساني الحكيم الحر (ريكور، هابرماس، ... ).

في كل هذا المسارات النقدية نرى أن لحظة ظهور الإشكالية الهيومية (نسبة إلى الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم 1711 - 1776 م) كما في عرضها الأجود الذي قدمه في كتابه (تحقيق عن مبادئ الأخلاق) في عام (1751)، هي لحظة مميزة تاريخيا، وذلك لأنها حولت التفكير الحديث في الأخلاق إلى "معضلة" فلسفية ومنطقية.

كيف حدث ذلك؟

لن أخوض في تفاصيل التأويلات المقدمة للإشكالية الهيومية وما لها من الفضل في إثراء النقاش المنطقي / الفلسفي الحديث حول الأخلاق وتشعبه إلى مدارس واتجاهات معاصرة عديدة، بل سأكتفي بعرض أحد التعاريف الموجزة لهذه الإشكالية، التي يعرفها دارسو الفلسفة، يفي بالغرض الذي يعيدنا إلى محمد باقر الصدر.

يذهب هيوم إلى أن اشتقاق الأحكام القيمية من الأحكام الوقائعية أمر مستحيل منطقيا، فلا يمكن أن ينتج (ما هو كائن) حكما من نوع (ما ينبغي أن يكون)، وذلك بسبب اختلاف الرابطة المنطقية بين هذين النوعين من الأحكام، فبينما أحكام الواقع تقوم على رابطة الوجوب والضرورة، نجد أن أحكام القيمة لا تنطوي على هذا الوجوب والضرورة (بل هي جائزة وقابلة للاستثناء)، وهذا يجعل استلال الأخيرة من الأولى مستحيلا.

هذا الاعتراض خلّف جدلا هائلا في كتابات الفلاسفة المعاصرين واللاحقين لهيوم، واضطر أغلب الفلاسفة إلى تحديد موقفهم منه قبل الدخول في أي تنظير جاد حول فلسفة الأخلاق.

بالعودة إلى محمد باقر الصدر نجد أنه تطرق في عدة مواضع من دراساته في أصول الفقه إلى مسائل ذات صلة بحقل الأخلاقيات. كان من بين أهم تلك المسائل موقفه من المحاذير التي ذكرها البعض عند الرد على رأي المحدثين القاضي بمنع الاستدلال بمدركات العقل العملي في كشف الأحكام الشرعية. فقد ذهب أصحاب المدرسة الأخبارية من الإمامية إلى أن مدركات العقل العملي عرضة للاختلاف تبعا لاختلاف أعراف وتقاليد وعادات هذا المجتمع أو ذاك، وأن هذه الاختلافات تمنع حصول الثقة بأحكام العقل العملي في مجال التشريع. فاعترض البعض على رأي هؤلاء الأخباريين بالقول إنه يلزم عنه عدة محاذير لا يمكن الالتزام بها، منها: انسداد باب إثباتّ نبوة جميع الأنبياء! لأن الاستدلال على صحة تلك النبوات وثبوتها متوقف على توظيف مقدمة عقلية عملية، وهي "قبح" ظهور المعجزة على يد الكاذب من قبل الله، فلو كنا أنكرنا قدرة العقل العملي على إدراك هذه القضية (قضية "قبح" ظهورالمعجزة على يد الكاذب؛ لأنه تغرير بالإنسان من قبل الله، والتغرير قبيح، فلا يفعله الله) لم يعد بإمكاننا الاستدلال على إثبات صدق مدعي النبوة الذي ظهرت المعجزة على يده، وهذا يفضي إلى القول بعدم إمكان إثبات النبوات، وهو ما لا يلتزم به الأخباريون.

لقد أجاب الصدر على هذا المحذور بعدة أجوبة، نقضاً وحلاً، ما يهمنا من تلك الأجوبة النقضية هو الثاني. يقول الصدر: (إن هذه المقدمة العقلية التي نضمها إلى المعجزة، وهي "قبح الكذب" قد يستبدلها المشكّك بمقدمة عقلية من العقل النظري، فيبدل قضية "قبح الكذب" بقضية "منقصة الكذب"، فإن النقصان منفي عنه تعالى بالعقل النظري، لأنّ المطلق لا نقصان فيه بوجه. إذن، فنحتاج إلى بحث في إمكانية تحويل المقدمة العقلية المذكورة، من دعوى "قبح الكذب" إلى دعوى "منقصة الكذب"، والمنقصة غير القبيح، إذ ليس كل منقصة قبيح، فالجهل نقص، لكنه ليس قبيحا في كثير من الأحيان، والنقص منفي عنه تعالى بالعقل النظري، لأن النقص حد، والمطلق لا حد فيه) (عبدالساتر: 8/ 352).

لقد رأى البعض أن كلام محمد باقر الصدر هذا على علاقة بالإشكالية الهيومية!! وأنه كان في صدد تذليل تلك المشكلة، ولكن الوقت لم يتح له لتفصيل ذلك وإيضاحه!! (كما ربما توحي به عبارة الصدر وفقا لتقريرات الهاشمي حيث ورد فيها الآتي: ويبقى بعد ذلك البحث عن كيفية تحويل القضية العملية إلى قضية نظرية وهو خارج عن هذا البحث) (الهاشمي: 4/ 136).

هل حقا كان الأمر كذلك؟

لنلاحظ أن الصدر كان يتحدث في سياق تحديد سعة أو ضيق مدركات العقل العملي، وكان جُلُّ همّه هو تصحيح الاستدلال القديم على إثبات مدعي النبوة الذي تظهر المعجزة على يده، سواء كان بالاستعانة بمقدمة عقلية عملية كما كان يفعل القدماء، أو كان باستبدال تلك المقدمة العقلية العملية أو تحويلها إلى مقدمة عقلية نظرية، كما يريد الصدر فعله. ومن الواضح أن هذا المسعى لا علاقة له بالبعد الفلسفي الذي كان تتمحور حوله إشكالية هيوم. إن إشكالية هيوم كانت حول استحالة "استلال" القضية القيمية "من" القضية الوقائعية، وهي تختلف عن محاولة الصدر الرامية إلى "تحويل" القضية العملية "إلى" قضية نظرية. ما فعله الصدر هو استبدال مقدمة "قبح الكذب" العملية الموظَّفة في دليل إثبات صدق مدعي النبوة الذي ظهرت المعجزة على يده بقضية نظرية هي "منقصة الكذب". وحيث أن هذه القضية منفية عن الذات الإلهية، لأن الدليل قائم على كمالها وعدم نقصها، يكون ظهور المعجزة على يد مدعي النبوة دليلا على صدقه.

وهذا النوع من الاستدلال الذي مارسه الصدر في هذه القضية يشبه ما فعله فخر الدين الرازي من الأشاعرة في الاستدلال على أن الله خلق النظام الأصلح في هذا العالم، فإن الأشاعرة لم يستدلوا على ذلك بأن خلق النظام الأصلح "واجب" على الله، كما فعل المعتزلة، لأن فكرة الواجب تستلزم القول بأن العقل يمكنه الحكم بحسن الأفعال وقبحها، وهم لا يقولون بذلك، فجاء الفخر الرازي وغير طريقة الاستدلال بالقول إن عدم خلق النظام الأصلح يستلزم "النقص" في الذات الالهية، وجعل هذا تفسيرا لصفة الحكمة في الله، فهو "حكيم" بمعنى أنه "لا نقص فيه".

العالم الجديد