من درب لوبي "القوة المجتمعية" ومن ادخله إلى مجلس النواب؟

صائب خليل

دخل قانون شركة النفط الوطنية صفة "القانون النافذ" بعد نشره في الجريدة الرسمية. ويسعى معارضو هذا القانون – وهم تقريبا جميع خبراء النفط الأكثر أهمية في العراق، إلى الطعن به في المحكمة الاتحادية لكثرة النقاط غير الدستورية والصيغ التي تثير الشبهات والقلق من الهدف الذي صمم من أجله هذا القانون.

 

ويدافع عن القانون باستماتة غير معهودة، مجموعة من الساسة المخضرمين خاصة في قيادات المجلس الأعلى والعراقية. ويستند هؤلاء في دفاعهم الشديد عن القانون بوجه معارضيه إلى فرضية تقول أن الأموال بيد الحكومات العراقية تعتبر ضائعة بالضرورة لأنها فاسدة، لذلك يجب أن نأخذ تلك الأموال منها ونسلمها إلى شركة، تسعى تدريجيا إلى سحب الثروة من الحكومة وتسليمها مباشرة إلى الشعب عن طريق ما سمي "صندوق المواطن".

ويفترض بـ "صندوق المواطن" أن "يعيد الثروة للشعب" كما يقول دعاة القانون، بل وأن "يقضي على الفقر الشديد" و "يقلل الفوارق الطبقية" وان يغير النظام الاقتصادي للبلاد من “نظام الدولة الريعية” إلى "دولة الجباية". وقد حذر دعاة القانون من أن الكتل السياسية المستفيدة من نهب ثروة الشعب ستحاول عرقلة القانون لأنه يحرمهم من السرقة التي يقومون بها منذ سنين.

هناك غرائب كثيرة في هذا االقانون وقد طرحنا عددا منها في مقالات سابقة وطرح خبراء النفط العديد منها، ومنها ان صندوق المواطن هذا لا يزيد عن 30 دولاراً في العام، بأمل الزيادة مستقبلا!

لقد تمت إجراءات القانون بسرعة قياسية وبطرق غريبة عن مجلس النواب العراقي بل وعن العراق كله، وهذا اثار سيلا من الأسئلة والشبهات. وفي نفس الوقت اثار "الإنجاز" تساؤلا عن هذه القدرات غير الطبيعية لمجموعة "القوة المجتمعية" التي تبنت المشروع وتمكنت من ايصاله إلى الإقرار. ونريد هنا البحث في ماهيتها.

لا نعرف عن هذه المجموعة المثيرة للدهشة، سوى مجادلة قصيرة وتعريف نشره عادل عبد المهدي لها، كأنه يكتب عن اسطورة يسبّح فيها بحمد ملائكة نزلت من السماء وليس بشراً من انتاج مجتمعهم العراقي. نختصر ما قاله عبد المهدي في مقالته "القوة المجتمعية اضافة ديمقراطية نوعية"، ونرتبه في ثلاثة أجزاء، ويمكن مراجعة المقالة الاصلية في الرابط (1)):

1. وصف القوة المجتمعية: "القوة المجتمعية" ليست بحزب جديد، يقوده رمز او قائد، (وإنما) يتبعون اسلوباً متحركاً للقيادة والانتظام يقوم على التداول المستمر.. تجربة لم ينظّر لها اصحابها، بل نمت من خلال الممارسة والعمل...

2. تفسير نجاحها: (وهي ليست لوبي بل..) ممارسة من القاعدة والمجتمع، وهي بهذا المعنى نظيفة وشريفة ولا تعتمد الرشوة وشراء الذمم وتحقيق المصالح الخاصة لأصحاب القرار.... اعتمدت على استثمار تقاليد العمل السياسي، وسد الثغرات بين الشخصيات والكتل والقوانين، لتمرير المشاريع. وعمقوا تجربتهم خلال سنوات من اعمال الاحتجاج والتضامن للدفاع عن قضايا محددة (وهي) تختلف عن تجربة المظاهرات والاعتصامات (بأنها لا تقوم على) مفهوم الصراع والضرر المتبادل.. لأنهم اناس اكفاء لذلك يستطيعون استثمار الزخم الذي يولدونه، والعلاقات التي يمتلكونها والتي لا تستثني احداً، بما في ذلك مخالفيهم. استخدموا قوة الزخم الاجتماعي والنخبوي، والمساحات العلمائية الحوزوية والاكاديمية وفي الاعلام والدولة والسلطة التشريعية.. (و) استثمروا التحزبات نفسها، وعدالة المطالب، والخبرة والشجاعة والمثابرة في الطرح.

3. إضافات حول آمال عبد المهدي بالقوة المجتمعية: "القوة المجتمعية" كانت حلقة مفقودة لتحريك النظام، وللتجسير ومد اليد بين الحلقات المتقطعة، من حيث القوى والقوانين والازمان، واستثمار كل ما يمكن استثماره،...فتحت .. مساراً للشعب والمجتمع لمشاركة تشريعية، قد تعالج ضعف البرلمان وخلافات الكتل

تجربتنا القصيرة مع المجموعة لا تشبه الوصف، بل تناقضه بشدة. فالمجموعة التي ناقشت معنا القانون على صفحتنا قبل أسابيع قليلة لم تكن تشبه منظمة في حالة "تداول مستمر للقيادة" بل أقرب إلى عصابة مافيا لها رئيس، يتكلم وحده والمجموعة تنحني له وتمسح له وتنفخ فيه على أي كلام يقوله مهما كان سطحيا، وهي ليست من علامات الديمقراطية.

أما تفسير نجاحها بأنها ليست لوبي بل من المجتمع، أمر غريب. فما رأيناه في صفحتها والصور، كلها تشير إلى صورة كلاسيكية للوبي يدور بين المسؤولين ليجمع الموافقات على مشروعه. أما الادعاء بأنها “نظيفة وشريفة ولا تعتمد الرشوة وشراء الذمم وتحقيق المصالح الخاصة لأصحاب القرار” فهو تقدير شخصي، يتطلب الثقة بعبد المهدي لتصديقه. وكيف تمكنت هذه المجموعة من تمرير برنامجها المضاد للفساد وحصلت بالذات على مباركة الساسة المتهمين بالفساد، بدون "الرشوة وشراء الذمم"، بل حتى دون "تحقيق المصالح الخاصة لأصحاب القرار"؟ إذا كان بالإمكان اقناع هؤلاء بالطرق الأمينة وأنهم لا يشترطون تحقيق مصالح لهم، فهم "شرفاء" إذن.. وبالتالي لا مبرر لسحب ثروة العراق منهم لتسليمها لشركة لا نعرف من سيتحكم بها!

يقول عبد المهدي ان المجموعة اعتمدت على "سد الثغرات بين الشخصيات والكتل والقوانين". هذا يعني أولاً أن ما كان يقف دون إقرار قوانين حماية ثروة الشعب (إن فرضنا ان هذا واحد منها)، لم يكن رغبة هؤلاء اللصوص بالحصول على تلك الثروة، بل وجود "ثغرات" بين الشخصيات والكتل! وأنه بمجرد أن قامت المجموعة بسد تلك الثغرات وإيجاد التفاهم بين تلك الشخصيات والكتل، تنازلت تلك عن امتيازاتها!

لم نعرف ما هي تلك "الثغرات" التي عجزت الكتل عن سدها بنفسها حتى جاءتهم "القوة المجتمعية". ومن أين جاء هؤلاء الشباب بتلك الخبرة التفاوضية لتقريب وجهات النظر، والتي لا تتوفر إلا عند أرقى المحللين السياسيين في العالم، والذين لا نراهم إلا مستشارين لكبار قادة الدول الكبرى ودوائر صنع القرار و "منظمات التفكير"؟ ولماذا لم نلمح لذلك اثرا في مناقشتنا معهم؟

وحتى الخبراء لا يستطيعون أن يمارسوا مهمتهم في ردم الثغرات، دون ضغط وتهديد وترغيب وترهيب، فكيف تمكن هؤلاء من أداء عملهم بالمنطق فقط ودون تلك الأدوات؟ هل يمكن اقناع اللص الفاسد بالتخلي عن مصدر رزقه بالمنطق والابتسامات التي نراها في جميع صورهم مع المسؤولين؟ وما مستوى مجموعة لجأ رئيسها، حين عجز عن النقاش إلى تهديدي بالقول: "أنا خليتك ببالي.. أجيبك أجيبك"، ثم ذهب ليعلن حاجته إلى "متطوعين هكرز"! هل هذه هي الأساليب "النظيفة الشريفة" المقصودة؟ هل هؤلاء الذين "لم يستثنوا احداً حتى مخالفيهم" في الحوار؟

ومن اين حصل هؤلاء على "قوة الزخم الاجتماعي والنخبوي، والمساحات العلمائية الحوزوية والاكاديمية وفي الاعلام والدولة والسلطة التشريعية" التي يقول عبد المهدي انهم استخدموها؟

هل هم شخصيات معروفة تستطيع ان تجيش التظاهرات المليونية مثلا؟ هل بينهم مرجعية دينية؟ كيف تستخدم زخماً لا تملكه؟

أما ما جاء في النقطة الثالثة أعلاه فهو أقرب الى الصلاة مما هو الى الوصف. فـ "القوة المجتمعية" كانت “حلقة مفقودة” تمد الجسور بين "الحلقات المتقطعة" وتشمل "القوى والقوانين والازمان" وقد فتحت.. "مساراً للشعب والمجتمع" لمشاركة تشريعية، يؤمل منها أن "تعالج ضعف البرلمان وخلافات الكتل"!

إذا كان الأمر هكذا فقد حلت كل مشاكل العراق، ولم يعد الفاسدون يسيطرون على البرلمان، فلم يكن فيه سوى بضعة معارضين "فاسدين" كما يبدو، ولا الحكومة التي باركت ودعمت القرار في حالة تسام نبوية من نكران الذات، رغم انه يسلبها وجودها ذاته! مع مثل هذه الحكومة الرائعة، ما الداعي لتسليم ثروة العراق الى شركة تعد المواطن بـ 2,5% من ثروته أو حتى 10% منها وقد لا تفعل؟

دعونا نصحو من هذا الكلام الذي احير في تسميته، وأحتار كيف يمكن لشعب يقرأه فلا يدرك فوراً أنه امام كذبة كبيرة، وان لا يشتبه بوجود مؤامرة كبيرة على ثروته، وهو يعلم انها محط ابصار أكبر محتالي العالم؟

ما نراه من صور، هي للوبي من مجموعة شباب معظمها لا يعرف حتى كيف يتكلم. يقودهم شاب يبدو انه درب على الاستعراض والإيهام بالأهمية و"قيادة الجماهير"، وتم تحفيظه بعض الأرقام والأسماء ليبدو خبيراً رغم جهله، فهو لا يستطيع ان يميز بين "ماركس" و "ماركوس"، وحين يضغط ويخشى ان يفتضح امره، يركض فوراً إلى التهديد وطلب الهكرز!

كيف دخل هؤلاء إلى مجلس النواب؟ وكيف بقوا فيه فترات طويلة وكأنهم من سكانه؟ هل هناك نظام يتيح لأي مواطن ان يدخل المجلس ويعرض وجهة نظره على النواب؟ سالت بعض الأصدقاء في العراق: هل أستطيع أن آتي أنا أو أي مواطن، الى بوابة المجلس واطلب منهم السماح لي بالدخول لعرض وجهة نظري؟ ضحكوا مني وقالوا ان مجرد دخول الخضراء يتطلب إجراءات وموافقات خاصة صعبة جدا!

ومن الذي فرغهم من عملهم وأعفاهم من واجباتهم الوظيفية، ليعيشوا متفرغين للمهمة أشهرا طويلة؟

كيف اقنعوا النواب بصحة قانون خطير يعطي شركة، صلاحيات تفوق الحكومة كلها ومجلس النواب كله أو يجعلها في مصافهما في القرارات المصيرية على اقتصاد العراق؟

من دربهم على عمل "اللوبي" بكل هذه الكفاءة ليحشدوا كل هؤلاء الكتل المتفرقة؟ وإن كان القانون يحرم الكتل ميزاتها، كيف أقنعوهم به رغم ذلك؟

ما هي صفة مصطفى جبار سند ليظهر في الصور وكأنه اهم من النواب والوزراء ويجد نفسه في صحبة حتى رئيس منظمة أوبك!

لماذا يهرع معصوم لتوقيع القانون في أول يوم يداوم فيه بعد وصول القانون الى الرئاسة، وهو المنتمي لجهة تبدو وكأنها لا تفوت فرصة لعرقلة أي مشروع واستغلال ذلك لابتزاز الآخرين؟

ولماذا يحرص الأثرياء مثل عادل عبد المهدي وإبراهيم بحر العلوم على "إزالة الفوارق الطبقية" التي يتمتعون بميزاتها ويستزيدون منها؟ ألا يذكرنا ذلك ببكائهم عند الأضرحة وتوزيع الهريسة في المناسبات الدينية، وما يثير من استهجان لكذبه المفضوح؟

لماذا يدعم الوزير الذي كان مديرا لفرع في شركة أمريكية كبرى، القانون بحماس، ولماذا يوقع عقود النفط سراً على العكس من تراث وزارة النفط، وبمخالفة صريحة لمحددات الحكومة للعقود؟ ولماذا لا تمنع الحكومة ذلك أو حتى تعترض عليه؟

لماذا لم يعرض القانون على أي من خبراء النفط المعروفين، والذين ابدى جميعهم اندهاشه لفقراته الغريبة؟ وأين هذه الحقيقة من ادعاء عبد المهدي أنهم ناقشوا مع الجميع حتى المخالفين لهم؟

لماذا تم تجاهل النص الأصلي للقانون والذي ارسلته الوزارة الى مجلس النواب، ولماذا لم تسال الوزارة عنه بل هللت للقانون الجديد؟

لماذا لم ينشر نص القانون النهائي الذي تم التصويت عليه في صفحة مجلس النواب حتى اليوم؟

كيف لنائب أن يعطي رأياً في قانون نفطي وهو يسير صاعداً الدرج أو واقفا يبتسم عند مدخل مطعم المجلس، وبدون ان يقرأ التفاصيل ويسأل الخبراء؟

هذه الأسئلة هي ما نريد الإجابة عنه وليس إنشاء في المديح يكتبه شخص لم يكن فوق الشبهات بنفسه. وككل الولادات المشبوهة الأصل، ولد هذا القانون في الظلام، واستغل عرابوه انشغال الناس الشديد بالميزانية ونهاية الفصل التشريعي، وتم تعميده بسرعة متميزة، باسم مزيف يخفي حقيقته! نعلم جميعاً أنه لا معجزات ولا اساطير في العالم. ونعلم أن القوانين والمشاريع الوحيدة التي تمر في العراق بسرعة وتخترق كل العوائق هي قوانين الخصخصة التي يسيل لها لعاب الفاسدين، ولا نرى هذا القانون إلا شيخها وكبيرها.

نعم لقد تم نشر القانون وهو في طريقه للتنفيذ، ما لم نتمكن من تجميع زخم شعبي كاف، أكبر من القوة التي تقف وراء هذه المجموعة التي - بعيداً عن الأساطير- لا يدري أحد كيف تكونت ومن اين تستمد قوتها، وكيف أعدت لتلعب دور القابلة المأذونة لتوليد طفل السفاح هذا، وما هو الغرض الحقيقي منه.

 

صائب خليل

........................

(1) عادل عبد المهدي: "القوة المجتمعية" اضافة ديمقراطية نوعية

https://www.facebook.com/Adil.Abd.Al.Mahdi1/posts/1846411318756733