شيوعيو العراق ولبنان و"داء" الانتخابات

علاء اللامي

مقالتان مهمتان واستدراك/ شيوعيو العراق ولبنان و"داء" الانتخابات: قيادي شيوعي لبناني سابق يطالب حزبه بالانسحاب من الانتخابات والعودة الى شعاره "لا تحالف مع الثنائيات المذهبية" وملاحظات حول تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع الصدريين وفقرات من بيان حزب اليسار الشيوعي العراقي الرافض للمشاركة في الانتخابات.

تشترك الانتخابات في لبنان والعراق بطابع رجعي ولا ديموقراطي واحد وهو أن الانتخابت فيهما لا تكون من أجل قيادة الشعب وإدارة الدولة بل هي انتخابات بين أحزاب كل طائفة للفوز بقيادة هذه الطائفة (أو القومية بالنسبة للكرد في العراق) او للحلول في المرتبة الأولى ليكون كرسي رئاسة الوزراء من حصة الحزب الأكثر مقاعد. في لبنان ترسخ نظام المحاصصة الطائفية وتوزيع المناصب والرئاسات وتفولذ تماما، ولم يعد أحد يناقش أو يحلم بتغيير هذا الواقع إلا من قبل ثوريين نادرين هنا وهناك. وفي العراق فالنظام الطائفي في طريقة الى التكرس التام والفولذة لأنه ما يزال يمر في فترة انتقالية، أما الكلام هذه الأيام عن تبادل رئاسة الجمهورية والبرلمان بين ممثلي الكرد والعرب السنة مع بقاء رئاسة الوزراء محاطة بخط "شيعي" أحمر فهو يؤكد هذا المعنى ولا ينفيه! وفي ضوء هذا الواقع الطائفي الرجعي واللاديموقراطي أي معنى أو قيمة تبقى لانتخابات طائفية كهذه؟ ثمة نصوص قد تزيد من توضيح هذه الصورة القاتمة:

1-وجه القيادي السابق في الحزب الشيوعي اللبناني علي غريب رسالة مفتوحة إلى قيادة الحزب مطالبا إياها بالانسحاب من الانتخابات التشريعية الوشيكة في لبنان بعد "كارثة" تجربة انتخابات شارك فيها في الدورة الانتخابية السابقة. هذه فقرات أحسب أنها الأهم من الرسالة المفتوحة:

* كان تقييم الهيئات القيادية لنتائج تلك الانتخابات أنها «كارثية»، وأن من غير المفيد بعد اليوم مشاركة الحزب في أي انتخابات على أساس القانون الأكثري. ومع مطلع الاستحقاق الحالي، قرّرت اللجنة المركزية المشاركة في العملية الانتخابية، لكن بعد وضع معايير سياسية لطبيعة المشاركة ونوعية التحالفات، على أساس (لا تحالف مع الثنائيات والوحدانيات المذهبية، ولا تحالف مع أحزاب السلطة وتوابعها.) و (نعم للتحالف مع اليساريين والعلمانيين والديمقراطيين الراغبين في تحقيق الدولة العلمانية الديمقراطية).

* (لكنك، حضرة الأمين العام، ذهبت إلى ممارسة غير منسجمة مع قرار اللجنة المركزية، فبالغت في التأكيد على أن العملية الانتخابية الراهنة وعبر هذا القانون هي محطة للتغيير الديمقراطي، علماً بأن هذا القانون سيعيد إنتاج الطبقة السياسية ذاتها. إن مفهومنا الثابت أن القانون الوحيد الذي يشكّل مدخلاً للإصلاح السياسي هو القانون الذي أكدت عليه كل القيادات السابقة، أي "القانون النسبي غير الطائفي على أساس لبنان دائرة واحدة").

* (أنتم انخرطتم كغيركم من أطراف السلطة في تحالفات غريبة عجيبة حيث يتحالف اليساري مع اليميني، والاشتراكي والإقطاعي وأحزاب المعارضة مع أحزاب السلطة. وهذا لا نجد له مثيلاً في أي بلد في العالم، بما يؤدي قبل بدء العملية الانتخابية إلى نسف مفهوم الديمقراطية من جهة والى دفن النسبية المشوّهة من جهة أخرى).

* (في النهاية، ليس هدفي الاتهام أو التشكيك، بل كل ما أهدف إليه هو أن تعود إلى بداية ما طرحته من مشروع سياسي، وذلك: بأن تبادر قبل فوات الأوان إلى عقد مؤتمر صحافي تعلن فيه انسحاب الحزب من كافة الدوائر، والتخلي عن كل تلك التفاهمات الانتخابية، وهذا ما أفضّله. كما اقترح عليك التقدم إلى الشعب اللبناني ببيان سياسي تقول فيه إن قرار الانسحاب سببه هذا القانون الانتخابي وطبيعة اللوائح الانتخابية واستخدام التعبئة والتحريض الطائفي والمذهبي من قبل أطراف السلطة، فضلاً عن استخدام المال السياسي من أجل كسب الأصوات).

2- استدراك: نشرتُ هذه الفقرات من مقالة الزميل اللبناني علي غريب من باب العلم بها والاطلاع عليها وليس من باب التبني الكامل لها، رغم اتفاقي العام مع الجوهر الذي تقوم عليه. أما في ما يخص مشاركة الحزب الشيوعي العراقي في الانتخابات وتحالفه مع حزب مدعوم من زعيم التيار الصدري فقد وضحت موقفي عدة مرات ولا بأس من تكراره باختصار هنا : حين يخيرنا البعض بين أن يتحالف الحزب الشيوعي مع من يسمون أنفسهم مدنيين من أصدقاء إسرائيل بزعامة مثال الآلوسي، والذين سبق للحزب أن تحالف معهم في الانتخابات السابقة 2014، وبين التحالف مع قوة سياسية إسلامية ذات قاعدة عمالية وشعبية واسعة، سيختار الوطنيون والديموقراطيون على الأرجح الخيار الثاني، ولكنني رغم قراري بعدم المشاركة في هذه الانتخابات أتحفظ على هذا التحالف بين الحزب والتيار رغم إطرائي للشجاعة الفكرية والسياسية الطرفين اللذين عقداه. اتحفظ عليه لأنه في اعتقادي تحالف بين أهل النظام المحاصصاتي الطائفي والمؤسسين له ولدستوره ولأنه تحالف هشٌّ لا يطرح برنامجا وطنيا ديموقراطيا جذريا يريد إنهاء العملية السياسية الأميركية وإطلاق عملية سياسية عراقية تبدأ بإعادة كتابة الدستور وقانون الأحزاب السياسية ولهذا فلن أشارك في هذه الانتخابات مثلما لم أشارك في جميع الدورات الانتخابية السابقة ومع ذلك فهذا الموقف لا يمنعني من اعتبار هذا التحالف "سائرون" هو التحالف أو القائمة الأقل سوءاً بين جميع القوائم الموجودة لثلاثة أسباب على الأقل: الأول أنها قائمة عابرة للطوائف واقعا وأسماء ونهجا منذ قيامها. والثاني هو أنها وقياداتها السياسية غير تابعة لدولة إقليمية مجاورة أو لدولة الاحتلال الأميركي وأعني الصدريين أكثر من غيرهم. وثالثا أن أغلب الوجوه التي قدمتها "سائرون" لم تتلوث بالفساد لا اتهاما ولا حكما قضائيا.

3-أما الموقف الشيوعي الأكثر نضجا وقربا من الموقف الوطني والطبقي المأمول فهو ذلك الذي عبر عنه بيان "حزب اليسار الشيوعي العراقي" الذي سجل ووضح فيه موقفه الرافض للمشاركة في الانتخابات في العراق وها أنا أقتبس لكم منه الفقرات التالية:

*(كشفتْ لنا ممارسات العملية الانتخابية وآليّة ترشيح وانتخاب الساسة واختيار السياسات الناجمة عنها، جملة من المخالفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، وهي في النتيجة الأمر الذي نتج عنه خسران العراق استقلاله السياسي وفقدانه سيادته الوطنية.)

*(ومما يثير الحيرة ضلوع الجميع في العملية السياسية المبتذلة وتباريهم وتنافسهم المخجل على كراسي الحكم والنفوذ، فيما أنّك لن تجد فرقاً واحداً فيما بينهم، والحيرة الأكبر غياب التيار الوطني الذي يضع مصالح العراق الوطنية العليا على رأس جدول أهداف نضاله التي يجب أن يقف في مقدمتها إحراز الاستقلال التام واستعادة السيادة الوطنية بالسيطرة على الثروة النفطية.)

*(وليس في يد ساسته أو حكوماته المتعاقبة اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنهض بالبلاد وتقدم مصالح أبنائه، خصوصا بعد أن قام الساسة بتكبيل العراق بقيود ضخمة من القروض للبنوك ومؤسسات المال الدولية. فالسياسات كلها أصبحت مرتبطة بالقرار الذي ترضى عنه القوى المحتلة وشركاتها ومؤسساتها المالية، والتي تضع عليه السفارة الامريكية في النهاية ختمها لإجازته وتمريره، بما في ذلك نتائج الانتخابات.

أضف إلى كل ذلك، أنّ العراق يخضع للاحتلال الأمريكي من جانب والتغلغل الايراني من جانب آخر ويقبع تحت هيمنتهما؛ فضلاً عن تدخّل قوى إقليمية ودولية في شؤونه الداخلية وفي قراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي مما أفقده استقلاله وسيادته الوطنية. وفي بلد محتل تصبح الديمقراطية والانتخابات باطلة ومجرد ديكور لتبرير الحكم الاستبدادي "..." يكفي أن نشهد ما يجرى من مساومات تطول لأشهر بذريعة حسم الفرز بين القوائم الانتخابية، لنعرف خداعها وخداع من يقوم عليها، حين تصبح فيها السفارة الامريكية عرّاب تلك الانتخابات، فهي من يضطلع بالمساومات بين الاطراف المتنازعة لضمان مصالحه/ بيان لحزب اليسار الشيوعي العراقي: الانتخابات البرلمانية... موقفنا الراهن).

المقالتان منشورتان في موضع آخر من البديل العراقي