«الدعوة» في العراق: حراك نشطٌ لتوحيد «الجناحَين»

نور أيوب

لا يزال اللقاء غير المعلَن الذي جمع نوري المالكي بحيدر العبادي مثار جدل على الساحة العراقية، باعتباره منطلقاً لإجابة سؤال قديم ــ جديد يتصدّر حالياً المشهد السياسي: هل «الدعوة» داخل الحكم أم خارجه؟ الخياران قائمان: الأول مرهون بجهد داخلي (على صعيد الحزب) وغطاء إقليمي، والثاني متصل برؤية قادة «الدعوة» لمستقبل الحزب

قبل ثلاثة أسابيع، حلّ نائب رئيس الجمهورية، نوري المالكي، ضيفاً على رئيس الوزراء، حيدر العبادي. زيارةٌ كان «لا بدّ منها» لجملة أسباب في مقدّمها الشرخ الحاصل داخل «حزب الدعوة». ولئن كانت الأجواء مشحونةً بين الطرفين مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية (12 أيار المقبل)، إلا أن مناخ اللقاء كان «إيجابياً جداً» وفق مصادر مطلعة، بعدما مهّد له القياديان عبد الحليم الزهيري وطارق نجم.

بادئ الأمر، جرى اتصال بين المالكي والعبادي بمبادرة من الأول، فسارع الأخير إلى التشديد على ضرورة تحديد موعد اللقاء. أعرب العبادي عن استعداده لزيارة سلفه، إلا أن المالكي أصر على أن يحلّ ضيفاً على رئيس الوزراء. تمحور اللقاء حول أهمية توحيد جناحَي «الدعوة»، والبحث عن آليات لتحقيق ذلك. «الأخبار» نشرت السبت الماضي بعضاً مما دار خلال اللقاء الذي كان بعيداً عن الأضواء، إلا أن بياناً صادراً عن المكتب الإعلامي للمالكي نفى حدوثه، فيما أكد بيان آخر صادر عن المتحدث باسم «ائتلاف النصر» (بزعامة العبادي) انعقاده من دون أن يوضح تفاصيله. اتفق الطرفان على تشكيل لجنة ثنائية تتولى مسؤولية «توحيد الجناحَين». انتدب المالكي صهره، رئيس «حركة البشائر الشبابية»، ياسر المالكي، فيما اختار العبادي أحد معاونيه التنفيذيين، صادق الحسني، لذلك. لم يجرِ المندوبان، حتى الآن، أي اتصالٍ بينهما، لتبقى «جهود التوحيد» في إطارها النظري. 
جهود لم يكن لقاء المالكي ــ العبادي الخطوة الأولى على طريقها، إذ إن قيادات «الدعوة» حاولت قبل شهرين تقريباً اتخاذ خطوة مماثلة. في شباط الماضي، أعلن علي العلاق، القيادي البارز في «الدعوة» أن المالكي والعبادي وقّعا وثيقة تجبرهما على التحالف بعد إعلان نتائج الانتخابات، من دون تقديم تفسير لذلك. مصادر «الأخبار» توضح أن الوثيقة المذكورة تهدف إلى «الحفاظ على وحدة الدعوة، وتمثيله في البرلمان النيابي»؛ فـ«الدعويون الذي يخوضون الانتخابات ضمن إحدى القائمتين، سيكون من اللازم عليهم الانفكاك عنها، والالتحاق تحت قبة البرلمان بكتلة الدعوة». بهذه الخطوة، أراد كل من المالكي والعبادي الحفاظ على وحدة حزبهما، لكن رسائل إقليمية وصلت إليهما بأن «الحفاظ على رئاسة الوزراء يتطلب توحيد الأجنحة قبل الانتخابات».
الرئاسة من منظور «الدعوة»
أسبوعان تقريباً على إجراء الانتخابات، ومعرفة الكيانات السياسية أحجامها، لينفتح بعد ذلك النقاش حول شخص رئيس الوزراء. بين طهران وحلفائها من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى، ثمة قاعدة ينطلق منها المعنيون بالملف العراقي: «لا فيتو على أحد»، تؤكد مصادر «الأخبار»، موضحة أن ما هو محسوم لدى واشنطن وطهران أنه «لا يمكن ــ من الآن ــ وضع فيتو على أي اسم قبيل معرفة توجهات الشارع ومزاجه». وتشدد مصادر العاصمتين على أن «مسار ترشيح رئاسة الحكومة مرهونٌ بنتائج الانتخابات أولاً، وشكل التحالفات ثانياً، والتي ستطرح بدورها اسم مرشحها».
كل من المالكي والعبادي يشدّ السلطة إليه. الأول يسعى إلى «صُنع ملك» مؤمن بمشروع «الأغلبية السياسية»، فيما الثاني يسعى إلى ولاية ثانية. فـ«الذي استطاع أن يقضي على داعش، ويعيد الأراضي المتنازع عليها من إقليم كردستان، من حقه الطبيعي أن يستثمر إنجازاته»، تقول مصادر العبادي. ويقابِل اسم الأخير عدد من الأسماء التي تروج لها مصادر المالكي، أبرزها وزير العمل والشؤون الاجتماعية محمد شياع السوداني، ومحافظ البصرة خلف عبد الصمد، إلا أن الجميع يدرك أن «ربع الساعة الأخير» وحده سيحسم النقاش حول شخص رئيس الوزراء، الذي عادة ما يكون من خارج السياقات أو التوقعات، «توافقياً ــ جامعاً». 
في موازاة ذلك، ثمة رهانٌ على حراك بعض قادة الحزب «التاريخيين» كعبد الحليم الزهيري، وعلي الأديب، وطارق نجم، في معالجة الشرخ. حراكٌ تجدّد خلال الأيام القليلة الماضية بخطوات «مدروسة» يأمل البعض أن تقود إلى حل في القريب العاجل، وإلا فإن التشظي الحالي سينقل الحزب بعد الانتخابات إلى «موت سريري»، وخصوصاً أن تجربة «الدعوة» في الحكم لم تفلح في تطوير البنية الداخلية للحزب، أو هيكليته التنظيمية، بل ساهمت في الابتعاد عن الجمهور، وأقصت جيلاً كان قادراً على إعادة «إنتاج دعوة أكثر شباباً». يدرك «القادة التاريخيون» جيداً أن ثمة خطراً يتهدد «الدعوة» بانفلات الحكم من يده، وعليه، فإن الجولات المكوكية التي يقودونها قد تنتج حلاً، لكن يبقى السؤال: إذا توحد «الدعوة»، هل من قبول لبقائه على «عرش بغداد»؟ 
مصادر متابعة للملف العراقي ترى أن «الدعوة باقٍ في الحكم ما لم يظهر بديل له»، رابطةً ذلك بـ«نتائج الانتخابات أولاً»، و«شكل التحالفات ثانياً». وتضيف المصادر أن بعض الجهات الإقليمية المؤثرة تسعى إلى تثبيت «الدعوة» في الحكم لولاية رابعة، لقناعة مفادها أن الحزب لا يزال أكبر الممثلين لـ«الإسلام السياسي الشيعي في العراق»، لتاريخه «الجهادي منذ الشهيد الصدر حتى اليوم (داخل الحشد الشعبي أيضاً)»، فضلاً عن أن «الدعوة»، وإن كان حزباً «كهلاً»، إلا أن «التيارات المفتوحة العاملة في العراق لا تعرف استقراراً، وعليه لا يمكن الرهان عليها في عملية الحكم». وتختم المصادر حديثها بأن «عملية انتقاء شخص الرئيس المقبل مرتبطة أيضاً بخلفيته السياسية، التي عادة ما تكون دعوية، ذلك أن أي طرح من خارج الحزب لن يحظى بمقبولية أو اعتراف من القوى السياسية».

الأخبار